ندوات ومقالات

د. عدنان حمود / زهير هواري في عمله “أحكي وفي فمي تراب الكلام”

مزيج من البناء الروائي والسيرة الذاتية وسط الحروب

د. عدنان حمود

لا يحدد لنا زهير هواري في عمله الجديد ” أحكي وفي فمي تراب الكلام ” الصادر مؤخرا عن دار الفارابي نوعية ما يقدمه لنا كقرّاء. فهل هو يكتب لنا رواية أم سيرة ذاتية عن الأيام التي عاشها وعشناها معه كمعاصرين للأحداث التي عصفت بنا وببلادنا، وأحالتنا وأحالتها إلى قاع صفصفا. مصدر الارتباك أن هواري سبق وقدم لنا عملين يدخلان في باب السيرة الذاتية هما: ” مي ” الصادر عن مؤسسة دار الكتاب الحديث في العام 1989. أما الثاني فهو كتاب “نيام حتى اليقظة” الصادر عن الدار العربية للعلوم – ناشرون في العام 2012 .
أما باقي مؤلفاته فتراوحت بين التاريخ والثقافة والانثروبولوجيا والتعليم مع تحقيق لمخطوطة المؤرخ الموسوعي عيسى إسكندر المعلوف وغيرها. علما أن انشغالاته العامة تراوحت بين الكتابة الصحافية والتدريس الجامعي، والمساهمة مع آخرين من زملائه في العديد من المؤلفات التي تدخل في باب السياسة والفكر السياسي والراهن من الأحداث والوقائع.
تحت العنوان الرئيسي للمؤلف وضع عنوانا فرعيا هو ” سيرة حياة وسط الحروب”، أي إنه يخبرنا من خلاله أن ما يحكي عنه هو سيرة وحياة وسط الحروب التي ذاقها ومعه ذاقها اللبنانيون والفلسطينيون وأبناء هذه البلاد والمنطقة. ما يعني أن حياة كل هؤلاء لم تكن سوية على النحو الذي تعيشه باقي الشعوب الأخرى في هذا الكوكب، حيث تنعم بالأمن والسلم والانسيابية التي تجعل أيامها وسنواتها عبارة عن سلسلبيل متدفق كما تتدفق الأيام والأسابيع والأشهر والسنوات. أما لوحة الغلاف فمأخوذة من الرسوم التي وضعها ساندرو بوتيتشيلي (1445 -1510) للكوميديا الإلهية لدانتي الييغري. وهي تعبر عن الجحيم الذي يناله أعداء الرب والكنيسة من هراطقة وفريسيين ولصوص وزنادقة.

{ما يعني أن حياة كل هؤلاء لم تكن سوية على النحو الذي تعيشه
باقي الشعوب الأخرى في هذا الكوكب}

يتألف العمل من تسعة فصول يبدأ الأول منها بعنوان ” الطريق إلى النار. وفيه يقدم الموت في المنظور الإسلامي، وهو ما اشتغل عليه العديد من العلماء والفقهاء المسلمين عبر مقدمة قصيرة مأخوذة من أشهر فلاسفة السُنة أبو حامد الغزالي، ومنه يتبين في حديث منقول عن الرسول محمد وعمر بن الخطاب أن الانسان لا يفقد حواسه بالموت، اذ يحافظ عليها حتى وهو تحت التراب. ينتقل من هذا النص التراثي إلى ما كرره أيضا فقهاء المسلمين عن رحلة القبر الذي يقبع فيه الانسان غب موته كمساحة ضيقة، فيتحول تبعا لأعماله إلى روضة من رياض الجنة أو قطعة من جحيم النار. لكن من يقرر في مصيره ليس ملكا الموت اللذان يلتقياه في قبره، بل صاحب العرش نفسه دون سواه من ملائكة بما فيهم كبيرهم جبرائيل. لذلك فمحاكمته مستأخرة إلى يوم القيامة التي نراها في الفصل الأخير من العمل. أما الفصول التي تتجاوز الفصل الثاني وحتى ما قبل الأخير فمخصصة للحياة العادية التي عاشها من ضمن المرحلة التي شهدتها البلاد والقضية العربية وأجيال المرحلة، ما يجعل النص مزدوج المنحى كعمل روائي ما وراء الميتافيزيك المتجسدة كالتي نحياها، إلى اليومي مما كابدناه خلال مسيرتنا في هذا الوجود فيتلاعب بترتيب تواريخه. يخصص هواري الفصل الثالث إلى ما يعتبره الطريق إلى جهنم ومنه تنساب حروبنا الصغيرة والكبيرة. أي ما تعرضنا له ليس سوى الدرب الذي سلكناه عن رضا وطيبة خاطر نحو جهنم. وهنا نتحمل جميعا مسؤولية اضرام حرائق الحرب الأهلية. لكن لتلك الحروب مقدماتها من سائر المواقع المتصارعة. وهي هنا تمثلت في الانخراط في العمل الحزبي في حركة القوميين العرب أولا وفي منظمة العمل الشيوعي ثانيا، وفي منظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني ثالثا. وهو انخراط يتراوح بين تشكيل خلايا فلاحية وعمالية زراعية في الريف حيث بيت الأهل، وفي بيروت حيث تجمع التبرعات للعمل الفدائي. نراه هنا متربصا بالمصلين على أبواب المساجد طالبا مساعدتهم على توفير ما يجودون به لصالح الفدائيين الفلسطينيين. وبعد ذلك الانخراط في تأدية مهام إعلامية دفاعا عن مبدأ وضرورة تغيير النظام الطائفي المأزوم.

