سليدرندوات ومقالات

فارس سعيد: لبنانُ وطنٌ نهائيٌّ لجميعِ أبنائه هو مطلب مسيحي وإسلامي بامتياز

يشرّفني أن أتكلّم في السياسية في هذا الدار الثقافي العريق – النادي الثقافي العربي – بدعوةٍ كريمة من الصديق الوزير حسن منيمنة.
سأتكلّمُ عن موضوعٍ محبّب على قلبي، لأني من جيلٍ عرِف قبل الحرب وخلالها وبعدها المتغيّرات التي طرأت على مجتمعِنا اللبناني والعربي، واكتسّبتُ مع الأيامِ خبرةً متواضعة في السياسية.
أمّا في الثقافة السياسية، فهي ورشةٌ دائمة أعملُ عليها يومياً، وكلما تقدّمتُ اكتشفُ كم أنا بعيدٌ عن المعرفة والعلم.

هناك شائعةٌ في لبنان / أو ربما “إشاعة”، عُمرُها من عُمرِ “لبنان الكبير”، ومَفَادُها أنّ لبنانَ الكبيرَهذا، بوَصفِهِ اختراعاَ مسيحياً، ومارونياً بالأخصّ وبالتّحديد، إنما وُجِدَ ليخدِمَ “لبنان الصغير”، بِضمِّ مساحاتٍ جغرافيةٍ وديموغرافيةٍ إليه، في لحظةٍ دولية مؤاتية، من شأنها – أي هذه المساحات – أن توفّرَ له مواردَ وإطلالاتٍ على العالم، بما في ذلك من موانئَ وأراضٍ، تُحصِّنُه من أخطارِ الانعزالِ والذّوبانِ والمجاعة في آنٍ معاً، كما تحفظُ له الوجودَ الحرّ.
والحال أن هذه الشائعة قد طالت واستطالت في الزمنِ والوقائع والانطباع Percéption، حتى باتت جزءاً من “سرديّةٍ جماعية” على جانبَي التكوين اللبناني الحديث: فكثيرٌ من المسيحيين استطابوا هذه السرديّة وأوغلوا في أنانيّتها، وكثيرٌ من المسلمين صدّقوها وأوغلوا في كراهيَتها والشكوى منها حتى حدودِ رفضِ لبنان الكبيرِ والصغير معاً.
قُلنا إن هذه السرديّة عمّرت طويلاً، أكان بصورةٍ مًضمَرة أم مُعلنة. هي مُضمرةٌ في حالات الاستقرار والرخاء النسبيّين، ومُعلنةٌ في حالات التأزّم..
دخلت على هذه السرديّة اللبنانية أيضاً نظرية الأكثرية والأقليّة.
قدّمت لنا التجربة التاريخية في مرحتها الأولى ما بين التأسيس عام 1920 وبين الاستقلال والميثاق الوطني عام 1943 – قدَّمت إجابةً واضحة هي أن التأسيسَ والاستقلال حقّقهما لقاءُ أقليّتين متضامنتين في الخيار والسير معاً، مقابلَ أكثريتين متنافرتين في الجانبين. ورغمَ مأثِرةِ التأسيس والاستقلال، فقد ظلّت وساوسُ الأكثريتين “شغّالة” على قدمٍ وساق، تارةً بذريعةِ الغُبنِ وضَعفِ المشاركة، وطَوراً بذريعةِ الهواجس، وفي وقتٍ لاحق بعد تقلّبات الأزمنة والموازين بقَولِ بعضِهم أنّ صيغة العيش هذه، في مِثلِ هذه الدولة، أصبحت ضيّقة على عَرضِ أكتافنا والعضلات!… هذا ولم تَخلُ شكاوى الشّاكين من تبادُلِ الأدوار..
مرّةً أخرى طالَ العُسرُ اللبناني le malaise libanais، مروراً بما اصطلحنا على تسميته بالفتنة الأهلية 1958، متراكبةً على أحلافٍ خارجية ومستقويةً بها، وصولاً إلى مَشارِف حرب الخمسَ عشرة سنة (1975-1990).

