سليدرندوات ومقالات

لبنان ما بعد الحرب: التحديات والخيارات سام منسى/لبنان أمام مأزق تاريخي

أقام “النادي الثقافي العربي” في مقره الرئيسي في شارع الحمراء بتاريخ 4 حزيران 2026 ندوة فكرية بعنوان ” لبنان ما بعد الحرب: التحديات والخيارات” شارك فيها د. سام منسى، أ.نديم شحادة، د. وجيه قانصو مديرا للجلسة ومحاضرا مشاركا فيها، وذلك بحضور نخبة من المثقفين والمهتمين تقدَّمَهم دولة الرئيس فؤاد السنيورة ورئيس النادي الدكتور حسن منيمنة.
****************************************************************************

من الصعب الحديث اليوم عن تحديات ما بعد الحرب، ذلك لأننا لا نزال في خضم هذا المأزق التاريخي الذي يعيشه لبنان، حتى أننا لا نرى اليوم أفقا للتسوية. شخصيا لقد حاولت أن أخوض هذه التجربة في جريدة الشرق الأوسط ، فكتبت منذ أسبوعين أو ثلاثة عن السلام في لبنان تحت عنوان السلام كاشف العورات، ومن الممكن أن يكشف كل عورات لبنان. وأريد هنا أن أستلهم الأفكار التي مرت في كتابتي عن هذا الموضوع، منها أن التناحر هو فرصة للتفكير بأن لدينا مشكلة الحرب، وكان كل حديثنا وتفكيرنا حول سلاح حزب الله، اليوم أصبح النقاش حول السلاح وحول المفاوضات. هاتان المسألتان تشغلان اليوم معظم أذهان اللبنانيين.
اليوم، فلنأخذ فرصة ولنفترض بوجود فسحة أمل وتحقيق تسوية، ممكن أن تكون شاملة، وممكن أن تكون موقتة، بمعنى مرحلة من الاستقرار المستدام إلى حد ما، تختلف عن السنوات الخمسين الماضية. ولكن السؤال الأبرز هنا، ما هي العقبات التي يمكن أن تواجه اللبنانيين في مرحلة ما بعد التسوية أيًّا كان شكلها؟
لا شك أوّلًا، أننا في لبنان ربطنا سببَ كل الإشكالات التي يشهدها البلد بوجود الحرب. إذا تحدثنا عن الفساد، يوجد حرب، وإذا تحدثنا عن تسويات سياسية، يوجد حرب، وعن الحوكمة، يوجد حرب، إصلاح إقتصادي، معالجة مشكلة المصارف ،الأزمة اللبنانية، كلها تُقرَن بكلمة الحرب. فالموضوع برمته ليس فقط هذه الحرب. فمنذ العام 1975 إلى يومنا هذا، الطبقة السياسية والأناس العاديون والقوى السياسية، ليس فقط الحكومات المتعاقبة، كلهم شاركوا بمقولة نحن في حالة حرب، ليس هذا وقت الإصلاح ووقت المعالجات، ولغاية الآن يتم تكرار السبب ذاته. فلنفترض اليوم أن الوقت حان لانتهاء الحرب، فما هي العقبة الأولى التي تواجه لبنان؟ أولى العقبات التي تمنع اليوم حصول تسوية في البلد، يقولون وجود سلاح حزب الله.

{ لاأعتقد أن مشكلة حزب الله تكمن في وجود السلاح فقط فحزب الله هو حزب الله وليس لذلك علاقة بامتلاك السلاح}

