نجوى وهدى بركات / شقيقتان لبنانيتان تُعزِّزان الرواية العربية

تتميز كل من الروائيتين اللبنانيتين (وهما شقيقتان) بأسلوب سردي وفلسفي عميق يعكس تداعيات الحرب والاغتراب، إلا أنّ لكل منهما بصمتها الخاصّة. فالكاتبة هدى بركات تميل إلى لغة أدبية مكثفة، شعرية ومتقشفة في آن واحد، تعتمد على التعبير الموجز. أمّا الكاتبة نجوى بركات فاللغة عندها حادّة، واقعية، جريئة تميل إلى السّخرية السوداء، وتتّسم بحسّ سينمائي ومسرحي واضح في رسم المشاهد.
إلى ذلك، ترتكز الثيمة في أعمال هدى على العنف الداخلي، الهوية المعطوبة، الغربة، وتفكُّك الذات الممزقة بين الوطن والمنفى. وغالبا ما تستخدم الكاتبة في بنيتها السردية تقنيات التشظي معتمدة على المونولوج الداخلي ورواية الرسائل، الأمر الذي يتطلب من القارئ جهداً للربط بين خيوط العمل. يبرز ذلك في روايات عدة، أبرزها رواية “بريد الليل” (الحائزة على جائزة البوكر العربية 2019) ورواية “حارث المياه”.
أمّا الثيمة في أعمال نجوى فترتكز على قضايا الجسد، الشيخوخة، الذاكرة، وجحيم الآخرين، وغالباً ما تعكس انكسارات المكان (بيروت) على أبطالها. لذلك نرى أنها تصمّم بناءً سردياً مركّباً متعدد الأصوات، يتداخل فيه الواقع بالخيالي، وتبرع في إبراز الشخصيات المهمشة والمعطوبة نفسياً. يبرز ذلك في رواية “مستر نون” ورواية “غيبة مَيْ”.
والجدير بالذكر أنّ هدى بركات تُعتبر الروائية الأكثر شهرة، انتشاراً، وحصداً للجوائز الكبرى على المستويين العربي والعالمي، مقارنةً بشقيقتها نجوى. أمّا من حيث “التمايز في فن الكتابة الروائية”، فإنّ لكل منهما خطاً إبداعياً فريداً يصعب تفضيل أحدهما على الآخر؛ فهما تمثلان مدرستين مختلفتين تماماً في السرد العربي المعاصر. ويمكن تفصيل التباين والتميز لدى كل واحدة منهما، من خلال النقاط التالية:
1- حجم الشهرة: حققت هدى اعترافاً أدبياً واسعاً وحسمت مكانتها كإحدى أبرز الروائيات العربيات. تُرجمت أعمالها إلى أكثر من 8 لغات عالمية. نالت أرفع الجوائز الأدبية، ومنها كما ذكرنا أعلاه:الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) عام 2019 عن رواية “بريد الليل”. وجائزة الشيخ زايد للكتاب (فرع الآداب) عام 2025 عن رواية “هند أو أجمل امرأة في العالم”. وجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية، ووسام الاستحقاق الوطني الفرنسي برتبة فارس.
{تمتلك نجوى بصمة متميزة في المشهد الثقافي من خلال مشروعها الشهير “محترف كيف تكتب رواية}
أمّا نجوى بركات فتحظى بتقدير نقدي رفيع جداً، وجمهور نخبيّ واسع. رُشحت أعمالها لجوائز عالمية هامّة (مثل القائمة القصيرة لجائزة “فيمينا” الفرنسية للأدب المترجم وجائزة الـ EBRD الأوروبية عن روايتها “مستر نون”). كما تمتلك بصمة متميزة في المشهد الثقافي من خلال مشروعها الشهير “محترف كيف تكتب رواية” الذي تخرّج منه عشرات الروائيين الشباب.
2-التمايز الفني في الأسلوب: هدى بركات هي في كتابتها الروائية (سيميائية التفكك الداخلي)، تبرع في السرد النفسي التأملي، وتركز على الانهيارات الداخلية للشخصيات، مستخدمة لغة شعرية مكثفة تعتمد المجاز، وتدور غالباً في فلك الرسائل المبتورة والمونولوغات الطويلة. فيما نجوى بركات (سينمائية العنف والهامش) تبرع في السرد البصري الحركي. تستفيد من دراستها للسينما والمسرح لتقديم مشاهد حادة، جريئة، وصادمة، بحيث تعتمد على السخرية السوداء.
باختصار، إذا كانت هدى بركات تفوقت في الشهرة والانتشار الأكاديمي والجوائز بفضل عمقها الفلسفي واللغوي، فإن نجوى بركات تتميز بـجرأة مشهدية وتجريبية فريدة تجعل من رواياتها وثيقة بصرية صادمة وعميقة عن التحولات الإنسانية.
{تأخذنا هدى بركات في “بريد الليل” إلى رحلة عميقة داخل حزن الذات الإنسانية المشردة}
3-المقارنة التطبيقية: إذا ما أردنا تحقيق مقارنة بين رواية “بريد الليل” لهدى ورواية “مستر نون” لنجوى، يظهر لنا بوضوح كيف تختلف الشقيقتان في تحويل مأساة الحرب، والتشرد، والتفكك الإنساني إلى فن روائي. فهاتان الروايتان تشتركان في تقديم أبطال معطوبين وهامشيين، لكنّ طريقة السرد تختلف تماماً، بحيث إن بنية الرواية وشكلها في “بريد الليل” يعتمدان على بنية دائرية متقاطعة ومفككة تشبه الرسائل الضائعة، إذْ إنّ الرواية مكونة من حكايات لأشخاص يكتبون رسائل لن يقرأها أصحابها، حيث يجد كل بطل رسالة الآخر بالصدفة. السرد هنا استبطاني داخلي يعتمد على “المونولوج” والاعتراف.”
أمّا رواية “مستر نون” فتعتمد على بنية مسرحية/سينمائية تصاعدية. بحيث تبدأ بتصوير حالة (الكاتب الفاشل الذي يعيش في مزبلة وذاكرة مشوهة)، ومن ثم تتسع الدائرة لتشمل شخصيات أخرى يتقاطع مصيرها في فندق مهجور. السّرد هنا خارجي، حركي، يعتمد على الحوار والمشهدية الصادمة..
في الختام،تأخذنا هدى بركات في “بريد الليل” إلى رحلة عميقة داخل حزن الذات الإنسانية المشردة بلغة تأسر القلب، بينما تدفعنا نجوى بركات في “مستر نون” إلى مواجهة قبح الواقع الاجتماعي والنفسي ورعبه، بجرأة بصريّة تهزّ الوجدان.



