الهجرة اللبنانية الثالثة: هجرة دائمة للشباب المتعلم

أدت الأزمات الاقتصادية الخانقة منذ العام 2019 وانفجار مرفأ بيروت وتدهور الأوضاع المعيشية والسياسية، إلى إطلاق موجة هجرة ثالثة وكبيرة من لبنان. وعلى عكس الهجرات التاريخية، تتميز هذه الموجة بأنها تستنزف “الأدمغة والشباب” المتعلم، حيث يغادر الأفراد للبحث الفوري عن فرص عمل مستقرة في دول مثل كندا، ألمانيا، ودول الخليج.
وتبرزالفروق الجوهرية بين الهجرة الجديدة والهجرات القديمة، من خلال نوعية المهاجرين في (الوجهة والكفاءة). فالهجرات القديمة التي حدثت في (أواخر القرن التاسع عشر حتى الحرب العالمية الأولى) كانت الوجهة الأساسية فيها هي دول الأميركيتين (أميركا اللاتينية والشمالية) وأفريقيا. وكان المهاجرون غالبيتهم من العمال والفلاحين، يبحثون عن فرص عمل زراعية أو تجارية دون أن يشترط ذلك امتلاكهم لشهادات جامعية عليا. أمّا الهجرة الجديدة (ما بعد 2019) فتستهدف بشكل رئيسي فئة الشباب ذوي التحصيل العلمي العالي (أطباء، مهندسون، أساتذة، خبراء تكنولوجيا). وتعد هذه الهجرة بالذات، نزيفاً حقيقياً للكفاءات الشابة، حيث يغادر أصحاب الاختصاصات للالتحاق بأسواق العمل الأوروبية والأميركية والخليجية على حد سواء.
لقد كانت الهجرات اللبنانية القديمة ذات طابع “استكشافي” وطويل الأمد. إذْ هاجر الأفراد هربًا من الفقر أو الخدمة العسكرية في ظل الحكم العثماني من جهة، وطمعًا في الوقت عينه لتحصيل الثروات والاستقرار الدائم في بلاد الاغتراب، من جهة ثانية. وغالباً ما كانوا يعتمدون على إرسال التحويلات المالية لدعم عائلاتهم في الوطن. أمّا الهجرة الحديثة فهي هجرة اضطرارية وهروب من الانهيار الكامل للخدمات الأساسية وهبوط العملة المحلية. ويعتمد الكثير من المهاجرين الجدد على الهجرة المفتوحة أو المؤقتة أو حتى على السعي وراء مطالب اللجوء، هرباً من انعدام الأمان الاقتصادي والاجتماعي في لبنان. وهم لديهم رغبة ملِّحة في تأسيس حياتهم في الخارج دون نيّة العودة إلى البلد في ظل الأوضاع الراهنة.
وفي سياق متصل، لم تكن الهجرة يوماً مجرد خيار فردي للبنانيين، بل تحولت إلى ظاهرة بنيوية تؤثر على كافة مفاصل المجتمع والدولة. وما عزز هذه الظاهرة غياب الاستقرار السياسي، الحروب الأهلية، النزاعات المستمرة، الانهيار المالي والاقتصادي، (خاصة بعد عام 2019)، التضخم المفرط، فقدان القدرة الشرائية، انهيار المنظومات الخدمية كالتعليم والصحة والكهرباء، ودوامة الحرب وكوارثها.
{موجات الهجرة الحديثة تتسم بكونها هجرة شبابية بامتياز (الفئة العمرية بين
20 و40 عاماً)، مع تركيز حاد على خريجي الجامعات وحملة الشهادات العليا}
من هنا وجد المهاجرون الجدد من جيل الشباب، أنّ عوامل الجذب الخارجية لهم، تتلخص في توافر الأمان الائتماني والسياسي، ووجود فرص عمل تضمن العيش الكريم، والعثور على فرص التطور المهني والأكاديمي في دول الخليج، أوروبا، وأميركا الشمالية.
إلى ذلك، فقد غلب على موجات الهجرة القديمة الطابع العائلي أو هجرة الشباب غير المتعلم من الأرياف (خاصة من جبل لبنان والأطراف) للعمل في الزراعة والتجارة البسيطة. أما موجات الهجرة الحديثة فتتسم بكونها هجرة شبابية بامتياز (الفئة العمرية بين 20 و40 عاماً)، مع تركيز حاد على خريجي الجامعات وحملة الشهادات العليا، ممّا يعوّق التجدد الديموغرافي داخل المجتمع اللبناني، ويعزّز تراجُع مهارات القوّة العاملة المحليّة، ويتسبّب بنشوء أزمة رعاية للمسنين المتروكين بمفردهم، ويجعل المستشفيات والجامعات اللبنانية تفقد نخبة من أطبائها وأساتذتها. ناهيكم عن أنّ الهجرات الجديدة تميل أكثر نحو الاندماج الكامل في المجتمعات الأجنبية، وقطع العلاقات البيروقراطية مع الوطن، نظراً لفقدان الثقة بالمنظومة السياسية اللبنانية.
الجدير ذكره أخيرًا، إنّ نِسَبًا إحصائية عن الهجرة الجديدة سجّلت أرقامًا غير مسبوقة في معدلات الهجرة الدائمة، حيث تشير التقارير الرسمية والدولية الصادرة حتى مطلع العام 2026 إلى أن أكثر من 242 ألف لبناني غادروا البلاد بلا عودة خلال الفترة الممتدة من أيلول/ سبتمبر 2024 وحتى آذار/ مارس 2026.



