اللقاء الحواري الأول مع الشباب الجامعي

بتاريخ 17 تموز 2026، استقبل النادي الثقافي العربي، بدعوة من رئيسته الأستاذة سلوى السنيورة بعاصيري، مجموعة من طالبات وطلاب وخريجي الجامعات الكبرى في لبنان في لقاء خصص لمناقشة آراءهم ومقاربة هواجسهم والوقوف على تطلعاتهم للمستقبل في خضم ما يشهده لبنان من أزمات متناسلة، اقتصادية واجتماعية وأمنية.
بداية رحبت رئيسة النادي بالحضور الشاب منوهة بدورهم المأمول في النهوض بلبنان، ومبينة ما يمثله النادي الثقافي العربي من واحة رحبة لطرح الافكار وتلاقحها، مذكرة بأن رسالة النادي الثقافي العربي الذي أنشىء في العام 1944 هي، وبحسب النظام الاساسي، ” الاسهام في الحياة الثقافية اللبنانية ودفع طاقاتها العلمية والأدبية والفنية والاجتماعية وغيرها بغية تطوير المجتمع اللبناني وإرساء قواعد الانصهار الوطني، كما الإسهام في الحياة الثقافية العربية وتنشيطها”.
ثم أعطت الرئيسة الكلام لميسرة اللقاء الآنسة شهد الحاج وهي خريجة الجامعة الأميركية في بيروت وتتابع دراستها العليا في نفس الجامعة ولها مسيرة تطوعية غنية ومتنوعة.
أوضحت الحاج أن هدف الاجتماع هو الاستماع الى القضايا التي تهم الشباب وتسليط الضوء على سبل التغير وصولاً الى غد أفضل للجيل الشاب، متوجهة بالشكر للنادي الثقافي العربي الذي يوفر مساحة ثقافية متسعة للحوار وتبادل الآراء.
أبرز القضايا التي طرحها المشاركون خلال اجتماع الشباب
النادي الثقافي العربي
انطلاقًا من الهدف الأساسي للاجتماع، والمتمثل في الاستماع إلى آراء الشباب والتعرّف إلى القضايا التي يرونها الأكثر تأثيرًا في حياتهم ومستقبلهم، طُرحت مجموعة واسعة من الأفكار والملاحظات التي تعكس واقع الشباب اللبناني وتطلعاتهم. وقد جرى تنظيمها ودمج الأفكار المتشابهة ضمن المحاور الآتية:
أولًا: القضايا الاقتصادية وفرص العمل
١. الأزمة الاقتصادية وتأثيرها على مستقبل الشباب
رأى المشاركون أن الأزمة الاقتصادية تُعدّ من أبرز التحديات التي تواجه الشباب اليوم، إذ تحدّ من قدرتهم على بناء مستقبل واضح، وتحقيق الاستقرار المادي، وتطوير أنفسهم علميًا ومهنيًا. كما تؤثر الضغوط المعيشية في طموحات الشباب، وتجعل كثيرًا منهم منشغلين بتأمين احتياجاتهم الأساسية بدلًا من الاستثمار في قدراتهم أو التخطيط لمستقبلهم.
٢. البطالة وغياب فرص العمل العادلة
أكد الحاضرون أن البطالة وصعوبة الحصول على فرص عمل مناسبة تشكلان عائقًا كبيرًا أمام الشباب، لا سيّما في ظل تدني فرص التوظيف وغياب تكافؤ الفرص. كما أشاروا إلى أن الحصول على بعض الوظائف أو المناصب يرتبط أحيانًا بالمحسوبية أو الرشاوى، بدلًا من الكفاءة والاستحقاق، مما يفقد الشباب الثقة بإمكانية تحقيق النجاح اعتمادًا على جهودهم وقدراتهم.
٣. انخفاض الرواتب وتراجع المستوى المعيشي
ناقش المشاركون أثر انخفاض الرواتب وضعف القدرة الشرائية على حياة الشباب، حيث يضطر كثيرون إلى العمل في أكثر من وظيفة أو في مجالات لا تتناسب مع اختصاصاتهم من أجل تأمين متطلبات الحياة. وينعكس ذلك سلبًا على جودة حياتهم، ويؤخر العديد من المشاريع الشخصية، كإكمال الدراسات العليا أو تأسيس أسرة، كما يحدّ من قدرتهم على استثمار طاقاتهم بالشكل الأمثل.