{هناك جانب مضيء من الحياة الاكاديمية مع كبار الأساتذة والإداريين،حيث كانت الجامعة لا تزال منزهة عن الوباء }

يتخلل هذه المرحلة المشاركة في عشرات التظاهرات التي تدعم حرب التحرير الجزائرية والثورة الفيتنامية وغيرها، ثم السفر إلى مصر لمتابعة الدراسة. وهنا ينقطع سياق هذه الثنائية بين الريف والمدينة لصالح عام من نصفين نصف في القاهرة لمتابعة دراسة التاريخ في جامعة الأزهر، ونصف في لبنان لتأمين بعض النقود التي تساهم في تأمين الإنفاق على الإقامة في قاهرة المعز لدين الله الفاطمي. بعد التخرج يعمل فترة قصيرة في ليبيا يعود منها خالي الوفاض ليبحث عن عمل في لبنان. ولأنه تصور أن لديه موهبة الكتابة ييمم وجهه نحو الصحافة ويدخل في مشوارها في مجلة الدستور أولا ثم في صحيفة بيروت ويغادرهما إلى الحرية ومن الأخيرة إلى بيروت المساء فالسفير فـ … مرورا بالعديد من المساهمات في باقي الصحف اليومية اللبنانية والعربية والمجلات، التي كتب ونشر مقالات فيها. وهي هنا لبنانية وعربية في الوقت ذاته. كل من هذه التجارب لها ايقاعها ونكهتها اذا ما تداخلت مع الحياة السياسية اللبنانية والعربية.
كان هاجسه خلال تلك السنوات الحفاظ على نزاهته بينما البيئة من حوله ملوثة الا من رحم ربك. لذلك اذا به يتخلى عن الصحافة عائدا إلى مقاعد الدراسة بعد 20 عاما من الابتعاد عن الحرم الجامعي، ويشرع في الدراسات العليا فيحصل على الماستر ثم الدكتوراه، قبل أن يتابع ممارسة مهنة الصحافة، وفي الوقت ذاته ينكب على التدريس الجامعي في جامعة بيروت العربية أولا ثم سيدة اللويزة وبعدها الجامعة اللبنانية متعاقدا ثم متفرغا. ويعرض للمناخات التي عرفها مثل الكثيرين من الأساتذة الذين كانت هذه الجامعة تعني لهم ما يتجاوز العمل الوظيفي وقبض الراتب، إلى حمل رسالة أجيال البناء والتأسيس وضرورة الحفاظ عليها وتطويرها. وكيف اخترقها المرض العضال فباتت الطائفية والمذهبية راسخة من الفروع إلى رأس الهرم بما هي الرئاسة والعمادات والمديرين والأساتذة والطلاب والموظفين. واعتبار الفرع تابع للبنية الطائفية – المناطقية وليس للمهمة والدور الاكاديمي والمجتمعي. وحالما أنهى عقده مع الأخيرة مع بلوغه السن القانونية عمل استشاريا في لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني التابعة لرئاسة الحكومة اللبنانية. ويعرض لمساهمته في اللجنة، وما عايشه من مواقف لأطراف لبنانية وفلسطينية. وسط الحياة الحزبية والعمل الصحافي ثم الاكاديمي وفي السراي الحكومي تمر عشرات ومئات الأسماء من الرفاق والزملاء الذين عرفهم وعرفوه وتعاطى معهم بحكم العمل والمهنة والدور، دون أن ينكسر أمام ما يضمره بعضهم من مواقف، إذ من النادر وسط تبدلات الوضع أن تعثر على موقع لم يتلوث بالطائفية والزبائنية. يستثنى من ذلك العمل الحزبي رغم خطاياه الفكرية وممارساته الحربية الفادحة، التي لم تصل إلى تلوث يديه وأيدي رفاقه في التنظيم السياسي الذي انتمى إليه بدم الأبرياء. أما في لجنة الحوار فقد انطلق من حق الشعب الفلسطيني أن يشعر بالأمن ويحصل على حقوقه كلاجيء بعد الاهوال التي مر بها تتويجا بمجزرتي صبرا وشاتيلا.