أنا لا أعتقد أن مشكلة حزب الله تكمن في وجود السلاح فقط، فحزب الله هو حزب الله وليس لذلك علاقة بامتلاك السلاح، السلاح جزء من المشكلة والمشكلة أعمق بكثير. فالحزب عندما ندخل في التسوية سيجد نفسه أمام تحد وجودي، تحد فعلي مرتبط بهويته وبسياسته ومستقبله، فهل يستطيع هذا الحزب أن ينتقل من حزب مقاوم إلى حزب لبناني تقليدي ينخرط في الحياة السياسية مثله مثل كل الأحزاب؟ هذا سؤال كبير.
هل يستطيع أن يخرج من المشروع الإقليمي التي تفرضه إيران؟ هناك رابط عضوي قيادي بين حزب الله وإيران، فهل يستطيع الانتقال من الموقع الذي هو فيه، إلى موقع آخر مختلف؟
أنا أشدد على هذه النقطة، لو حدثت تسوية أميركية-إيرانية فليس بالضرورة، مثلما يعتقد أغلب الناس أن حزب الله سيضعف. ممكن أن يضعف ولكن ليس من الممكن أن تصبح حالة حزب الله في انهيار، فالعلاقة ليست علاقة سلاح، ولا علاقة أموال ومساعدات، هناك علاقة ثقافية وفكرية ودينية مع إيران، وقد شكلت حزبا عقائديا متشدّدًا. فما مصيره بعد الحرب؟
برأيي الشخصي إن حزب الله يمثل أقلية ناشطة، وقد أصبحت هذه الأقلية مؤدلجة لدرجة أنك لا تستطيع محاورتها أو إقناعها أو تغييرها. هناك معضلة تواجه أي سلم أو استقرار مستدام في لبنان، وهي معالجة هذا الموضوع. فهذه أهم عقبة تواجه السلم، مثلما هي الآن تعد أهم عقبة تواجه الانتهاء من حالة الحرب. بالتأكيد ليست مشكلة لبنان كلها هي حزب الله، إنه جزء من المشكلة.
العقبة الثانية الرئيسية تطال المنظومة السياسية برمتها، والتي استفادت من عدم الاستقرار للتنصل من مسؤولياتها، وجعلت الدولة تعيش في منطقة رمادية، وجعلت الأحزاب والقوى السياسية والناس يعيشون أيضًا في منطقة رمادية. وهذه المنظومة منذ خمسين سنة قبل أن ترتبط بموضوع حزب الله، كانت ترتبط بالموضوع الفلسطيني الذي تلاه الموضوع السوري.

{فقد البلد بادىء ذي بدء الحوكمة الرشيدة التي كان ستنقلنا من محل إلى محل آخر.}

كل هذه المنظومة تُنسِّق فيما بينها، تتفاهم فيما بينها، وتجعل الأمور تدور من غير حلول أساسية، بحيث فقد البلد بادىء ذي بدء الحوكمة الرشيدة التي كان ستنقلنا من محل إلى محل آخر. ولكن طيلة خمسة عقود ما زال الوضع “معطّل”.
والسؤال هو هل هذه المنظومة وهذه الدولة الموجودة الآن، من الذين في الحكم والذين خارج الحكم، هل هم جاهزون لبناء دولة قادرة على البدء بالإصلاح وإعادة الإعمار، والأهم منهما سويًّا المصالحة السياسية، أي أن تدير عملية صلح بين اللبنانيين؟
العقبة الثالثة الأساسية هي أي تسوية تعيد طرح مسألة السيادة بوجهها الواقعي، فهناك باب للنقاش اليوم تفتحه كلمة السيادة، هناك المحاصصة، والطائفية السياسية، والناس المتمسكون بمناصفة اتفاق الطائف، والناس الذين يطالبون بتعديل اتفاق الطائف إلخ. بدأ هذا الكلام يزداد في هذا المضمار.

هذه هي أبرز التحديات، فما هي الخيارات؟
أول خيار أكيد السلام. لبنان بحاجة إلى السلام، ومن وجهة نظري أرى أن معظم اللبنانيين اليوم موافقون على المفاوضات إنما ليس كل اللبنانيين متفقون على النتيجة التي تصل إليها المفاوضات.هناك فريق يقول إذهبوا وتحدثوا إلى الإسرائيليين بمفاوضات مباشرة أو غير مباشرة. وهناك فريق يقول إلى أين نريد الوصول من خلال ذلك، إلى سلام كامل وتطبيع وسفارة وسياحة؟ هناك انقسام لبناني بين الموافقين على التطبيع والرافضين له. ثمة تباينات بين اللبنانيين في موضوع السلام. ولكن المتفق عليه بالأغلب، أن لبنان ينبغي أن يخرج من حالة الحرب ويكون دولة طبيعية تنعم بالسلم والأمن كما سائر البلدان التي تحدث فيها حروب وتنتهي فتكمل حياتها بشكل عادي.
أريد هنا في هذا النطاق أن أتحدث عن أمر وهو أن الخطيئة المميتة من 25 سنة الأخيرة، أن هنالك فريقًا لبنانيًّا يحدثنا عن السيادة ونقطة انتهى. وهناك فريق آخر يقول مطلوب أن يكون هناك إصلاح وحماية إجتماعية، أما موضوع سلاح حزب الله فلنترك الجدال حوله لأن الحل يأتي من الخارج وليس من عندنا، فدعونا نمرر الأمور الأخرى في الوقت الحاضر.