٤. الهجرة واستنزاف الطاقات الشبابية
اعتبر المشاركون أن الهجرة أصبحت خيارًا يفرضه الواقع الاقتصادي والاجتماعي أكثر مما تكون خيارًا شخصيًا، نتيجة غياب فرص العمل والاستقرار. وأكدوا ضرورة توفير بيئة تسمح للشباب بتحقيق حياة كريمة داخل وطنهم، وتعزيز شعورهم بالانتماء، بما يساهم في الحد من هجرة الكفاءات والاستفادة من إمكاناتهم في تنمية المجتمع.
٥. غياب الثقافة المالية في النظام التعليمي
أشار الحاضرون إلى أن المدارس والجامعات لا تولي اهتمامًا كافيًا للتثقيف المالي، رغم أهميته في حياة الأفراد. ورأوا ضرورة إدراج مفاهيم الإدارة المالية ضمن المناهج التعليمية، مثل كيفية إعداد الموازنة الشخصية، والادخار، والاستثمار، وإدارة الديون، واتخاذ القرارات المالية السليمة، بما يساعد الشباب على بناء مستقبل أكثر استقرارًا.
ثانيًا: القضايا التعليمية
١. تراجع جودة التعليم وصعوبة الوصول إليه
ناقش المشاركون التحديات التي تواجه القطاع التعليمي، ومن أبرزها تدني مستوى التعليم في عدد من المؤسسات الرسمية، وارتفاع الأقساط في المؤسسات الخاصة، الأمر الذي يحدّ من فرص العديد من الشباب في الحصول على تعليم جيد، ويؤثر لاحقًا في فرصهم المهنية.
٢. الحاجة إلى بيئة تعليمية داعمة
أكد الحاضرون أن العملية التعليمية لا تقتصر على المناهج، بل تتطلب أيضًا بيئة مناسبة تساعد الطالب على التعلم والإبداع. وشددوا على أهمية توفير الإمكانات والظروف التعليمية الملائمة، بما يضمن تكافؤ الفرص بين جميع الطلاب.
ثالثًا: القضايا السياسية والحوكمة
١. فقدان الثقة بالمؤسسات العامة
أعرب المشاركون عن تراجع ثقتهم بالمؤسسات السياسية والإدارية، نتيجة استمرار الأزمات وضعف المحاسبة وغياب الإصلاحات الفاعلة، الأمر الذي يدفع شريحة واسعة من الشباب إلى الشعور بالإحباط والابتعاد عن المشاركة في الحياة العامة.
٢. تعزيز الكفاءة في تولّي المناصب العامة
طُرحت أهمية اعتماد الكفاءة والخبرة معيارًا أساسيًا في تولي المناصب داخل مؤسسات الدولة، بعيدًا عن الاعتبارات الطائفية أو السياسية، بما يعزز العدالة ويحقق مصلحة المجتمع.
٣. الاستقرار الأمني والسيادة الوطنية
رأى المشاركون أن غياب الاستقرار الأمني، إلى جانب التحديات المرتبطة بالسيادة الوطنية، ينعكسان بصورة مباشرة على حياة الشباب، ويؤثران في شعورهم بالأمان وثقتهم بمستقبلهم داخل الوطن.
رابعًا: القضايا الاجتماعية والثقافية
١. التعصب الفكري والطائفي وضعف تقبل الرأي الآخر
شكل هذا الموضوع أحد أبرز المحاور التي جرى النقاش حولها. فقد رأى المشاركون أن التعصب السياسي أو الفكري أو الطائفي، ورفض الاستماع إلى الآراء المختلفة، يحدّان من الحوار البنّاء ويؤثران سلبًا في تماسك المجتمع. وأكدوا أهمية نشر ثقافة الحوار، واحترام الاختلاف، والتحرر من الانقسامات الموروثة، بما يساهم في بناء مجتمع أكثر تعاونًا وانفتاحًا.
٢. تعزيز قيمة الفرد والمواطنة
أشار بعض المشاركين إلى ضرورة ترسيخ قيمة الفرد داخل المجتمع، واحترام دوره وحقوقه وقدرته على إحداث التغيير، بعيدًا عن الذوبان في الانتماءات الضيقة أو العقلية الجماعية التي قد تُضعف المبادرة الفردية والمسؤولية الشخصية.
