ندوات ومقالات

كمال بكداش/كتاب الاستشراق أثره ومصيره

 

تبيَّن مع مرور الزمن وتدفُّق التعقيبات على كتاب إدوار سعيد “الاستشراق” الصادر عام 1979 احتواؤه على عدد وافر من الثغرات البحثية، منها ما يتعلق بإنتقائيته للمستشرقين الذين اختارهم لتوكيد فرضيته حول علاقة المعرفة الاستشراقية بالسلطة الأمبراطورية، تجاهله للاستشراق الألماني الميّال إلى التعاطف مع موضوعه (الشرق) والاستشراق السوفياتي (الروسي) الذي ينضح بالإنتقاص من الشعوب الإسلامية، نظرته “الجوهرية” للغرب التي ينتقدها لدى المستشرقين في نظرتهم للشرق، تأويله المتعسِّف لمقتطف لماركس من إحدى مقالاته الصحفية حول الهند، إدراجه لإعمال أدبية ومداخلات موظفين كبار في الإمبراطورية في النظرة الاستشراقية، تضمّنه لأخطاء تاريخية كإيراده أن فتح المسلمين لتركيا كان في القرن السابع الميلادي، غموض العديد من عباراته… إلخ إلخ.

قد يكون بعض هذه الثغرات نشأ من واقع أنّ سعيد لم يكن مختصّاً بالدراسات العربية – الإسلامية. غير أن هذه الثغرات – صحّ وجودها أو لم يصحّ – لم تُعِق انتشار الكتاب وترجمته إلى معظم اللغات الحية وأثره الهائل على ما لا حصر له من المثقفين والباحثين في أرجاء متباعدة من العالم: أميركا وأوروبا، الهند والشرق العربي…، وفي ميادين معرفية متعدّدة كالتاريخ والدراسات الثقافية والنوع الاجتماعي والنقد الأدبي، وطال أثره المستشرقين أنفسهم الذين اضطروا إلى تبرير أعمالهم، كما أحدث نقاشاً فكرياً تجاوز حدود الاستشراق بالمعنى الضيق للكلمة.
فإلام يُعزى هذا الانتشار وذاك الأثر؟
ما كان الكتاب أن يثير هذه الرجّة لولا الظرف والسياق الذي ظهر فيه: كان هناك في السبعينات، على ما يبدو، حالة انتظار لدى الجامعيين والمثقفين اليساريين في الغرب للإنقضاض على الفكر الغربي للحداثة في شتى ميادينه، الذي عُزِيَ إلى عقلانيته أو “تمحوره حول العقل” كوارث القرن العشرين لاسيما منها الاستعمار والحربان العالميتان والتدخلات العسكرية… وكانت “النظرية الفرنسية” قد افتتحت هذا الانقضاض في عدد من الميادين (الفلسفة، العلوم الإنسانية…)، إلا أنها لم تقترب، كنظرية غربية حول الفكر الغربي، من ميدان الاستشراق الذي كان يعاني أصلاً سكرات الموت ويسهل الانقضاض عليه وتقويض أطره المعرفية. وهو ما كان محل انتظار لدى عدد وافر من الجامعيين والمثقفين في الغرب من ذوي الأصول غير الغربية.
كانت الأسبقية لهذا الانقضاض لأنور عبد الملك الذي أصدر مقالة في مجلة ديوجين الفرنسية عام 1965 “الاستشراق في أزمة” (أو “الاستشراق مأزوماً”) التي تضمّنت معظم الانتقادات اللاحقة للاستشراق لدى إدوار سعيد، إلا أن المقالة صيغت بأسلوب جامعي بارد ومؤطّر بالنظرية الماركسية. ولهذين السببين، على ما يبدو، لم تُثِر المقالة ضجة كبرى ولا انتشاراً خارج حدود المهتمين بالاستشراق، ولذا لم تستدعي سوى ردود قليلة من بعض المستشرقين.

