ندوات ومقالات

كمال بكداش /المسيح في متخيَّل المسلمين

تشكّلت صورة المسيح في متخيَّل المسلمين من ثلاثة مصادر رئيسية: القرآن، والأحاديث النبوية، والأدبيات العربية الإسلامية حول أخبار وقصص المسيح. ولهذه المصادر بدورها مصادر أقدم تمثَّلت بصورة أساسية في الأناجيل، القانونية والمنحولة.

“المسيح” كلمة عبريّة ذات مصدر سريانيّ تعني في التوراة المخلّص الفادي. الممسوح بالزيت، الذي يظهر في آخر الزمان ويُعيد المُلك الداوودي إلى بيت إسرائيل.
والسؤال كيف تمثَّلت صورة المسيح في الإسلام؟

المسيح في القرآن
ورد إسم المسيح في القرآن في خمس عشرة سورة، وفي ثلاث وتسعين آية. ويدعو القرآن عيسى وحده من بين الأنبياء “روح الله وكلمته”، ولم يذكر القرآن نبياً أو رسولاً أتى بمعجزات كالتي جاء بها المسيح، ومنها كلام عيسى في المهد وإبراء الأبرص والأكمَة وإحياء الموتى، وهناك علاقة لا ريب فيها بين نص القرآن في سورة المائدة وبين ما قصّته الأناجيل عن العشاء السري الوداعي ومائدة القربان الذي شرّعه المسيح للنصارى**.
أضف أن بعض صفات وأعمال عيسى في القرآن تشبه صفات يسوع المسيح وأعماله في الأناجيل.
ولكنّ هناك شيئاً خاصّاً بالمسيح يجعل صورته القرآنية في نظر قارئ مسيحي متديّن مختلفة عن مسيح الأناجيل: إنه النبي الوحيد في القرآن الذي ينحّي بنفسه عما يعتقده أتباعه عنه. ولذا نجده مثلاً في القرآن كيف ينفي أية مسؤولية له في إشاعة معتقد الثالوث الأقدس (سورة المائدة، 5: 116)، الذي يهدد الوحدانية التي يقوم عليها الإسلام، ونجد الله بدوره ينفي حصول الصلب “… وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبِّه لهم.. بل رفعه الله إليه…” (سورة النساء 4: 157 – 158).
وعليه فالمسيح في القرآن هو النبي “عيسى ابن مريم” وليس ابن الله، ولا إلها متجسدا في التاريخ كما في الأناجيل، ولذا فإنّ المسيح في القراءن مجبول في جدلية لاهوتية ويشكل بديلاً عن المسيح المصلوب، وعن مسيح القيامة، وعن مسيح الفداء في الأناجيل*.

المسيح في الأدبيات العربية الإسلامية
بالرغم من هذه الإختلافات العقائدية اللاهوتية بين ما جاء في القرآن وما جاء في الأناجيل حول المسيح، ظهر منذ الزمن المبكر من عمر الإسلام صورة أخرى للمسيح ازدهرت في كتب الزهد والتقوى وفي الكتابات الدينية التي تُدعى “قصص الأنبياء”. هذا المسيح الآخر هو مسيح التقوى والعبادة الذي إستمرت أخباره وقصصه في الظهور في الأدبيات العربية الإسلامية حتى القرن الثامن عشر، وهذه الأخبار والقصص هي ما يسميه طريف الخالدي بـ “الإنجيل الإسلامي”.

{تُبرِز هذه الأخبار وتزيد من دور المسيح في يوم القيامة حيث يلتقي حوله المؤمنون، وتحديداً “الفرّارون بدينهم”}

لا ريب في أنّ إهتمام القرآن بشخص المسيح بقي عاملاً أساسياً في التّرغيب على تجميع وتناقل أخباره في إطار إسلامي. ويغلب على معظم الرواة المؤسسين للأخبار والقصص الأولى عن المسيح في التراث الإسلامي، صفة الزهّاد والعبّاد الذين وجدوا في أخبار الأناجيل عن المسيح، مادّة خصبة بنوا عليها الكثير من أمثلتهم الأخلاقية ووجدوا في المسيح عرّاباً للزهّاد المسلمين.
تُبرِز هذه الأخبار وتزيد من دور المسيح في يوم القيامة، حيث يلتقي حوله المؤمنون، وتحديداً “الفرّارون بدينهم”، وتشمل هذه الأخبار أحاديث وقصصاً أصلها من الأناجيل، مثل: “قال عيسى بن مريم: سلوني، فإنّ قلبي ليّن وأني صغير في نفسي”، وهذا الخبر هو محاكاة لإنجيل متى: “تتلمذوا لي فإني وديع متواضع القلب”. (متى، 11: 29).
مع مرور الزّمن ازداد حجم أخبار وقصص المسيح في الأدبيات العربية الإسلامية، حيث أصبح المسيح،إضافة إلى دوره كعرّاب للزهاد المسلمين، نموذجاً للسيرة الحسنة والأخلاق، مثل: “قال المسيح صلّى الله عليه وسلّم: كن وسطاً وامشِ جانباً”.
نجد المسيح إذاً في الأدبيات العربية الإسلامية – إضافة بالطبع إلى الأحاديث النبوية التي تشدّد على العلاقة المميزة الخاصة بين النبي والمسيح الزاهد وصاحب المعجزات والشافي بإذن الله للأمراض.