{تستعاد ذروة ميثولوجيا الموت الإسلامية من خلال وقائع الحساب أو الثواب والعقاب في يوم القيامة}

وكذلك هناك جانب مضيء من الحياة الاكاديمية مع كبار الأساتذة والإداريين، حيث كانت في حينه الجامعة لا تزال منزهة عن هذا الوباء الذي ضرب نزاهة كادراتها وأصابها في الصميم. وقاد ليس فقط إلى تحطيم هذه المؤسسة، بل أيضا حقوق الأفراد بمن فيهم المؤلف هو نفسه، عندما حالت الاعتبارات الشكلية عن حصوله أولا على حقه في استمرار الإفادة من صندوق تعاضد أساتذة الجامعة المتفرغين، ومن رتبة الأستاذية التي حُرم منها كونه في كليهما لم يتقدم بآيات الطاعة والخضوع للمرجعية الفئوية المهيمنة على هذه المؤسسة البالغة الخطورة والأهمية، بالمقارنة مع كل ما تبقى من مؤسسات وإدارات الدولة اللبنانية. لذلك لم ينل ما كان يمكن أن يكرسه له القانون من حق في الطبابة بعد نهاية التفرغ، وكذلك نيل رتبة الأستاذية في ضوء أبحاثه ومؤلفاته، وبالتالي يحصل على حق الإشراف على رسائل الدراسات العليا في الدبلوم واطروحات الدكتوراه.
يعيدنا الفصل الأخير إلى الفصلين الأول والثاني حيث تستعاد ذروة ميثولوجيا الموت الإسلامية من خلال وقائع الحساب أو الثواب والعقاب في يوم القيامة، حيث تُحشر جموع من الناس والشعوب التي تلاحقت على الكرة الأرضية، والتي لا يدري سوى ربك الأعلى عددها” فمن عمل مثقال ذرة خيرا يره ومن عمل مثقال ذرة شرا يره”. وبالطبع تفتح أبواب النعيم للمؤمنين العاملين بتعاليم السماء من الإقرار بالشهادتين وصوم رمضان وممارسة فروض خمس صلوات يوميا، وإيتاء الزكاة عن الأموال والحج إلى بيت الله الحرام لكل من استطاع إليه سبيلا. بينما يقذف بالكفرة والجاحدين لنعم الله إلى جهنم وبئس المصير. ويدخل هواري هنا في تفصيل وتفكيك تراث المتقدمين من علماء الصحابة في أسماء ودرجات النار وأنواعها وعناصر الاتفاق والاختلاف بين كل منها عن سواه، وما يلاقيه نزلاؤها من منوعات العذاب والعقاب دون حد أدنى من إمكانيات التخفيف عما يعانون، بينما تتقشر جلودهم بالنار فتنبت لهم غيرها، وثم تحترق مجددا ثم تقشر، وهكذا دواليك إلى زمن لا يعلمه الا الله في حال قرر منحهم الرحمة والعفو عن كبائرهم وصغائرهم. لكن هواري وهو يستعد لاحتمال الرحيل إلى هذه النار المهيبة لا يمتنع عن طرح أسئلته. وهي الأسئلة التي سبق وطُرحت ولم تلق إلى الآن جوابا شافيا. ثم ماذا بعد إقامة ميزان العدالة وتوزيع الناس تبعا لإيمانهم وكفرهم على النعيم والجحيم. هل انتهى عندها كل شيء وعادت السكينة الإلهية إلى الكون، أم أن بدايات قد تحدث مع كلمة “كن” الربانية، فتعيد عملية الخلق ثانية إلى الوجود بعد مراحل الخواء التي عرفها الكون، حيث لا نأمة بسيطة لحياة متجددة. وخلالها ليس سوى مجرد سديم وضباب ومياه راكدة وصمت أبدي لا يعكر سكونه معكر من حياة مهما كان نوعها.
نص زهير هواري يعيدنا إلى الأسئلة الفلسفية التي كانت تدفع بعلماء المسلمين الذين يحبرون الصفحات بالمئات إلى اختتام مباحثهم بعبارتهم الأثيرة التي تقول “والله أعلم”.

زر الذهاب إلى الأعلى