{صدر كتاب إدوار سعيد، وعلى الفور أحدث هزّة عجيبة في المحيط الثقافي الأميركي}

بعد أكثر من عشر سنوات من صدور مقالة عبد الملك صدر كتاب إدوار سعيد، وعلى الفور أحدث هزّة عجيبة في المحيط الثقافي الأميركي، لتتوالى ترجماته المتناسلة إلى معظم اللغات الحية في العالم، بما في ذلك اللغة العربية، وليستثير مالا حصر له من ردود الأفعال على صورة مقالات وكتب وندوات ومقابلات إعلامية… وليتولّد عنه حقول معرفية تحت عناوين عديدة منها دراسات التابع والنقد ما بعد الكولونيالي… فما الذي حَدَثَ بالضبط؟
يبدو، في السبعينات، أن الحاجة إلى الانقضاض على الاستشراق، وعلى الفكر الغربي بوجه عام، قد تعاظمت، فجاء الكتاب في لحظة الذروة من هذا الانتظار لتلبية هذه الحاجة. غير أن الظروف الخارجية لهذه الحقبة، كالإنتفاضات الأوروبية عام 68، حربي 67 و 73 بين دول عربية وإسرائيل وانطلاق المقاومة الفلسطينية… إلخ، لا تفسِّر كل شيء في مدى انتشار الكتاب وأثره المذهليْن. فلقد كان لأسلوب الكاتب، على ما نعتقد، نصيب وافر في هذا الانتشار وذاك الأثر: أسلوب غنيّ معرفياً، حيوي، بل انفعالي ولكن مضبوط، عاطفي ولكن مكبوح نوعاً ما، لا نظير لتفصيليته في تحليل النصوص والأقوال وردها إلى ظروفها وتاريخها وربطها، بالسياسات العامة للدول… أسلوبٌ يقطع أنفاس القارئ ويستحوذ على عقله وخياله كما في أروع الروايات، ولا يدعه يدرك عدداً وافراً من الثغرات في تحليل الكاتب وأحكامه.
يضاف إلى دور الأسلوب في جاذبية الكتاب، استراتيجيته العامة في عرض موضوعه (الاستشراق) المترامي الأطراف والمتعدّد الحقب والمتلوِّن بألوان المستشرقين الأفراد وميولهم الشخصية. فلم يقتصر الكتاب، في هذه الاستراتيجية، على عرض أعمال المستشرقين والتعقيب على أقوالهم، بل اختار، لتحقيق غايته المتمثّلة في تبيان الاطار المعرفي للاستشراق بوجه عام، بعض المستشرقين فقط، والبريطانيين والفرنسيين تحديداً، الذين يمثِّلون في نظر الكاتب – الناقد، “جوهر” الاستشراق، أي اطاره المعرفي، ثم أضاف إليهم، على دهشة القارئ وازدياد انسحاره، أقوال روائيين وشعراء ورحّالة وإداريين وحكام مناطق… مما أثار اعتراض بعض المعلّقين واعتبره الكاتب ضرورياً لتبيان مدى امتداد الاطار المعرفي للاستشراق خارج إطار الميدان بمعناه الجامعي الضيّق.

{من المفارقة، الساخرة أو الفِكهة على ما يردّد سعيد أن أثر كتابه في العالم العربي كان الأكثر إحباطاً له}

