عبد الرحمن أياس/ اقتصاد النشر: تحوّل رقمي عالميّ وتحدّيات عربيّة
كيف يواجه الكتاب في منطقتنا عواصف السّوق والرقابة والمنصّات الرقميّة؟

عبد الرحمن أياس
في زمن تتبدّل فيه القيم الاقتصادية للثقافة، لم تعد صناعة النشر مجرّد حبر وورق، بل باتت شبكة معقّدة من الحقوق الرقمية، والمنصات، والبيانات، والمنافسة على انتباه القارئ. وبينما تتحوّل دور النشر في العالم إلى شركات لإدارة “الملكية الفكرية”، يقف العالم العربي على مفترق طرق: سوق واعدة على صعيدي اللغة والسكّان، لكنها مثقلة بالرقابة، والقرصنة، والتجزئة، والبنية التحتية الهشّة.
يدور اقتصاد النشر العالمي اليوم حول السيطرة على الحقوق والبيانات أكثر من السيطرة على المطابع. يتراوح حجم السوق الدولية لنشر الكتب (بأنواعها التعليمية والتجارية والمهنية) بين 130 و150 مليار دولار، بنموّ سنويّ محدود، لكنه ثابت (3.5-4%). ولا يزال الجزء الأكبر من الإيرادات يأتي من الكتب الورقية، غير أنّ النموّ الحقيقي يتحقق في المنتجات الرقمية: الكتب الصوتية، والاشتراكات، والطباعة عند الطلب، والحقوق المشتقة في السينما والتلفزيون والألعاب.
ما يصنع الفارق في هذا الاقتصاد ليس عدد الكتب المطبوعة، بل موقع الفاعل في سلسلة القيمة: من يمتلك الحقوق، ومن يتحكم في التوزيع والبيانات، ومن يملك القدرة على تحويل الكتاب إلى منتج ثقافي مستدام. في الغرب، تهيمن خمس مجموعات كبرى على السوق الأنغلوسكسونية، بينما في الصين تتداخل الدولة والمنصات. أما في أوروبا، فتحمي قوانين تسعير الكتاب الثابت الناشرين الصغار من الاحتكار، وإن على حساب نمو بطيء.
{العقبة الأولى أمام صناعة نشر عربية مزدهرة هي الرقابة. ذلك أن القوانين التي تحكم الكتاب تتداخل فيها وزارات الثقافة والإعلام والداخلية والمؤسسات الدينية والجمارك}
أما في العالم العربي، فالصورة مختلفة تماماً. السوق العربية، على الرغم من اتساعها السكاني والثقافي، تبقى محدودة الحجم اقتصادياً. تشير التقديرات إلى أن قيمة سوق الكتاب العربي تتراوح بين مليارين وثلاثة مليارات دولار، تتركز في جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة المغربية. لكن غياب الإحصائيات المستقلة يجعل هذه الأرقام تقريبية. ويجمع المراقبون على أن المنطقة لا تزال “مستورداً صافياً للمعرفة”، إذ تغلب على إنتاجها الترجمات من اللغات الأجنبية إلى العربية، في مقابل ضآلة ما يُترجَم من العربية إلى لغات أخرى.
رقابة تقيّد، وقرصنة تُضعِف الاستثمار
العقبة الأولى أمام صناعة نشر عربية مزدهرة هي الرقابة. ذلك أن القوانين التي تحكم الكتاب تتداخل فيها وزارات الثقافة والإعلام والداخلية والمؤسسات الدينية والجمارك. ويُعَد منع الكتب أو تأخيرها لأسباب “أمنية” أو “أخلاقية” ممارسة شائعة، تجعل الناشرين يطبقون رقابة ذاتية أقسى من الرقابة الرسمية. والنتيجة: تضييق التنوع في الإصدارات، وتراجع الاستثمار في الأنواع الجريئة أو النقدية أو البحثية، أي في الكتب القادرة على اجتذاب قراء عالميين.
