كتب

حسان الزين/ طانيوس شاهين ماذا فعلتُ لأستحقَّ هذا؟

سيرة مرويّة على لسان الرّاحل

أضحى السّرد الروائيّ العربيّ في بنائيّته المعاصرة، فنًّا قائمًا على قواعد أساسيّة – إن صحّ الإستدلال – يغتني بها ويكتمل :
القاعدة الأولى: تحديد هويّة الشخصيّات المستهدفة في الرّويّ ، المكانية والزمانية والأسريّة والبيئيّة والإجتماعية والدلاليّة.
القاعدة الثانية: تحديد جوهر اللغة المختارة في آليّات السرد، وفقا لمضمون الرّواية، شعر، سياسة، حب، تاريخ،حرب، إلخ.
القاعدة الثالثة: توفير خلفية إستكشافية أرشيفية تاريخية، تحيط بواقعية الاحداث الروائية، من جهة، وترتبط بأخيلتها المبتكرة من ذهنيّة الرّوائيّ، من جهة ثانية.
القاعدة الرابعة: الإمساك بسياق الرواية من مدخلها السيميائي الخاص، من علامات ورموز ثقافيّة ضرورية لنجاح العمل، إلى مشهديّاتها وحواراتها التي ينبغي أن تكون مسبوكة من ناحية القصّ في مجراه الحدثيّ أوالماضويّ، وصولا إلى الولوج نحو تصدير الهدف الاكبر المراد من الرواية.

{الكاتب ولّفَ صيغة سردية مستعارة على لسان الراحل طانيوس شاهين وما أصعبه من توليف}

لا شكّ في أنّ هناك قواعدَ بعدُ، غيرَ هذه الأربع، يستخدمها الروائيّون العرب البارعون في كتابة رواياتهم.
من هنا تأتي رواية الكاتب والباحث حسان الزين” طانيوس شاهين ماذا فعلتُ لأستحق هذا” لتقدّم للمتلقي عملا روائيّا مهمّا يستند إلى تلك القواعد التي ذكرتها، ويزيد عنها، أنّه ولّفَ صيغة سردية مستعارة على لسان ” ثورجي” الفلاحين الراحل طانيوس شاهين. وما أصعبه من توليف، بأن يستعير الرّاوي لهجة الفلاّح المكاري الذي تجري الثورة في عروقه والكلمات اللبنانية العاميّة الشمالية في سليقته.
لقد فرضت هذه الإستعارة على الكاتب الزّين مشقّة في إنجاز هذا العمل الروائي، وتنقسم هذه المشقّة إلى قسمين:
القسم الاول: التدقيق في اللهجة المحكية لأهالي قرية ريفون في كسروان، التي هي ضيعة طانيوس، سيّما وأنّ هذا الاخير كان فلّاحًا أُمّيّا غير متعلّم. وهذا التّدقيق ألزم الكاتبَ بأن يكتب هوامش قاموسية، يشرح فيها للقارىء العربي معنى كلّ مفردة محكيّة، ترِد على لسان البطل في صفحات العمل.
القسم الثاني: الولوج إلى مَهمّة لُبُوس الكاتب شخصيّة المكتوب عنه، وهو شخص عاش في مرحلة دقيقة من تاريخ لبنان في زمن الإقطاعيين، وكان له ما له من دور فطري كبير في قيادة ثورة الفلاحين، إنطلاقا من قريته ريفون، وكان غير مرتكز على العقل السياسي ولم يكن عنده وعيٌ بعيد النظر للاتفاقات والصفقات المعقودة في عالم السياسة. ونرى في هذه المَهمّة بالذّات وجود ما يسمى إشكاليّة التناقض التي تكمن بنظرنا في اختلاف شخصيّة الرّاوي، الباحث المثقف العصري، عن شخصية المرويّ عنه الثائر بالسجيّة والفطرة “الطاحش” على تثوير الفلاحين وقيادتهم من أجل الحريّة.
ولكن، بالإمكان القول إنّ قلم الزين وإعداده المتقن لأدواته وقواعده في كتابة هذا العمل، إستطاع أن يتخطى هذه الإشكالية، ليصل إلى تسطير محاكاة لغوية ونفسية وروحية وحركية وفكرية، بالغة في دقتها، شفّافة في صدقها، ماتعة في تخييلها لشخصية طانيوس وطباعه، وشخصيات مَنْ حوله، ضمن سيرة كفاحه.

{تغتني الرواية بلغة البيئة اللبنانية، حتى في عزّ استخدام لغة السرد بالفصحى}

ولأنّ البناء الروائي يشدّ المتلقي أكثر، إذا ما بدأ الكاتب من نهاية البداية، ليصل إلى بداية النهاية، فقد خصّص الزين أولى صفحات الدخول إلى معترك الرواية، بالكلام عن مرحلة طانيوس الأخيرة تحت هذا العنوان الداخلي في أعلى الصفحة “الأيام الأخيرة 23 آذار-11 نيسان 1861/ما في شي بدوم”. نقرأ على لسان طانيوس الذي ألبسه الكاتب لبوسا حكائيا مجازيا، حيث كان الكلام باللهجة اللبنانيّة تارة، وبسرد الأحداث بالفصحى تارّة أخرى.:” أوف أوف هاي آخرتك يا طانيوس إبن شاهين؟ قبعت مشايخ بيت الخازن لترّيح الاهالي وكسروان من شرّن، ليجيك شقفة بيك يهجم عليك بضيعتك ويطّفشك بالبراري إنت وكم رجّال معك؟ عتّمت الدِّني وخوتت الوساوس. خفت أن نبقى طايحين مختبئين من القايمقام يوسف بك كرم”.(ص17).
تتميز الرّواية بغنى المشاهد التاريخية والأسماء الحقيقية والمواقف الثورية، بالإضافة إلى المعاناة التي شهدتها ساحات ضيعة طانيوس ، وما جاورها من الاودية والجبال، وتغتني بلغة البيئة اللبنانية حتى في عزّ استخدام لغة السّرد بالفصحى.
ويتميّز الروائي حسان الزين بأدواته التاريخية التي ينتهج بها المنهج البحثي في عمله المهمّ هذا، ويفنّد بها صحّة توثيق المصادر والمعلومات من غلطِها، وذلك في الملحق المنشور في آخر الكتاب .
الجدير ذكره ههنا، أنّ الدكتور خالد زيادة خصّص الرّواية بمقدّمة مهمّة، أيّدت المكانة الإبداعية لهذا العمل المُبهر.
تقع الرواية في 240 صفحة من القطع الكبير
الناشر: رياض الريس للكتب والنشر
الطبعة الاولى: سنة 2025

زر الذهاب إلى الأعلى