من المفارقة، الساخرة أو الفِكهة على ما يردّد سعيد، أن أثر كتابه في العالم العربي كان الأكثر إحباطاً له، فلم يخلِّف الكتاب تياراً من “الخطاب ما بعد الكلولونيالي” أو “دراسات التابع” كما حدث في الهند مثلاً، ولا حقولاً معرفية كالنقد الثقافي كما في الولايات المتحدة وأوروبا، إنما أثار عدداً يصعب إحصاؤه من التعليقات – مقالات وكتب وندوات ومقابلات إعلامية… التي تشيد بالكتاب وتمدح الكاتب إشادةً ومدحاً تشِيان بروح إنتقامية من “الغرب” يُقصد منها، على ما يبدو، مداواة جروح ثقافية غائرة ببلسم قتل مسبِّب هذه الجروح المفترض، وهو قصد لم يَرِد، على الأرجح، في خاطر سعيد، غير أن نقده الذي أخذ شكلاً تحليلياً تحريضاً شجّع عليه. وأثار الكتاب لذلك وفي الوقت عينه بعض التعليقات الناقدة المؤطّرة بالنظرية الماركسية أو العقائدية الإسلامية، أو المتحفّظة على إغفاله الجوانب الإيجابية من الاستشراق وتنوّع أنواع الخطاب الأوروبية حول “الآخر” الصادرة عن عدد من الباحثين” الدنيويين” في الدراسات الإسلامية. فمن المعلوم أن هؤلاء الباحثين العرب غرفوا غرفاً من أعمال المستشرقين لفهم تراثهم العربي الإسلامي، وترجموا عدداً وافراً من هذه الأعمال إلى العربية ترجمات في غاية الروعة، واستقوا منها طوال قرن كامل تقريباً ما لا عد له أو حصر من معارفهم الحديثة حول الإسلام: العقيدة والشريعة، تاريخ القرآن، التصوّف السني والشيعي، الحركات الإسلامية (الإسماعيلية، الحشاشين، العلويين…)، الشعر والنثر العربيّين… إلخ إلخ. فلقد أيقظتهم هذه الأعمال الاستشراقية من سباتهم الطويل وعرّفتهم مثلا، ويا للمفارقة، على إنجاز ابن رشد في الفلسفة وابن خلدون في نظرية التاريخ وغيرهما من مفكري الإسلام الوسيط.
لذا لم يرتحْ مثقفو الحداثة العرب، لإدراكهم للديْن الذي يدينون به فكرياً للمستشرقين، لـــ “الأثر” الانتقامي للكتاب الذي شاع بين طيف واسع من المدافعين عن الهوية العربية أو الإسلامية، وهو نوع من الأثر قد لا يكون قَصَدَ إليه سعيد، إلا أنه شاع في الوسط الثقافي العربي شيوعاً عاصفاً لسنوات طويلة بعد صدور الكتاب.
لقد هدأت اليوم العاصفة ولم يخلّف الكتاب في العالم العربي أثراً ملموساً دائماً على حقول معرفية محدّدة أو على الثقافة العربية بوجه عام، واستمر مثقفون عرب بعادتهم – التي شكا منها سعيد مر الشكوى – بنسخ ما صَدَر ويصدر في الغرب بإفتتان عجيب وافتقار لافت للروح النقدية، لا فرق في ذلك بين أعمال كلاسيكية في الاستشراق أو الفلسفة أو العلوم الإنسانية، وأعمال ما بعد الحداثة التي إهتاج لها هؤلاء المثقفون كما اهتاجوا لكتاب سعيد، ثم خَمَدَ هذا الاهتياج كما في حالة هذا الكتاب خموداً شبه تام.

{استسلم الكتاب الذي ملأ الدنيا وشغل الناس إلى مصير لم يتوقعه أحد وهو النسيان}

بعد نصف قرن من صدوره استسلم الكتاب – الذي ملأ الدنيا وشغل الناس – إلى مصير لم يتوقعه أحد وهو النسيان، وهو ما يطرح التساؤل بوجه عام حول دور الأفكار ومصيرها في تقلبات الزمن.
لقد حاول سعيد – مدفوعاً بميل إنساني عميق حسّاس وروح استنكار أخلاقي حادة لأي إحجاف يلحق بالبشر كائناً من كانوا – أن يقوَّض أسس الصُوَر النمطية المجحفة التي ألحقها مستشرقون بـــ “العرب” و “الإسلام” بوجه خاص. ووظّف لهذه الغاية مواهبة البلاغية بالإنكليزية، لاسيما في التحليل المدقِّق للنصوص والكشف عن خلفياتها العقائدية والسياسية، وذلك لا لإنصاف هذه الفئة أم تلك من الفئات التي تناولها الاستشراق، بل لإدانة عقيدة استشراقية في الفكر الغربي مشبعة – وسط بحر من التبحُّر المعرفي – بالتحيّز الثقافي، وحتى العنصري.
والحال أن هذا الجهد الفكري المضني – الذي كان من المفترض أن يحدّ من هذا التحيّز – لم يحُلْ، للأسف، دون تناميه المتفاقم في الغرب وخاصة ضد العرب والمسلمين.
والأنكى أن حال هؤلاء العرب والمسلمين – منذ صدور الكتاب إلى اليوم – لم تتحسَّن، بل انحدرت بعد يقظات جماهيرية رائعة في العالم العربي إلى حالة خراب معمَّم جرَّ في أذياله الأفكار التي شاعت بينهم وأحالها إلى انقاض.

زر الذهاب إلى الأعلى