سليدرندوات ومقالات

الكيان الصهيوني يدمر آثارنا التاريخية

 يؤدي تدمير الآثار والمعالم التاريخية في جنوب لبنان جراء الحرب الدائرة فيه اليوم إلى طمس الهوية الوطنية والحضارية للبلاد، وإلحاق دمار شامل بقطاع السياحة الحيوي، مما ينتج عنه خسائر اقتصادية فادحة. كما يشكل هذا الاستهداف انتهاكاً للقانون الدولي، ويفاقم من حالة عدم الاستقرار النفسي والاجتماعي لدى المجتمعات المحلية.

وتتمثل التداعيات الواقعية لتدمير تلك الآثار في الجوانب التالية:
1- شلل القطاع السياحي: تعتبر المواقع الأثرية (مثل مدينتي صور وبعلبك المدرجتين على لائحة التراث العالمي) الركيزة الأساسية للسياحة الثقافية. تدميرها يحرم لبنان من ملايين الدولارات من العائدات السياحية، كما ويؤدي تدمير الأسواق التاريخية والمرافق المحيطة بالآثار إلى إفلاس العديد من المؤسسات والشركات المحلية، مما يزيد من معدلات البطالة والفقر.
2- فقدان الذاكرة التاريخية: القصف المباشر لقرى بأكملها (مثل بلدة محيبيب) وتدمير المعالم الدينية والمواقع الأثرية مثل قلعة الشقيف، يؤدي إلى فقدان شواهد تاريخية لا تُقدَّر بثمن تمثل حقبات الفينيقيين والرومان والبيزنطيين والصليبيين. حتى المواقع التي لم تُصب بشكل مباشر، مثل هياكل بعلبك، تواجه خطر التصدع والانهيار التدريجي بسبب الارتجاجات العنيفة الناجمة عن الغارات والقصف المتكرر في محيطها.
3- انتهاك القوانين الدولية: هذا التدمير يُعد انتهاكاً صارخاً لاتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية في وقت النزاع المسلح. وقد دفع هذا الخطر الكبير منظمة اليونسكو إلى منح العشرات من المواقع الأثرية اللبنانية “حماية معززة” استثنائية، فضلاً عن تقديم الدعم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وتوثيقه.
بالمقابل، يُمثّل سوق النبطية الأثري (التجاري) نموذجاً مأساوياً لتداعيات العدوان الصهيوني البربري عليها، حيث تعرّض هذا المَعلم التاريخي لدمار شبه كلي وهائل جراء الغارات الجوية العنيفة والمتكررة عليه. فهذا السوق هو القلب النابض لمدينة النبطية ومنطقة الجنوب اللبناني بأكملها، ويعود تاريخه لأكثر من 4 قرون (منذ العهد العثماني)، حيث اشتهر بإسم “سوق الاثنين” الشعبي. وهذه خسارة معمارية وتاريخية لا تُعوّض، لا سيّما مع انهيار الطراز العثماني، حيث دُمّرت الأبنية والمحلات الأثرية المبنية من الحجر المتراص والقناطر والآركاد المعمارية القديمة التي تعكس هوية المدينة التاريخية.

{لم يكن السوق مجرد حجارة، بل كان مستودعاً للذاكرة والقصص اليومية ولقاءات الأجداد والآباء}

وقد تسبّب القصف في تدمير الخانات القديمة الملحقة بالسوق (وهي الفنادق التراثية الصغيرة التي كان ينزل فيها المسافرون والتجار قديماً) وفي تحويلها إلى ركام يصعب ترميمه. لقد كان السوق صلة الوصل التاريخية للتجارة بين صور وصيدا وجزين وقرى النبطية، وقد تسبب تدميره في إغلاق مئات المؤسسات والمحال التجارية العريقة وفقدانها، وقطْع أرزاق ما بين 200 إلى 300 عائلة كانت تعتمد كلياً على محالها ومكاتبها داخل المجمع الأثري.
لم يكن السوق مجرد حجارة، بل كان مستودعاً للذاكرة والقصص اليومية ولقاءات الأجداد والآباء. ولا شك في أن تدميره يُحدِث فجوة ثقافية واجتماعية عميقة لدى السكان الذين ترعرعوا في هذه الأزقة والساحات (مثل ساحة السلطان). ويُحذّر المؤرخون والخبراء من أن الدمار الشامل قد يدفع باتجاه بناء منشآت حديثة بدلاً من الترميم المتطابق للحجر الأثري الأصلي، مما يهدد بضياع الهوية البصرية للمدينة إلى الأبد. وعلى الرغم من وجود مبادرات محلية خجولة لمحاولة بث الحياة في بعض أجزائه، فإن حجم الدمار يجعل استعادته بالكامل تحدياً هائلاً.
لا شك في أن العدو الصهيوني تقصّد محو التراث اللبناني التاريخي في منطقة واسعة من جنوب لبنان، بغية جعل هذه المنطقة أرضًا محروقة، وأثرًا بعد عين. ومن الضروري أن يرفع لبنان الرسمي دعوى ضد الكيان الصهيوني الأرعن ، كي تتم مقاضاة الحكومة الاسرائيلية في المحافل الدولية المختصة.

زر الذهاب إلى الأعلى