كمال بكداش/المثقّف المُتحكِّم بأقواله

هناك في المجتمع من يريد أو يرغب العيش في عالم الأفكار، عالم الكلمات. إنه المثقّف الذي يعتقد أن مهمته في العالم الذي يحيا فيه هو بناء نماذج ذهنية لما يجب أن يكون أو لما يرغب أن يكون، ومن ثمّ، وبناءً على ذلك، تعريض كل ما هو كائن في العالم الواقعي للنقد، ويتهيأ له، بذلك، أنّه يسهم بأفكاره في توجيه دفّة التاريخ وأنه يتحكّم بأقواله بالعالم.
المثقَّف – كيما يضلع بمهمته – إنسان مُطّلِع، والكتب هي مصدر إطّلاعِه الأساسي، والمصدر الآخر الذي لا يقلّ أساسيّةً هو متابعته لحوادث زمنه، ومن تفاعل هذين المصدرين في ذهنه، فإنه يتأمل واقعه ويستبطن وعيَه، ويعبّر عن تأملاته واستبطاناته بأقوال متعددة الصِّيَغ.
المثقّف، إذاً، يفكّر، ولكنه في أرجح الأحوال لا يفعل، يمتنع عن الفعل كي يتأمل، لكأنه بإمتناعه عن الفعل صار مثقفاً.
ينقد في العادة ما هو كائن ويعارضه، ويشيِّدُ في ذهنه بدائل لما يرغب أن يكون، ولكنه لا يعمل على وضع هذه البدائل موضع التطبيق. يقوِّض العالم الواقعي تقويضاً ذهنياً فقط، ولذا لا يتجاوز فهمه ما يتجلّى أو يظهر في وعيه الذاتي، ويترك العالم الواقعي على حاله، وهذا ما يصنع في معظم الأحيان حالات فشله.
{يتوخّى المثقف أن يقوم بمطابقة واقع العالم الذي يعيشه مع المثال المعبَّر عنه في أقواله}
إنه يخطئ بشكل شبه دائم. وهو يخطئ لأنه يخلط بين ما يمكن أن يكون وما يرغب هو أن يكون، ولأنه يتوخّى أن يقوم بمطابقة واقع العالم الذي يعيشه مع المثال المعبَّر عنه في أقواله. وهنا تكمن مأساته ومصدر شعوره بإخفاقاته المتوالية. ولذا تنشأ أقواله عن التذمُّر، عن وعي ممزّق بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، ونجده أمام إخفاقه في تسوية هذا التعارض وفي تحقيق رغبته يهرب إلى عالم الفكر، والفن، والدين، ولا يعود يبالي إلاّ بذاته ولا يهتم إلا بمكانته في مجتمع “النخبة المثقّفة”.
حين ينفصل الفكر لدى المثقف عن الفعل يشعر بأنه بات فكراً عاجزاً، لأن العالم الواقعي لا يمكنه أن يكون مطابقاً لذات المثقف، لذا يحاول مطابقة هذه الذات للعالم، وبذلك يسلّم بأن العالم الواقعي متروك لحاله.
يتحوَّل العالم، لدى المثقّف المنخرط في شؤونه، لا من خلال الفكر وحده، ولكنه من خلال الفعل التاريخي بالعمل والصراع. وإذ يحوّل الفعل العالم فإنه يحوّل في الوقت عينه ذات المثقّف المنخرط، لأنه من خلال الفعل يتعرّف على أثر فعله، ويعي ذاته عبر وعي واقعه. إنه الوعي الذاتي الذي يحوزه المثقف المنخرط بتفاعله مع العالم الواقعي.
أمّا المثقف الذي يشعر أنّه حر لأنه مستقل عن العالم الواقعي، فهو ليس حرّاً إلا داخل ذهنه. فالحرية في ذهنه مفهوم ذاتي، مجرّد، ولذا عندما تغيب الحرية عن الواقع يدعو لها، وعندما تحضر في الواقع العينيّ يتملكه الذعر منها، وتبدو له هذه الحرية المتعيّنة لوعيه فوضى تامّة. فوعيه الذي تشغله النماذج الذهنية المنظّمة يتملكه حينذٍ تمنّي الاستبداد أو الحنين إليه معتقداً بأنه الأقدر على فرض ما يرغب به هو أن يكون بالإكراه. وحين تصدُم خطايا الاستبداد عقله “وقلبه” فإنه يجهد في تسويغها بذريعة “نجاح” الاستبداد في تجسيد بعض آماله، لكأن النجاح يغفر الخطيئة. وحين ينحسر الاستبداد لفترة وتسود “فوضى” الحرية يتملكه الحنين إليه ويعاود تذكّر “نجاحاته” ونسيان خطاياه نسياناً شبه تام.
{المثقّف لا يسهم بفعالية في البناء التاريخي للعالم إنه يعيش في معظم الحالات بمنأى عن الصراع}
يبدو الإستبداد في نظر هذا المثقّف نصير الدولة القوية تجسيداً لإرادة عامّة في إنشاء دولة، ولذا قد يسوِّغ موقفه بذريعة أنّ الاستبداد مرحلة انتقالية، وأنه بمجرَّد ما تتأسس الدولة، فإنها تقوم معتمدة على نفسها ولا تعود في حاجة إلى مستبد، حينها يأتي عصر سيادة القانون.
عندما يحتلُّ المثقّف موقعاً يتيح له الفعل، لا يعود لإفعاله صلة بأفكاره، لا لأنّ أفعاله سيئة بالضرورة، بل لأن معظم أفكاره لم تُصمَّم لإرشاد أو توجيه أفعاله. وعندما يصمّم على “تطبيق” بعض أفكاره التي لم تصمّم أصلاً للتطبيق فعادةً ما يعقب ذلك فاجعة يحار في لملمة ذيولها. ولا يندر بعد هذا الاختبار المؤلم أن يعود إلى حياة التأمل، إلى حياته كمثقّف.
والخلاصة أن المثقّف لا يسهم بفعالية في البناء التاريخي للعالم، إنه يعيش في معظم الحالات بمنأى عن الصراع، ويرضيه العيش في هذا العالم ليتحدّث عنه أو يتكلم عن واقع لم يشارك هو بصنعه. يشقيه وعي التناقض بين المثال والواقع، ويتولّد عن هذا الوعي إرادته أو رغبته في رفع هذا التناقض. وينشأ موقفه النقدي من الإحساس المؤلم بقصور الواقع الذي يحيا فيه، ويعتقد أن تجاوز هذا الإحساس ممكن من خلال مطابقة الواقع مع المثال، والحال أن هذه المطابقة مستحيلة، ويتعذّر إبطال هذا التناقض وتعديل العالم الواقعي عن طريق النقد فقط، لأن تحويل العالم لا يتم إلا عن طريق الفعل والصراع، والأجدر بالنقد الذي يتولاه العقل هو العقل ذاته.
*كُتبت هذه المقالة بوحي واقتباسات من:
ألكسندر كوجيف، مدخل لقراءة هيجل، ترجمة وتقديم: عبد العزيز بوتسهولي، رؤية للنشر، القاهرة، 2017.