العقبة الثانية هي القرصنة، التي تستبيح المنطقة حتى أصبحت عادة ثقافية. بين المطابع غير المرخّصة وتداول نسخ بـ”صيغة المستند المحمول” (بي دي إف) عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يواجه الناشرون خسائر مزمنة. وحين تغيب أنظمة تعويض المؤلفين ودعم المكتبات العامة، يصبح “الكتاب المجاني” القاعدة لا الاستثناء. هذا الواقع يخنق دور النشر الجادّة ويُحبِط المترجمين، ويدفع السوق إلى عناوين سريعة الاستهلاك، ذات تكلفة منخفضة ومردود محدود.
بنية تحتية هشة وسوق موسمية
إضافة إلى الرقابة والقرصنة، تعاني المنطقة من بنية توزيع بدائية. باستثناء بعض المدن الكبرى، تندر المكتبات العامة وسلاسل البيع، وتعتمد أغلبية الناشرين على معارض الكتب كمصدر رئيسي للإيرادات. في معارض القاهرة والرياض والشارقة والدار البيضاء وتونس وبيروت، يُنجَز ما بين ثلث ونصف المبيعات السنوية خلال أسابيع قليلة، ما يجعل الدورة الاقتصادية للنشر موسمية ومتقلبة. كذلك تؤدي الفروق الكبيرة في الأسعار بين البلدان العربية، وغياب سياسات التسعير الموحدة، إلى إضعاف سوق الكتب العربية المشتركة وتحفيز التهريب والقرصنة.
أما الطلب المؤسسي – من الجامعات والمدارس والمكتبات العامة – فضعيف للغاية، إذ تتركز المشتريات على الكتب المدرسية الرسمية التي تخضع بدورها إلى اعتبارات سياسية ودينية. وبهذا، يفقد الناشر العربي أحد أعمدة الاستقرار المالي التي تستند إليها صناعة النشر في الغرب.
{تنفّذ السعودية، في إطار “رؤية 2030″، سياسة ثقافية شاملة تهدف إلى جعل الثقافة والكتاب جزءاً من قوتها الناعمة ومن اقتصادها غير النفطي}
وتؤدي الأزمات الاقتصادية، ولاسيما في مصر والجمهورية اللبنانية، إلى تراجع ملحوظ في نشاط معارض الكتاب، فمعرض القاهرة الدولي للكتاب ومعرض بيروت العربي الدولي للكتاب يشهدان تراجعاً، سواء لجهة عدد المشاركين أو حجم المبيعات، إذ تنعكس أزمة العملة الصعبة وارتفاع تكاليف الطباعة والنقل على أسعار الكتب وقدرة الناشرين على المشاركة، ما يقلّص من الدور التاريخي لهذين المعرضين كمحورين أساسيين في حركة النشر العربي.
مبادرات خليجية ونهضة رقمية حذرة
في مواجهة هذا الواقع، تحاول دول الخليج إعادة رسم الخريطة. تنفّذ السعودية، في إطار “رؤية 2030″، سياسة ثقافية شاملة تهدف إلى جعل الثقافة والكتاب جزءاً من قوتها الناعمة ومن اقتصادها غير النفطي. وقد أنشأت لهذا الغرض “هيئة الأدب والنشر والترجمة” التي تتولى تنظيم القطاع وتطويره وتعميم برامج دعم للناشرين والمترجمين، مثل تمويل الطباعة والترجمة الثنائية ومبادرات دعم النشر المحلي. كذلك أطلقت المملكة معرض الرياض الدولي للكتاب بحلّته الجديدة كمهرجان ثقافي واقتصادي متكامل، إضافة إلى سلسلة جوائز وبرامج لتعزيز الترجمة من العربية وإليها، وإيفاد الناشرين والمؤلفين إلى المعارض الدولية.
