سليدرمنبر حر

منير الربيع/ إسرائيل تريد للبنان أن يكون في فلكها أو كنفها

 {  عُقد في مقر “النادي الثقافي العربي”، وبدعوة منه لقاءٌ يوميّْ الخميس في 23 نيسان والسابع من أيار 2026 ضمّا نخبة من أهل الفكر والثقافة تحت عنوان “استشراف المشهد اللبناني بعد الحرب “، وتم التباحث خلالهما بمآلات الحرب، اضافة إلى الخيارات الممكنة والأكثر فعالية لاستيعاب تداعيات الحرب وآثارها.
وننشر في زاوية ” منبر حرّ “على موقع النادي تباعاً بعضًا من تلك الأفكار حول الموضوع التي طُرحت خلال النقاشات والتي تعبّر عن آراء أصحابها حصرًا.}
——————————————————————————————
{ منير الربيع: صحافي ورئيس تحرير جريدة المدن الالكترونية}

الحرب الدائرة في المنطقة هي حرب إقليمية ذات أثر عالمي. ومن شأنها أن تحدد مسار توازنات العالم للسنوات المقبلة. من فنزويلا، وكل أميركا اللاتينية، إلى غرينلاند والعلاقات المتوترة مع اوروبا، إلى حرب إيران.

يظهر دونالد ترامب أنه يعيد تشكيل موازين القوى في النظام العالمي، وهو في الأساس يؤمن بفرض القواعد بالقوة وبتوازن القوى. في هذا السياق تأتي حربه على إيران بعد مسار معقد من المفاوضات سعى فيها إلى الاتفاق مع إيران لأن ما يريده هو الوصول إلى اتفاق يسمح لأميركا أن تكون صاحبة الكلمة الأساسية في مسار النفط الإيراني، خصوصا أن 80 بالمئة منه يتم تصديره للصين. هذه الحرب هي جزء من الصراع بين الولايات المتحدة الأميركية والصين. والآن ومع لجوء ترامب إلى خيار حصار إيران، فهو يريد لقواته أن تبقى في مضيق هرمز وأن تكون هي المسيطرة على حركة الدخول والخروج وتاليا التحكم بمسارات النفط الإيراني.
كل ما يجري يشير إلى أنّ ما تشهده المنطقة هو مسار طويل سواء كان حربا أم من خلال المفاوضات. يسعى الإيراني للحفاظ على وضعيته وتحمُّل الضغوط العسكرية والاقتصادية. بينما الأميركي يلجأ للحصار واعتباره أفضل من الحرب بنتائجه.
من خلال الإغلاق الكامل والمحكم لمضيق هرمز، سيضغط ترامب على كل الدول التي يمثل المضيق حاجة استراتيجية لها ومن خلاله تعبر احتياجاتها النفطية، وهو بالذات يضغط على الدول الأوروبية التي يعتبر أنها لم تقف إلى جانبه ولم تسانده في حربه على إيران، لذا فإن إغلاق المضيق سيدفعها إلى التحرك، أو أن ترامب يعتبر ذلك إجراء عقابيا بحقها.
انطلاقا من ذلك، فإن ترامب يعمل على تطبيق استراتيجية جديدة، تتعلق بالنفط العالمي، وكيفية تصديره وتوريده، في إطار الصراع المفتوح على الممرات وسلاسل الإمداد، وهو ما يعيد إحياء التنافس بين دول عديدة حول إيجاد مسارات جديدة، فأكثر من يفتح شهيته على ذلك هو إسرائيل وبنيامين نتنياهو الذي لا يزال يطمح لأن يصبح مشروع طريق الهند هو المشروع الأساسي الذي يرتكز عليه العالم من آسيا إلى الخليج العربي فأوروبا.