{فلسفةَ اتفاق الطائف أرادت أن تدحضَ فكرةً تسلّلت إلى بعض العقول، مفادُها أنّ أصلَ المشكلة يكمن في التعدّدية اللبنانية ذاتِها}

لم تُبقِ الحربُ شيئاً على شيء ، كما عَلِمنا وذُقنا جميعاً دونَ استثناء ، ثم جاءت وثيقةِ الوفاق الوطني في الطائف، لتُصحِّح السردية بقَولِها: “لبنانُ وطنٌ نهائيٌّ لجميعِ أبنائه (مَطلبٌ مسيحيٌّ بامتياز، وعقيدة)، عربيُّ الهويةِ والانتماء (مَطلبٌ إسلاميٌّ بامتياز، وعقيدة)”. هكذا يكون اتفاقُ الطائف قد أعادَ فَهمَ السردية، أو أنه أعاد إقامةَ الصيغة اللبنانية على قدمين اثنتين بدلاً من قدمٍ واحدة، تسيران معاً وفي اتجاه واحد، كما “أعاد إقامتَها على العدل والإنصاف، لاسيما بعدَ أن غنّى كلُّ فريق موّالّه إلى الأخير وشربَ كأسّه حتى الثمالة”، على قولِ كمال الصليبي.
والحقُّ يُقال أيضاً، أن فلسفةَ اتفاق الطائف أرادت أن تدحضَ فكرةً تسلّلت إلى بعض العقول، مفادُها أنّ أصلَ المشكلة يكمن في التعدّدية اللبنانية ذاتِها. أنا مع فلسفة الطائف التي تقول، بعد استخلاص العِبَر من الواقع والتجارب: ليست المشكلةُ في التعدّد ذاته، الذي هو مصدرُ غنىً وثراء، كما هو من شروطِ أن يكون للبنان معنىً ودورٌ ورسالة، ولكنّ المشكلة هي في سوءِ إدارةِ هذا التعدد.. ولنَقُلْ إِنّ فشَلَ و/ أو تقصيرَ الإدارات المتعاقبةِ على هذه “اللبنانية الصعبة” كان من شأنها (الفشل والتقصير) أن صبّا زيتاً على القلق الأصليّ الذي اكتنف ولادة الصيغة ورافقتها. وفي سياق هذه الجلجلة المتمادية لا نبرِّئُ طرفاً من مسؤولية تأجيج القلق، سواءٌ بركوبِهِ التطرُّفَ من خوفٍ أو طمع، أو بِقلَّةِ صَبْره في التاريخ وعلى التاريخ.. ولعلّ اللحظة اللبنانية الراهنة، بما يشوبُها من تسرُّعِ البعض في الذهابِ إلى نهاياتٍ حاسمة، مع استدارةِ الزمان دورةً كاملة وانقلابِ الموازين في المنطقةِ برُمَّتها – أقول لعلّ تسرُّع البعض في هذه اللحظة يقدّمُ شاهداً على قلّةِ صبرنا في التاريخ وعلى التاريخ.
أيها الاخوة،
نحن لسنا أمام أزمة نظام سياسي كما يرى البعض، وقد ثبُت ذلك بالتجربة، إنما أمام أزمة إدارة سياسية بامتياز.
ذلك أن هذا النظام، بما هو عقدٌ وطنيٌ ودستور، قد وُضِع منذ البداية وحتى الآن تحت وصايتين على التوالي، وقد تنَكّرنا له على الدوام: وصاية النطام السوري الذي اعتبر لبنان محافظة سورية، ومن ثم وضع يد ايرانية مسلحة انتهت إلى وصاية حتى حدود الاحتلال بحكم الواقع.
وفي الحالتين بقي لبنان يعيش أجواء حربٍ باردة بين أطيافه تحت خطر تحوّلها إلى حربٍ ساخنة في أي وقت.
أيها الإخوة والأصدقاء،
أعترفُ أننا استسهلنا استخدام كلمة “علمانية”، واعتبرنا أنها الحلّ لوضع حدّ للواقع الطائفي الذي يتحكّم ببناء الدولة.
واليوم هناك فريقٌ لم يعترف أساساً بوحدة البلد يتكلّم عن اللامركزية الإدارية قاصداً تقسيم لبنان تحت حجّة أننا لا “نُشبِه بعضنا”.
أنا لستُ لا مع هذا ولا ذاك،
في فرنسا، بلدُ العلمانية منذ العام 1905 وبلدُ اللامركزية الادارية الموسعة معاً، ورغم هذا الواقع لا تعرف الدولةُ كيفية التعامل مع المواطنين الفرنسيين ذات الأصول العربية والإسلامية. فهناك من يتكلّم عن الإسلام الفرنسي، وآخر عن الإسلام في فرنسا…
خياري اليوم هو اتفاق الطائف، الذي إذا ما طُبِّقَ يؤمّن الحقوق للمواطنين الأفراد من خلال مجلس نيابي محرّر من القيد الطائفي ومجلس شيوخ منتخب على قاعدة طائفية يؤمّن الضمانات للجماعات الطائفية.

