
أدقّ الدِّراسات تلك الدِّراسات التي تستغرق من صاحبها سنوات من البحث والمقارنة والاستنتاج، فالبحث العلميّ سواء أكان في السياسة أم في الفلسفة أم في العلوم الطبيعيّة،لا يؤدّي غايته الكبرى إلّا إذا ابتعد عن السّرعة والتّسرّع، وعن السّهولة والاستسهال.
الكاتب تود لاندمان، وهو خبير دوليّ معروف في مجاليّ حقوق الانسان والديمقراطية، آثر أنْ يقدّم للقارىء دراسة وافية وشاملة،استغرقت منه بحثًا وإعدادًا سنواتٍ طويلة، ذلك لأنّه وظّف أبحاثه الأكاديميّة واهتماماته بمجال التّدريس في مجموعة واسعة من الاستشارات الدوليّة التي شملت أكثر من خمسة وثلاثين بلدًا في العالم.
والجدير ذكره أنّ خبرة الكاتب التّدريسيّة والبحثيّة في مجالات التّنمية والديمقراطيّة وحقوق الانسان، “وفّرَتْ أساسًا للنّظريات وأساليب المقارنة واستراتيجيّات القياس والتّقييم، التي أثبتت فائدتها لعدد كبير من المنظّمات الدوليّة الحكوميّة وغير الحكوميّة”.
تُشكّل فكرتا الديمقراطيّة وحقوق الانسان إطارَ هذا الكتاب، وهما لهما تواريخ – يقول تود- “موغلة في القِدم. حيث ترجع أصول الديمقراطيّة إلى اليونان القديمة، لكنّها أضحت مذّاك شكلًا نادرًا وحديث العهد نسبيًّا من أشكال الحكم السياسيّ، مقارنةً بأنواع النُّظم السياسيّة الأخرى التي صبغت تاريخ العالم كالمَلكيّة وحكم القلّة ( الأوليغارشيا) والتسلطيّة”.
ويرى تود أنّه على الرّغم من ازدياد شعبيّة الديمقراطيّة، تظلّ الديمقراطيّة كفكرة “مفهومًا مُختلَفًا في شأنه بصفة أساسيّة، ويتواصل الكثير من الجدل في شأن تعريفات مصطلح الديمقراطيّة وعناصره ومعناه”. وفي هذا المضمار، يؤكد تود أنّ الاهتمام المتجدّد بالديمقراطيّة في ضوء الأحداث في الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا، سوف يجتذب من جديد تعليقات على تعريفات الديمقراطيّة و” نماذجها”.
بالمقابل، يلفت الكاتب “إلى جدل بعض الباحثين والممارسين في أنّ لحقوق الإنسان تاريخًا طويلًا وقديمًا مماثلًا، ولكنّ معظم هؤلاء ينظرون إلى حقوق الإنسان “كبنْية نظريّة” حديثة تطوّرت من تقاليد حقوق المواطنة ثمّ أضيفت عليها صفة العالميّة عبر مجموعة ممارسات واتفاقيّات أنتجت النّظام الدوليّ لتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها كما نعرفه اليوم”.
{لاحظ الكاتب أنّ ثورات الربيع العربي تذكِّرنا بقوّة بلغة الحقوق وقدرتها على إحداث تغيير ديمقراطيّ}
الكاتب يقدّم في فصول كتابه “دراسة معمّقة للعلاقة الديناميكيّة والمعقّدة بين إثنين من أقوى المبادىء السياسيّة في عصرنا الحديث: حقوق الإنسان والديمقراطيّة، ويستند إلى عقود من البحث العلميّ والأمثلة الواقعيّة لتحليل كيف يمكن للأنظمة الديمقراطيّة أن تعزّز-وأحيانًا تعرقل- حقوق الإنسان، وكيف تساهم الأطر القائمة على الحقوق في ترسيخ الحوكمة الديمقراطيّة. كما ويجمع الكاتب بين النظريّة ودراسة حالة من مختلف أنحاء العالم، مُسلطًا الضوء على التحدّيات التي تواجه الديمقراطيّات اليوم.
ومن الحالات التي درسها تود لاندمان، الثّورات التي اندلعت في البلاد العربيّة عام 2011، حيث لاحظ الكاتب أنّ ثورات الرّبيع العربيّ ” تذكِّرنا بقوّة بلغة الحقوق وقدرتها على إحداث تغيير ديمقراطيّ. فقد تبنى نقّاد النُّظم التسلّطيّة في الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا لغةَ حقوق تتضمّن مطالب إقتصاديّة ومدنيّة وسياسيّة”.