{مشروع ” البحار الأربعة” سيتعرض لحرب إسرائيلية شرسة لمنع تحقيقه}

في المقابل، فإن دول الخليج بدأت بالبحث عن بدائل من مضيق هرمز، واتجهت على تركيز الاعتماد على البحر الأحمر القابل بدوره أيضا الى انعدام الأمان في حال تجددت الحرب على إيران، وهو ما سيدفع إلى البحث عن طرق جديدة، من بينها فتح خطوط من الخليج إلى سوريا عبر الأردن ومن هناك إلى تركيا ومن السواحل السورية نحو أوروبا. هنا لا يمكن إغفال المشروع التي أعلنت عنه سوريا وتركيا مع الأردن، إضافة إلى مشروع ” البحار الأربعة” الذي يضع سوريا وتركيا في موضع نقطة الالتقاء الاستراتيجي بين الخليج العربي، البحر المتوسط، بحر قزوين والبحر الأسود. علما أن هذا المشروع سيتعرض لحرب إسرائيلية شرسة لمنع تحقيقه.
ولبنان لن يكون بعيدا عن تداعيات الصراع على خطوط الإمداد والسلاسل، فبموقعه على البحر الأبيض المتوسط، وفي موقع يتوسط تركيا وإسرائيل، سيكون عرضة لتنافس وتناتش، ولذلك استعجل الإسرائيليون منذ فترة طويلة الإعلان عن نيتهم الوصول إلى اتفاقات اقتصادية مع لبنان، كل هذه الاتفاقيات ترتكز على مشروع تصدير الغاز من المتوسط، وأن تكون الحدود البحرية والحقول اللبنانية مرتبطة بالحقول الإسرائيلية وخط الإمداد والتوريد. إسرائيل تريد للبنان أن يكون في فلكها أو كنفها، لا أن يكون شريكا لأي مشروع خليجي-سوري-تركي مشترك.
لبنان مرتبط بشكل أو بآخر بمفاوضات اسلام أباد، في مقابل المساعي الجدية لفصل الملفين عن بعضهما البعض. الدولة غير قادرة على تقديم تصور واضح حول كيفية الخروج من هذه الحرب. ولا تصور لأي تسوية سياسية او أي دور للبنان. العودة إلى ما بعد اتفاق تشرين مع وضع قواعد اشتباك جديدة بين الحزب والإسرائيليين، أي ضربة مقابل ضربة، طالما لم يسمح الأميركي لإسرائيل بتوسيع عملياتها العسكرية.

{دخل لبنان ومعه المنطقة في مدار حرب جديدة وصفها بنيامين نتنياهو بأنها حرب لتغيير وجه المنطقة}

بالعودة إلى قراءة بسيطة لتاريخ لبنان، فقد تأسس بعد الحرب العالمية الأولى، أو هو أحد نتائج هذه الحرب، وأعيد النظر بمسوّغات تأسيسه بعد حرب أهلية مصغرة في العام 1958، وأعيد النظر بأسباب وجوده بعد حرب العام 1967، وأعلن عن لبنان جديد بعد حرب السنتين وهذا كان شعار الرئيس الياس سركيس” لبنان الجديد” ثم كان هناك وعد بإعادة بناء لبنان بعد الاحتياج الإسرائيلي وبدأت مسارات عديدة لإنهاء الحرب، والتي انتهت باتفاق الطائف، بعد حرب الخليج واستنفاد الحروب اللبنانية، عندها وصف هذا اللُّبنان بأنه دخل في مسار الجمهورية الثانية.
أعيد النظر بمصير الجمهورية اللبنانية بعد حرب العراق وأفغانستان وابتداء مشروع الهلال الشيعي والذي انفجر في لبنان عام 2005 باغتيال الرئيس رفيق الحريري.
ومرة جديدة تعرّضت الصيغة اللبنانية لامتحان عسير بعد حرب تموز عام 2006 كان لها انعكاسها السياسي والعسكري بمحاولة حزب الله الانقلاب على الحكومة وصولا إلى 7 أيار وما قبله وبعده من طاولات حوار استمرت حتى العام 2016 حيث جرى الوصول إلى تسوية سياسية كرست فوز حزب الله سياسيا في لبنان.
وعلى وقع طوفان الأقصى، دخل لبنان ومعه المنطقة في مدار حرب جديدة وصفها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنها حرب لتغيير وجه المنطقة.
حاليا يعيش لبنان صراعا وجوديا، خوفا من عملية قضم إسرائيلي للجغرافيا، وتغيير الديمغرافيا، وتغيير الوجهة السياسية، من خلال دفع إسرائيلي جدي لجعل لبنان يدور في فلك إسرائيل.

{اليوم يبدو لبنان مهددا بوصاية إسرائيلية دون تقديم أو بلورة أو تصور واضح يقدم دليلا لهذا الخطر}

تناوب على لبنان تفوُّق قوى سياسية وطائفية، من المارونية السياسية، إلى محاولة بروز سنية سياسية لم تنضج بفعل الوصاية السورية، وصولا إلى مرحلة الشيعية السياسية والتي بدأت تنتهي في حرب العام 2024 والتسوية السياسية الجديدة.
وتوالى على لبنان وصايات كثيرة من الوصاية الناصرية بتقاطع مع الأميركيين إلى الوصاية السورية بتقاطع مع الأميركيين، وصولا إلى الوصاية الإيرانية. أما اليوم فيبدو لبنان مهددا بوصاية إسرائيلية دون تقديم أو بلورة أو تصور واضح يقدم دليلا لهذا الخطر.
إن هذه المجهولية القائمة اليوم حول كيف سيتم قيادة لبنان ومن الذي سيقوده، يدل عليها خطاب سياسي أو نظرية أو رؤية سياسية تجمع اللبنانيين من حولها، وتعمل على توفير الشرعية لقيادة سياسية جديدة هدفها الخروج من حالات الصراع على أصل البلد وهويته ووجهته ووضعه على سكة كيفية بنائه.
وهذا ما يفاقم من غموض المستقبل ومن القلق على معنى وجود لبنان،خصوصا أنه لا مؤشرات توحي بأن الدولة ستكسب عناصر قوة أو أن الجماعات ستسلم لفكرة الدولة بمصيرها. طالما أن الجماعات المختلفة غير مقتنعة بالدولة وبدورها، وهو ما يهدد البنيان الاجتماعي والمؤسساتي.
هذا الواقع، قد يضع لبنان أمام مواجهة احتلال قد لا يكون قصيرا، وهو ما سيضاعف من حالة عدم الاستقرار وتوالي الاضطرابات الاجتماعية والديمغرافية والمزيد من الضيق الاقتصادي، وربما سيتغذى الانقسام اللبناني أكثر فأكثر.
الناظر مثلا إلى مجمل الاقتراحات ” لإنقاذ لبنان” أكانت عربية أو فرنسية أو اميركية بأغلبها تبدو أشبه بالأمنيات، ولا ترقى إلى خطة واقعية وجدية قابلة للتحقق. إذ لا قدرة لدى لبنان لحسم قراره بأن يختار وجهته سواء كانت هذه الوجهة، عربية أم غربية أم شرقية, وهذا ما يحيل لبنان إلى واقع جغرافي وسكاني حقيقي، لكنه تحول إلى جمهورية افتراضية.
يحتاج لبنان اليوم إلى اتفاق داخلي، يتقاطع مع اتفاق عربي ودولي، مهمته إعادة تشكيل رؤية سياسية هدفها إعادة تشكيل رؤية سياسية هدفها إعادة بناء الدولة.