{إن التطبيق الاستنسابي للدستور من قبل الوصايتين لم يسمح لا بتبرئة النفوس ولا بإصلاح تدريجي}

 

إن التطبيق الاستنسابي للدستور من قبل الوصايتين لم يسمح لا بتبرئة النفوس ولا بإصلاح تدريجي، بل فاقم الهواجس والظنون وكثّرها.
اليوم وبعد اشتعال الحرب واستمرارها، هناك دورٌ أساسيٌ للجامعات الكبرى والصغرى في لبنان، بالإضافة إلى نقابات المهن الحرة والقطاعات الانتاجية والتجارية؛ كل هذه المؤسسات مدعوّة إلى الاجتماع فوراً والتفكير في ابتكار أشكالٍ جديدة تساعد لبنان في الدخول مجدداً إلى نظام المصلحة العربية الجديد الذي ترتسم معالمه بعد حرب “طوفان الأقصى” و”الاسناد” وسقوط نظام الأسد، وقمة شرم الشيخ وزيارة الامير محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة وزيارة البابا إلى بيروت…
أيها الاصدقاء،
تلك هي شهادتي المارونية، اللبنانية، العربية التي رأيتُ من واجبي أن أقدمها بهذه المناسبة وفي هذه اللحظة الاشكالية الحرجة بالذات. وهذه الشهادة لا ينبغي أن يفوتَها التوقُّفُ عند شهادةٍ عُظمى قدّمها المجمعُ البطريركي الماروني عام 2006، في معرضِ مراجعته العميقة للتجربة اللبنانية من منظورٍ إيمانيّ مسيحيّ، حيث قال ما فَحواه وخلاصتُه: لم يكن خيارُ العيش المشترك في لبنانَ الكبير الذي كانَ لنا شرفُ المبادرةِ والدعوة إليه – لم يكن هذا الخيار بدافعِ مصلحةٍ أنانية، على ما ظنّ كثيرون وارتكبوا إثمَ هذا الظنّ، وإنما كان من منطلقٍ إيمانيّ. ذلك أن أوجَبَ واجباتِ المؤمن، أيّ مؤمن، أن يَشهدَ لإيمانه في مختلف الأحوال. والشهادةُ للإيمان تكونُ أحسنَ ما تكون بالعيش مع الآخر المختلف، وليس بمعزلٍ عنه خلفَ أسوار الذات وفي بيئةٍ صافية. إذْ ما فضلُ المسلم مثلاً (و”ما المرجلة”) في أن يشهد المسلمُ لإيمانه بجوار مكة، أو أن يشهد المسيحيُّ لإيمانه بجوار الفاتيكان؟!.. الفضلُ و”المرجلة” ههنا !
بهذه الكلمات، أو بمعناها، لم تُصحّح الكنيسةُ فقط سوءَ الفهم الذي شابَ السرديّة اللبنانية على الجانبين، وإنما دلّت أيضاً وخصوصاً على طريق المصالحة في ذاِت كلٍ منا بين إيمانه الدينيّ ووطنيته.

* نصّ الكلمة التي ألقاها الدكتور فارس سعيد في النّدوة التي أقامها “النّادي الثقافيّ العربيّ” بعنوان “الطائف في عقده الرابع: سؤال الصلاحية والاصلاح” بتاريخ الجمعة 16 كانون الثاني 2026

زر الذهاب إلى الأعلى