لقد سلسل الكاتب موجات الديمقراطيّة في العالم، في الولايات المتحدّة وأوروبا أيضًا، مُبيِّنًا أنّ أيّ نقاش في شأن نموّ الديمقراطية ينبغي أنْ يشمل النّظر في حقوق الإنسان، مُعرِّفًا معنى مضمون هذه العبارة بالقول:” يعتمد مضمون حقوق الإنسان كما أقرّه القانون الدوليّ على وضع الدّول واعتمادها معايير قانونيّة تسمح للأوساط المعنيّة بحقوق الإنسان بمحاسبة الدّول على تصرّفاتها التي تنتهك كرامة الأفراد الواقعين تحت ولايتها القضائيّة”.
وتجدر الاشارة إلى أن الكاتب فصَّلَ القول عن وجود “علاقة إيجابيّة بين الديمقراطيّة وحقوق الإنسان، ترتبط فيها المستويات الأعلى من الديمقراطيّة ارتباطًا قويًّا بتحقيق حماية أفضل للحقوق المتعلِّقة بالسّلامة الجسديّة”. كما لفت إلى أنّ القدرة على الاعتراض والتّحدي متوافرة في الديمقراطيّات بطرق غير متاحة ببساطة في الأنظمة غير الديمقراطيّة التي تقابَل فيها الاعتراضات بالصّمت أو بتقديم معلومات مُضلِّلَة أو بالقمع المباشر.
{مقاربات الكتاب رسمت مسار تقدّم الديمقراطيّة وحقوق الإنسان وشرحت أسباب التقدّم بتفاؤل حذر}
وبالرغم من أنّ مقاربات الكتاب رسمت مسار تقدّم الديمقراطيّة وحقوق الإنسان( ونكساتهما) وشرحت أسباب التقدّم بتفاؤل حذر،إلّا أّن التّهديدات والمخاطر كانت ولا تزال سارية، وقد جمعها الكاتب على النحو التّالي:
1.النّزاعات في داخل الدول وفي ما بينها؛
2.العولمة الاقتصاديّة وانعدام المساواة؛
3.الإرهاب العالميّ والاستجابة إليه؛
4.التدهور البيئيّ وتغيُّر المناخ.
لا شكّ في أنّ الكتاب يحفل بالعديد من المقارنات والمقاربات البحثيّة من جهة، وبجداول ورسوم بيانيّة ترافق نتائج الدراسة ومستويات أنظمة الدول البيانيّة المتعلّقة بأمثلة الديمقراطيّات وحقوق الإنسان، من جهة ثانية. وهو يفضي إلى نظرة متفائلة في المستقبل. لذلك اختار الكاتب عنوانًا فرعيًّا آخر لكتابه “انتصار المثُل الهَشّ” وآثر أنْ ينهي دراسته به حيث قال:” ونحن نلج العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، هناك الكثير للاحتفاء به. فقد هُزِمت الشّموليّة الفاشية والشّيوعيّة في أوروبا، وانحسرت التسلطيّة في جنوب أوروبا وأميركا الجنوبيّة وأجزاء من أفريقيا وآسيا. وقد استُهِلّ هذا العقد بتغييرات هائلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ما زالت نتيجتها النهائيّة غير معروفة، بيد أن أصول التّحدّي الذي يواجه القائمين على السّلطة، قد أُطِّرت بإطار العدالة الاقتصاديّة، والحرية السياسيّة.(…) ويمكنني القول إنّني أشعر بتأثّر عميق بالأفراد الذين يتمتّعون بالشّجاعة للوقوف في وجه القمع بكلّ أشكاله واتّخاذ موقف حازم ضدّ الظلم. والواقع أنّ الأحداث والتّطورات التي شكّلت الأساس لمناقشاتنا في هذا الكتاب، تضمّنت مجموعة من الشّخصيّات التي باتت معروفة الآن. بيد أنّ الكثير من الدراما التي شهدناها في العقود الماضية لم تكن ممكنة إلّا بفضل الأناس العاديّين الذين يريدون ببساطة أنْ يكون دورهم أكبر في الطّريقة التي يعيشون بها حياتهم. ولنأملْ أنَّ حصيلة هذا المسعى البسيط تُواصِل الازدهار”.
– صادرعن: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
-ترجمة: باسم سرحان، وائل سلامة/ مراجعة سارة دوفو
-الطبعة الأولى: سنة 2025