المسيح في متخيَّل المتصوِّفة المسلمين
يظهر المسيح في متخيل الصوفيين المسلمين وكأنه شيخهم الأكبر، على طريقته ساروا وبهديه اهتدوا. فمع الغزالي (ت 505/1111) – الذي يحوي كتابه الموسوعي “إحياء علوم الدين” أكبر عدد من الأخبار والقصص عن المسيح في أي مصدر عربي إسلامي – تبلغ مكانة المسيح درجة عالية من الشفافية كنبي القلب بامتياز. وقال ابن عربي “أنه تاب على يده”.
عامل المزاجُ الصوفيّ المسيح كشخصية ذات علاقة روحانية مركزية به. ولذلك من الصعب تفرقة مسيح المذهب الصوفيّ عن مسيح الأناجيل. ولذا نجد المسيح الإنجيلي وقد انقلب بسهولة إلى واعظ صوفي، كما نجد لقبَيّ المسيح في القرآن، أي “كلمة الله” و”روح منه” في الإطار الصوفيِّ الركائز التي بنى المتصوّفة عليها صورته.

{مَثَلُ طالب الدنيا مثل شارب ماء البحر كلما ازداد شرباً إزداد عطشاً حتى يقتله}

جمع أبو حامد الغزالي في كتابه “إحياء علوم الدين” معظم المواعظ التي نسبها الصوفيّون إلى المسيح، وكلها تكاد تدور حول قطبين مهميّْن، أولهما الفقر وثانيهما إدراك الله وفناء الدنيا، ومن هذه المواعظ على سبيل المثال: “قال عيسى عليه السلام: مَثَلُ طالب الدّنيا مثل شارب ماء البحر كلما ازداد شرباً إزداد عطشاً حتى يقتله”. ومن المواعظ التي ينسبها ابن عربي إلى المسيح: “قال عيسى بن مريم عليه السلام: يا معاشر الفقهاء، قعدتم على طريق الآخرة فلا أنتم مشيتم فوصلتم إليها ولا أنتم تركتم أحداً يجوزكم إليها فالويل لمن إغتر”*

المسيح في متخيَّل المسلمين
يبدو المسيح الإسلامي إذاً، كما يتجلى في القرآن والأحاديث النبوية والأدبيات الإسلامية ولا سيما في الكتابات الصوفية حالة نادرة تساعدنا على فهم طبيعة سعي تراث ديني معين إلى إستعادة الشخصية المركزية في رسالة سماوية أخرى لتفصيل أسس الإيمان لديه.
صحيح أننا نجد المسيح في هذا التراث مجرَّداً من بنوَّته لله، ومن ألوهيته، ومن موته على الصليب إفتداءً لخطايا البشر، ولكنه من جهة أخرى مرصَّع بصفات تجعله يسمو فوق ميدان التاريخ. لذا يصبح المسيح في بيئته الإسلامية وفي متخيل عموم المسلمين هدفاً للحب الفائق والوقار الشديد والود الحميم. ويكاد لا يتلفظ مسلم متدين / مسلمة متدينة بإسمه إلا مقروناً بصيغة التوقير الشديد “السيد المسيح عليه السلام” (وتظهر في التراث الأدبي كثيراً صيغة “عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلّم”)، وكذلك في ما يتعلق باسم أمه “السيدة مريم عليها السلام”. وتبلغ محبته لدى المسلمين أنهم يتسمّون بإسمه “عيسى” وتبلغ مودتهم لأمه إنهم يسمّون مواليدهم الإناث كثيراً بإسمها “مريم”*.

{تظهر في التراث الأدبي كثيراً صيغة عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلّم}

واللافت في القرآن والأحاديث والأدبيات الإسلامية حول أخبار وقصص المسيح أنها لا تورد أية إشارة – مجرد إشارة – إلى الوجه “العنيف” في مواقف وأقوال المسيح**، فيما يظهر حصراً في هذا التراث وانطبع بقوة في متخيّل عموم المسلمين عن المسيح هو صفات الوداعة والتواضع والزهد والأخلاق السامية.
والخلاصة أن تراث المسلمين وخيالهم العام حول المسيح غيّبا تغييباً تاماً هذا الوجه “العنيف” للمسيح الذي أبرزته بوضوح الأناجيل القانونية. فلم يكن الزهاد وأصحاب التقوى المسلمون، ولا سيما المتصوفة – في مواجهتهم لفقهاء الدنيا – بحاجة إلى هذا الوجه للإنتصار لقضيتهم في التوق لملكوت السماء.

 

1ميشال الحايك، المسيح في الإسلام، دار النهار، 1961، ص 15.
*2 طريف الخالدي، الإنجيل برواية المسلمين، دار النهار، بيروت، 2003، هو صدر بالإنكليزية سنة 2001 بعنوان: The Muslim Jesus، أي “المسيح المسلم”، ص ص 22 – 23.
*3 استخلصنا المسيح في متخيّل المتصوفة المسلمين من: ميشال الحايك، مرجع سابق، وطريف الخالدي، مرجع سابق.
*4 كمال بكداش، أسماء اللبنانيين واللبنانيات: الدلالات الثقافية الإجتماعية، مجلة إضافات، العدد 41 – 42، 2018.
**5 يظهر هذا الوجه “العنيف” للمسيح بوضوح تام في الأناجيل القانونية، أنظر في هذا الموضوع: بول بوشان ودُني فاس، العنف في الكتاب المقدس ونقله إلى العربية: الأب صبحي الحموي اليسوعي، دار المشرق، بيروت، 2005.
يورد الكتاب أقوالاً عنيفة ليسوع، منها القول المشهور “ما جئت لأحمل سلاماً، بل سيفاً” (متى، 10/34).

زر الذهاب إلى الأعلى