{المطلوب من الدولة اللبنانية أن تخبر الدول العربية ماذا تريد هي من أمور للسير في عملية الاصلاح}

إن موضوع سلاح حزب الله يحتاج إلى حسم، بحيث ينتقل لبنان من تفكيك السلاح إلى العمل على خطة إصلاح واضحة، لا تأتي من البنك الدولي، ولا تأتي من مبادرات عربية، بل تأتي من اللبنانيين أنفسهم. المطلوب من الدولة اللبنانية أن تخبر الدول العربية ماذا تريد هي من أمور للسير في عملية الاصلاح، لا أن تُملى عليها شروط أو آراء من الخارج.
من هنا ينبغي أن تكون لدينا خطة إصلاحية واضحة تخرج عن حسابات طوائف ومصالح فئوية.
وبالنسبة للخيار الثاني، هناك معضلة تكمن في علاقة حزب الله مع الشيعة، وهذه من أصعب الأمور التي تواجهنا. وإذا أردنا الإنتقال إلى السلام فنحن بحاجة إلى حلحلة هذه العلاقة بين الحزب وبين الشيعة. فمشروع بناء الدولة سيبقى ناقصا إذا تعاملنا مع معادلة أن الطائفة الشيعية في لبنان تساوي حزب الله، أو إذا تعاملنا مع أن حزب الله يساوي الطائفة الشيعية. وللتنويه أقول هذه المعادلة ليست صحيحة، وقد مورست بناء عليها أخطاء من قبل المنظومة السياسية لفترة طويلة جدا جدا، تحت عنوان أن كل الشيعة الذين يتحركون خارج الحزب لا يمثلون الحزب، وأن الذين يمثلون الحزب يتسلطون على الشيعة وهم خطفوا الشيعة وخطفوا لبنان. هذه المعضلة هي من ضمن الخيارات التي ينبغي العمل عليها وهي كيف يمكن أن تتم عملية الفصل بين هذين الإثنين.
نحن نريد مشروع شراكة مع الشيعة وطمأنتهم، علينا أن نعطي ضمانات للشيعة

(وهو يُطالِبون بها) لا أن نعطيها للحزب. هناك فارق بين الأمرين. فنحن إذا دخلنا في تسوية على الطريقة الأميركية قد تتُرجم عملية إعطاء الشيعة المناصب والامتيازات ، بأنه إعطاء للحزب الذي لا أستطيع أن أخمّن إلى أي درجة هو لبناني.. (فحول هذه النقطة تُسجَّل علامة استفهام). إذا ما أعطيناه إمكانية التغلغل في الدولة أكثر مما هو متغلغل اليوم في مؤسساتها السياسية والاقتصادية والادارية.
أخيرا، أمامنا التعامل مع دولة إسرائيل، هذه الدولة التي ليست طبيعية، خصوصًا مع هذه الحكومة الاسرائيلية الحالية، فما من أحد عنده ضمانة بأن حكومة نتنياهو بالفعل تريد تسويات أو تريد سلاما، وليس إدارة نزاعات. وبرأيي أن إسرائيل تريد إدارة نزاع، وهذا ما يظهر جليا من سياساتها العدوانية التي تؤكد أنها لا تريد المضي نحو السلام. ولكن أنا أقول دائما ليست دولة إسرائيل هي نتنياهو، وليست الولايات المتحدة هي دونالد ترامب.

زر الذهاب إلى الأعلى