أمّا في الإمارات، فقد تحوّلت الشارقة إلى مركز إقليمي رائد للنشر والترجمة بفضل رؤية ثقافية بعيدة الأجل بدأت قبل عقود من الزمن مع مشروع “الشارقة عاصمة الثقافة العربية”، وتكرّست في تأسيس “مدينة الشارقة للنشر”، وهي أول منطقة حرة للنشر في العالم، تتيح ملكية أجنبية كاملة وتوفر بيئة قانونية ولوجستية متكاملة لحماية حقوق الملكية الفكرية وتسهيل الاستثمار في صناعة الكتاب. كذلك رسّخت الشارقة موقعها عبر معرض الشارقة الدولي للكتاب الذي أصبح من أكبر معارض الكتب في العالم لجهة عدد الزوار والمشاركين، إلى جانب برامج المنح والترجمة ودعم الناشرين العرب والأجانب.
وفي الإمارات أيضاً، يُعَد معرض أبو ظبي الدولي للكتاب، من أهم المنصات العربية لتبادل الحقوق والعقود بين الناشرين، ومن بوابات التوزيع والترجمة نحو الأسواق الآسيوية والأفريقية. وتدعم الإمارات هذه البيئة بسلسلة من المبادرات النوعية مثل مشروع “كلمة” للترجمة في أبو ظبي، وسلسلة جوائز، وهي إجراءات ساهمت في تحريك سوق الكتاب العربي وتعزيز مكانة الإمارات مركزاً لصناعة النشر في المنطقة. وتبرز دبي كمركز صاعد في مشهد النشر والإبداع الثقافي العربي، عبر مؤسسات مثل “هيئة دبي للثقافة والفنون” التي تعمل لتطوير بيئة متكاملة للصناعات الإبداعية، ومشاريع مثل “مكتبة محمد بن راشد”، إحدى أضخم المكتبات في المنطقة على صعيد المحتوى والبنية التحتية الرقمية، والتي تمثل نموذجاً لدمج التكنولوجيات الحديثة في التعلّم والقراءة العامة.
{تساهم الكويت عبر جوائزها ومعارضها في الحفاظ على حضور الكتاب الورقي وتوسيع قاعدة القرّاء في الخليج والعالم العربي.}
وتؤدي دولة الكويت دوراً مهماً في دعم الثقافة والنشر العربي من خلال مؤسساتها الرسمية ومبادراتها المستمرة في الترجمة والنشر، مثل “المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب” بإصداراته على غرار “سلسلة عالم المعرفة” التي تُعَد من أقدم المشاريع الثقافية العربية وأكبرها أثراً في تعريب الفكر العالمي وإتاحته لجمهور القراء العرب منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين. كذلك تساهم الكويت عبر جوائزها ومعارضها في الحفاظ على حضور الكتاب الورقي وتوسيع قاعدة القرّاء في الخليج والعالم العربي.
أما دولة قطر، فقد عززت حضورها الثقافي في السنوات الأخيرة عبر “مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع” ومشاريعها المتصلة بالترجمة والنشر، وعلى رأسها مشروع “بالعربي” الذي يساهم في نقل مئات العناوين الأكاديمية والأدبية إلى العربية، إضافة إلى معرض الدوحة الدولي للكتاب الذي أصبح منصة إقليمية مهمة لتبادل الحقوق والنقاش الثقافي.
وفي مملكة البحرين، تبرز “هيئة البحرين للثقافة والآثار” كمحرك رئيسي للنشاط الثقافي والنشر المحلي، من خلال دعم دور النشر الصغيرة، وتنظيم معرض البحرين الدولي للكتاب، وإحياء المكتبات العامة كجزء من الهوية الثقافية الوطنية. أما سلطنة عُمَان، فتمتلك تقليداً راسخاً في النشر الأكاديمي والتاريخي، وتركّز من خلال وزارة الإعلام و”هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية” على توثيق التراث وإصدار الكتب المتصلة بتاريخ المنطقة والبحوث الإنسانية، فيما يشهد معرض مسقط الدولي للكتاب نمواً مطّرداً جعله من أبرز المعارض العربية في مجالي المشاركة والحضور.
في المقابل، لا تزال القاهرة وبيروت تحتفظان بدورهما التاريخي في الطباعة والتحرير، على الرغم من أزماتهما الاقتصادية الحادة. تظل مصر قاعدة إنتاج منخفضة التكلفة، ويحتضن لبنان نخبة من المحررين والمترجمين المؤثرين عربياً. غير أن استمرار الأزمات المالية في البلدين يهدّد هذه الميزة ويشجع الكفاءات على الهجرة إلى الخليج أو أوروبا.