بالنسبة لوضعية حزب الله وخططه لما بعد الحرب، أرى أن ما يريده حزب الله هو تكرار تجربة ما بعد حرب تموز 2006، وليس تكرار تجربة ما بعد حرب العام 2024، ولكن مع فارق أساسي أنه خسر سوريا.

{يسعى حزب الله للحفاظ على وجوده كتنظيم عسكري وسياسي ويعيد ايجاد قواعد اشتباك جديدة في الجنوب}

يسعى حزب الله للحفاظ على وجوده كتنظيم عسكري وسياسي، ويعيد ايجاد قواعد اشتباك جديدة في الجنوب وإن طالت وتحولت عملياته إلى عمليات مشابهة للتي كان يقوم بها قبل العام 2000 وأن تبقى المواجهة مع اسرائيل محاصرة في الجنوب، بينما في الداخل فحتما سيعمل على تغيير موازين القوى السياسية وتغيير شكل الحكومة أو تركيبتها.
أما عن خيارات الدولة وعناصر القوة والضعف فالدولة اللبنانية ليست في موقع تُحسد عليه. تحيط بها مشاكل كبيرة، أولها خسارة جزء من الأرض، وعدم التزام حزب الله بقراراتها، في مقابل حجم هائل من الضغوط الدولية. كل ذلك يتحول إلى نقاط ضعف للدولة، وفي حال عدم ابتكار مبادرة سياسية فعالة قادرة على جمع مختلف القوى والمكونات على رأي ورؤية، فإنها ستبقى في حالة تحلل، وتدخل في انهيار مؤسساتي واجتماعي وربما أمني يقود لاحقا إلى استعادة مشاهد من الماضي كلجوء جماعات وقوى إلى عدم الاعتراف بالدولة وسعيها لإنشاء دولتها الخاصة.
وبالنسبة لعناصر القوة، فهي تكمن في الرؤية التي يفترض أن تدفع الدولة اللبنانية إلى المبادرة بجرأة باتجاه حزب الله كما غيره لمعالجة ملف السلاح، في مقابل انخراط الدولة اللبنانية ضمن مشروع عربي وإقليمي يقيها المخاطر الإسرائيلية ويعزز مناعتها انطلاقا من ربط لبنان بمشاريع الترابط والتكامل التركية السورية السعودية إلى جانب توسيع هامش العلاقات مع الغرب بما يقطع الطريق على أي محاولة استفراد إسرائيلي.
لا شك في أن معالم الاتفاق الإيراني الاميركي غير واضحة حتى الآن. النظام الحالي في إيران يستحيل أن يتخلى عن حزب الله أو أي حليف من حلفائه ما يعني استحالة التخلي عن الملف اللبناني، في مقابل مساع دولية وأميركية لفصل ملف لبنان عن إيران. وفي حال بقي النظام وتوصل إلى تفاهم مع الأميركيين سيكون لذلك ارتدادات سلبية على كل الدول العربية.
في الختام، وأمام المشهد المجتمعي وطبيعة الخريطة السياسية بعد الحرب، نرى أن هذه الحرب سينجم عنها تشظيات اجتماعية كبيرة، فهناك غالبية من اللبنانيين يعتبرون أن مشروع حزب الله لا يمثلهم، بعضهم راهن على إنهاء مشروع الحزب وبحال لم يتحقق رهانهم عندها سيلجؤون إلى البحث عن خيارات بديلة وهنا سنسمع أكثر عن شعارات تتعلق بالفيدرالية أو التقسيم. وبحال حافظ الحزب على وضعيته عندها ستعيش الساحة اللبنانية ارتدادات ذلك بمزيد من التوترات السياسية وربما الأمنية.

زر الذهاب إلى الأعلى