المقاهي الثقافية في لبنان/ فضاءات متأرجحة بين التّقانة والثّقافة

شهدت المقاهي الثقافية في لبنان، وبشكل خاص في بيروت، تحولات جذرية نتيجة للأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المتلاحقة (خاصة بعد عام 2019)، حيث انتقلت من دورها التاريخي كـ “صالونات أدبية” و”مراكز للثورة” إلى نماذج استهلاكية أو فضاءات هجينة.
وقد طرأت تغييرات بارزة على هذا القطاع، في السنوات الأخيرة، نذكر منها:
1-التحول من “نخبوية الأدب” إلى “استهلاكية التكنولوجيا” (الأزمة الاقتصادية) وانحسار الزمن الذهبي. حيث اختفت أو تراجعت مقاهٍ شهيرة (مثل الهورس شو، والمودكا) التي كانت تجمع الأدباء والسياسيين، وحلّت محلها مقاهٍ حديثة تعتمد على النرجيلة واللقاءات الاجتماعية. وأضحى المقهى كـ “مكتب” مهني، إذْ تحوّلت مقاهٍ عديدة إلى مساحات عمل (Coworking Spaces) توفر الإنترنت السريع، ويقصدها الشباب للعمل أو الدراسة، ممّا غير طبيعة النقاشات من فكرية إلى عملية. ناهيكم عن عامل الأزمة، حيث أدى الانهيار المالي إلى دفع الاستثمار نحو المقاهي كمهنة “دارجة” وربحيّة، ممّا أدى إلى طفرة في عددها، خاصّة خارج العاصمة، لكنّ معظمها يفتقر إلى الروح الثقافية القديمة.
2- الهوية الثقافية بين “المحلي” و”الغربي” بمعنى أن القائمة دخلت في التغريب: انتقل المشهد من القهوة العربية التقليدية إلى القهوة المختصة، ومشروبات الـ “ماتشا”، و”الباور بولز”. ولكن في تطوّر حديث، طالبت نقابات أصحاب المقاهي في العام 2026 بتوحيد تسمية “القهوة اللبنانية” بدلًا من التركية لتعزيز الهوية الوطنية.
3- المقاهي الهجينة (الثقافة + تجربة الحياة) ظهور “المساحات الثالثة”: بدأت مقاهي جديدة (مثل “تاء مربوطة” كنموذج صامد) تدمج بين المكتبة، عرض الأفلام الوثائقية، وقراءات الشعر، والمعارض الفنية، لتكون فضاءً ثقافيًا بديلًا في شارع الحمراء. كما ظهرت مقاهٍ إبداعية تركّز على التجربة الفنية (مثل مقاهي الرسم والأعمال الحرفية).
4- صمود وإعادة ابتكار رغم الظروف، تحاول بعض المقاهي في مناطق مثل مار مخايل والجميزة إعادة ابتكار نفسها كأماكن “مستدامة” اجتماعيًا وثقافيًا، تقدم تجارب فنية وموسيقية هادئة.
{تحولت المقاهي الثقافية من كونها “برلمانات سياسية ونوادٍ أدبية مفتوحة، إلى أماكن توفّر “استراحة استهلاكية}
باختصار، تحولت المقاهي الثقافية من كونها “برلمانات سياسية” ونوادٍ أدبية مفتوحة، إلى أماكن توفّر “استراحة استهلاكية” هادئة، أو مساحات عمل رقمية، مع وجود محاولات خجولة للحفاظ على الذاكرة الثقافية بأسلوب عصري.
بالمقابل، لا تزال بيروت، رغم كل التحديات، تحتضن مجموعة من المقاهي التي حافظت على هويتها الثقافية أو أعادت ابتكارها لتلائم روح العصر. نورد ههنا أشهر المقاهي الثقافية التي لا تزال قائمة في بيروت حتى عام 2026، موزعة حسب المناطق:
-منطقة الحمراء (قلب بيروت الثقافي):
-كافيه يونس (Café Younes): يعد أحد أقدم المقاهي (تأسس عام 1935). فرع الحمرا لا يزال وجهة للمثقفين والطلاب، حيث يوفر جلسة هادئة تجمع بين عبق التاريخ والقهوة المحمصة محلياً.
– تاء مربوطة (T-Marbouta): مساحة ثقافية واجتماعية متكاملة تضم مكتبة وغرفاً للمطالعة، ويشتهر باستضافته للنقاشات الفكرية والفعاليات الثقافية.
– برزخ (Barzakh): يقع في الطابق الأول ويطل على شارع الحمرا؛ هو مزيج من مقهى ومكتبة ودار نشر ومساحة للفعاليات الفنية وعروض الأفلام والأمسيات الشعرية.
– دار الوردية (Dar el-Wardieh): مقهى صغير يقع في زقاق هادئ بعيداً عن صخب الشارع الرئيسي، يشتهر بحديقته الجميلة وأجوائه المثالية للقراءة والكتابة.
{رائحة الثقافة تبقى ملتقصة بجدران المقاهي طالما أنّ القراءة سواء كانت ورقيّة أم ضوئيّة، لا تفارق طبيعة المواطن اللبناني}
منطقة مار مخايل والجميزة:
-كالي كوفي (Kalei Coffee Co.): يقع في بيت بيروتي تراثي قديم مع حديقة واسعة. هو ملتقى للمبدعين والشباب، ويُعرف بتركيزه على “القهوة المختصة” وتوفير بيئة ملهمة للعمل والإبداع.
-بيرت (BEYt Garden Café): يقع في مبنى تراثي مع حديقة مخفية، ويوفر أجواءً ثقافية حميمة تشبه البيوت البيروتية القديمة.
-سيب (Sip): مقهى صغير في الجميزة يتميز بتصميم فني بسيط، ويقصده الكثير من الفنانين والمثقفين الشباب.
منطقة الأشرفية ومونو
-كافيه برايري 33 (Café Prairie 33): افتتحته الكاتبة جمانة حداد في منطقة مونو، وهو مقهى ومكتبة يركز على الأدب والدراسات النسوية ويستضيف حفلات توقيع كتب وندوات.
-دار بيسترو (Dar Bistro & Books): (الأشرفية) يدمج بين الطعام والكتب في أجواء حميمية للغاية.
انطلاقا من هذه المحصلة التعريفية، يمكن القول إن رائحة الثقافة تبقى ملتقصة بجدران المقاهي في بيروت بخاصة، ولبنان بعامة، طالما أنّ القراءة، سواء كانت ورقيّة أم ضوئيّة، لا تفارق طبيعة المواطن اللبناني المتعلقة بتحصيل المعرفة والثقافة، والاطلاع على ما يجري من في ميادين الأدب والفن والسياسة.