٣. حرية الفرد وحرية التعبير
أكد الحاضرون أهمية صون الحريات الفردية، وضمان حق الشباب في التعبير عن آرائهم بصورة مسؤولة وحضارية، باعتبار ذلك عنصرًا أساسيًا في بناء مجتمع ديمقراطي يفسح المجال أمام تبادل الأفكار والمشاركة الفاعلة في الشأن العام.
٤. بناء الشخصية وتجاوز آثار الماضي
ناقش المشاركون أهمية عدم البقاء أسرى التجارب أو الأحداث الماضية، وضرورة أن يتحلى الشباب بالثقة بالنفس والإرادة لبناء حاضر ومستقبل أفضل. وأكدوا أن استلهام الدروس من الماضي أمر مهم، لكن دون أن يتحول إلى عائق يمنع الإنسان من التقدم أو تحقيق طموحاته.
٥. الحفاظ على اللغة العربية والهوية الثقافية
شدد المشاركون على أهمية الحفاظ على اللغة العربية وتعزيز مكانتها بوصفها جزءًا أساسيًا من الهوية الثقافية والوطنية، مع تشجيع الشباب في الوقت نفسه على تعلم اللغات الأجنبية. وأكدوا أن إتقان اللغة العربية يسهم في تنمية القدرة على التفكير والتعبير والتواصل واكتساب المعرفة.

خامسًا: قضايا الحقوق والعدالة
١. حقوق المرأة
جرى التطرق إلى قضية عدم قدرة المرأة اللبنانية على منح جنسيتها لأولادها، واعتُبرت من القضايا الحقوقية التي تستحق مزيدًا من النقاش، لما لها من انعكاسات اجتماعية وقانونية على الأسر المتأثرة بها.
٢. السجل العدلي وإعادة الاندماج
أشار المشاركون إلى أثر السجل العدلي على مستقبل بعض الشباب الذين ارتكبوا أخطاء (مخدِّرات وغيرها) في مرحلة مبكرة من حياتهم، حتى بعد انتهاء العقوبة أو صدور عفو بحقهم، إذ قد يواجهون صعوبات في الحصول على فرص عمل أو الاندماج مجددًا في المجتمع. ورأوا أهمية إيجاد آليات تحقق التوازن بين المساءلة وإتاحة فرصة حقيقية لإعادة بناء الحياة.
سادسًا: الصحة النفسية
أكد المشاركون أن الصحة النفسية أصبحت من القضايا الأساسية التي تستحق اهتمامًا أكبر، في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي يعيشها الشباب. وشددوا على أهمية نشر الوعي، وتشجيع طلب الدعم عند الحاجة، والحد من الوصمة المرتبطة بمراجعة المختصين، بما يساهم في بناء أفراد أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق التوازن في حياتهم.
سابعًا: البيئة والخدمات العامة
١. التلوث البيئي
اعتبر المشاركون أن التلوث البيئي يؤثر بصورة مباشرة في جودة الحياة والصحة العامة، مؤكدين أهمية تعزيز الوعي البيئي، وتحسين إدارة النفايات، وحماية الموارد الطبيعية، وتوسيع المساحات الخضراء.
٢. غياب المرافق العامة
أشار الحاضرون إلى نقص الحدائق العامة، والشواطئ المنظمة، والمساحات المشتركة التي تتيح للشباب ممارسة الأنشطة الرياضية والثقافية والاجتماعية، ورأوا أن توفير هذه المرافق يسهم في تحسين جودة الحياة وتعزيز الترابط المجتمعي.
ثامنًا: الإعلام والوعي المجتمعي
١.وسائل الإعلام المضللة
ناقش المشاركون أثر المعلومات المضللة وخطاب التضليل الإعلامي في تشكيل الرأي العام، مؤكدين أهمية تنمية التفكير النقدي لدى الشباب، وتعزيز قدرتهم على التحقق من مصادر المعلومات قبل تبنيها أو نشرها.
٢. توثيق الذاكرة الوطنية ونقل الرواية التاريخية
أشار بعض المشاركين إلى أهمية توثيق أحداث الحرب ونقل الرواية التاريخية بصورة دقيقة وموضوعية إلى الأجيال الجديدة، مع إبراز دور الشباب الذين ساهموا في خدمة مجتمعهم أو ضحّوا من أجله، بما يساعد على فهم التاريخ واستخلاص الدروس منه، بعيدًا عن التشويه أو النسيان.