على الصعيد الرقمي، تتوسع منصات عربية مثل “أبجد” و”ستوريتل العربية” و”وجيز” و”رفوف” في سوق الكتب الإلكترونية والسمعية. تقدم هذه المنصات نموذج الاشتراك الشهري الذي يتيح وصولاً واسعاً إلى كتب لا تُعَد ولا تُحصَى في مقابل رسوم منخفضة، في محاولة لمواجهة القرصنة. لكن نجاحها يتوقف على عوامل لم تكتمل بعد: شفافية العوائد، وكفاية السوق، وثقة الناشرين في نماذج الأرباح. وإذا تمكّنت هذه المنصات من توحيد السوق العربية رقمياً، فقد تفتح الباب أمام صناعة نشر عابرة للحدود.
{العرب يفتقرون إلى منظومة سوق متكاملة تجعل الكتاب سلعة مستدامة لا مجرد منتج رمزي}
بين الرقمنة والذكاء الاصطناعي
مثل بقية الصناعات الثقافية، يدخل النشر مرحلة الذكاء الاصطناعي: ترجمة آلية، وتحرير آلي، وتوصيات ذكية، وأصوات تركيبية للكتب الصوتية. تخفّض هذه الأدوات التكاليف لكنها تثير أسئلة عن الملكية والحقوق وجودة الترجمة. بالنسبة إلى العالم العربي، قد تشكّل فرصة تاريخية لتسريع ترجمة المعارف وخفض التكلفة، شرط أن ترافقها مراجعة بشرية محترفة وتشريعات تحمي الحقوق الأدبية.
هنا يظهر التناقض الأوضح: يملك العرب جمهوراً شاباً واسعاً، وتقاليد أدبية عريقة، واستثمارات حكومية متزايدة في “الصناعات الإبداعية”، لكنهم يفتقرون إلى منظومة سوق متكاملة تجعل الكتاب سلعة مستدامة لا مجرد منتج رمزي. فلكي تزدهر صناعة النشر، تحتاج إلى ثلاث ركائز مترابطة: قوانين حديثة لحماية الحقوق وتنظيم السوق، وبنية توزيع ومكتبات فاعلة، ونظام بيانات وإحصائيات شفاف يقيس الطلب والمبيعات بدقة.
من الكتاب إلى اقتصاد الحقوق
في النهاية، لم يعد جوهر النشر في الورق، بل في الحقوق: حق الترجمة، والاقتباس، والنسخ الرقمي، والتوزيع، والتكييف الدرامي. وكلما ازداد الوعي بقيمة هذه الحقوق، اقتربت المنطقة من التحول من “سوق للاستهلاك ثقافي” إلى “مصنع للمحتوى يصدّر المعرفة”. عندها فقط يصبح الاستثمار في النشر جزءاً من التنمية الاقتصادية، لا مجرد دعم رمزي للثقافة.
بين الرقمنة المتسارعة والرقابة البطيئة، وبين طموح المنصات وضعف القوانين، يعيش الكتاب العربي اليوم مفترقاً دقيقاً. النجاح ممكن، لكن بشروط السوق الحديثة: الشفافية، والحقوق، والانفتاح. من دونها، سيبقى القارئ العربي محاصَراً بين كتاب ممنوع وكتاب مقرصَن، وسيبقى الناشر يبحث عن ربح في سوق لا تعترف بقيمة الكلمة.
*************************
*عبد الرحمن أياس: كاتب وصحافي ومترجم لبناني من مواليد بيروت عام 1968. تخرج من الجامعة الأميركية في بيروت، ويكتب في عدد من المنصات والصحف العربية، منها “النهار”، و”المجلة”، و”عروبة 22″، إضافة إلى مواقع ثقافية واقتصادية أخرى. هو عضو في نقابة المحررين اللبنانيين منذ عام 1995.



