سليدرندوات ومقالات

كمال بكداش /الجماعات اللبنانية في مرامي النيران

خرجت الجماعة المارونية من حروب لبنان (1975 – 1990) موصومة بـــ “التحالف مع إسرائيل” وأن ما خسرته من مكانة في النظام السياسي اللبناني الذي أرساه اتفاق الطائف كان ثمناً لهذا الإثم الذي ظل يلاحقها لعقدين لاحقين، وذلك رغم التأييد الذي منحه بطرك الموارنة ومنحته القوات اللبنانية لهذا الاتفاق. وبالنتيجة عوقبت الجماعة وسُجن جعجع ونُفِي عون وتُرك البطرك وحيداً في مرمى النيران تأتيه من كل حدب وصوب يدافع عمّا يمكن إنقاذه من مواقع الموارنة وعن “معنى لبنان”.

في هذه الفترة تحوّل بعض مصادر النيران إلى مرمى الجماعة الدرزية التي قرّرت عام 2001، بـــ “حكمة” زعيمها التي استمدها ولا ريب من عقلاء الطائفة، إجراء مصالحة تاريخية مع الجماعة المارونية في الجبل، وذلك دون رضى سوريا وإرادتها، وتمثّلت بعض هذه النيران في صورة تلميحات إلى ذنوب الطائفة في فلسطين المحتلة، والتحذير من مصيرها في سوريا والتذكير بأفضال سوريا عليها في لبنان.
وسط الارتباك الماروني سطع بعد اتفاق الطائف نجم الجماعة السنية التي قدّمها زعيمها الجديد إلى سائر الجماعات بوصفها تجسيداً لــ “الوسطية” و”الاعتدال”، لم تشارك بفعالية عسكرية في حروب لبنان، وتشدُّها إلى العالم العربي أوثق العلاقات (“المذهبية”) التي يمكن توظيفها في خدمة لبنان وجميع اللبنانيين… إلخ.

{العهد الذهبي للجماعة السنية لم يدم طويلاً بدأ يتحول في بداية الألفية إلى سلسلة من المِحن}

غير أن هذا العهد الذهبي للجماعة لم يدم طويلاً، وسرعان ما بدأ يتحول في بداية الألفية الجديدة إلى سلسلة من المِحن جعلتها في آن معاً في مرمى نيران سوريا والجماعة الشيعية لشبهة “تآمر” زعيمها مع الغرب ضد وجود سوريا العسكري في لبنان، وسلاح حزب الله، ناهيك عن مرمى نيران الموارنة الذين حمّلوا الرجل والجماعة التي يتزعمها مسؤولية تآكل مواقع المسيحيين، والموارنة بوجه خاص، في الحكومات وإدارات الدولة.
لم تنته هذه المحن باغتيال الرجل، بل استمرت في عهد ابنه المرتبك إلى حين انسحابه من الحياة السياسية اللبنانية عام 2022.
يبدو، هذه الأيام، أنّ الدور جاء على الجماعة الشيعية، وعلى زعيمها الكارزمي، وعلى ممثّلها الدائم في مؤسسات الدولة.
لقد اختبرت الجماعة في ظل مِحَن الجماعة المارونية (1990 – 2005)، ثمّ في ظل مِحَن الجماعة السنية (2005 – 2022) أسعد أيامها على الإطلاق.
فقد تقاسم الثنائي السياسي المهيمن في الجماعة، في الفترة الأولى، الأدوار السياسية: الحزب يقاتل إسرائيل المحتلة، والحركة تعيد تموضع الموقع الشيعي في إدارات الدولة وأجهزتها تعويضاً عن تاريخ طويل من التهميش، ثم تعاوَن الثنائي في الفترة الثانية على ترسيخ موقع مميّز ومقرّر في إدارة الدولة واختيار الرؤساء وتوسيع نفوذهما الأمني في العديد من المناطق.
لم تخلُ هاتان الفترتان بالطبع من تعرُّض ممثّلي الجماعة والجماعة نفسها لمرمى نيران الجماعات اللبنانية الأخرى وممثّليها. غير أنّ ما يتعرضان له هذه الأيام، لهو أقصى ما واجهاه. فأغلبية الجماعة السنية مازالت في حالة “ربط نزاع” مع الحزب في قضية اغتيال الحريري، وتلومه على تدمير علاقات لبنان مع دول الخليج، وتمتعض من علاقته الإندماجية بالجمهورية الإسلامية في إيران… إلخ.

{القوات تعارك ما يمثله الثنائي وتلوّح بإعادة النظر في التركيبة اللبنانية}

وأغلبية الجماعة الدرزية لا تزال تحتفظ في ذاكرتها بذكريات مشؤومة لغزوة الحزب للجبل… أمّا على الجبهة المسيحية فيكاد ينشأ نوع من الإجماع على مناهضة الثنائي وعلى الإرتياب بإمكان العيش المشترك مع الجماعة الشيعية: فالبطرك يعبِّر عن هذه المناهضة بمطلب الحياد والمؤتمر الدولي حول لبنان، والقوات تعارك كل ما يمثله الثنائي، وتلوّح بإعادة النظر في “التركيبة اللبنانية”، والكتائب تعترض وتغازل فكرة الفيدرالية، والتيار الوطني يفكك تدريجاً إرتباطه مع الحزب ويواصل تلميحاته إلى “بلطجة” حليف حليفه السابق ويرفع لواء اللامركزية الإدارية والمالية الموسّعة، وكلها علامات لا تخطؤها العين على رغبة قوية لدى القطاع الأوسع من المسيحيين في فك الإرتباط مع المسلمين، ولاسيما مع الجماعة الشيعية.
وعلى ذلك كله فقد نالت كل جماعة لبنانية نصيبها من نيران الجماعات اللبنانية الأخرى، ويكاد يتولّد انطباعٌ بأن كلاً منها سائر في سبيله الخاص، والسؤال، والحالة هذه، إلى أين سوف يصل هذا السبيل؟
والجواب الأكثر واقعية هو: إلى لا مكان، لأن كل جماعة لا تستطيع بمفردها أن تنال ما تريد أو ترغب ولا توجد جهة في الإقليم والعالم مستعدّة لدعم مطلب أي جماعة منفردة، ولذا نجد الجماعات اللبنانية نفسها مضطرة مجدّداً إلى أن تبحث عن مخرج جماعي.
ولا يبدو أن هذا المخرج سوف يشذُّ كثيراً عما هو قائم: صيغة تمثيل الجماعات بأنصبة محدّدة في مؤسسات الحكم. وفوق ذلك تجد نفسها مضطرة إلى التعايش مع “دولة حزب الله” التي سوف تستمر طويلاً في الأمد المنظور.
والصيغة يمكن بالطبع تحسينها، ودولة حزب الله يمكن على الأقل تقييدها، غير أن الغايتين تحتاجان لبلوغهما أداة تتمثَّل في حركة سياسية فاعلة مدعومة شعبياً، وهو ما يفتقر إليه لبنان واللبنانيون في الوقت الراهن.

زر الذهاب إلى الأعلى