سليدركتب

جوناثان هايدت/الجيل المضطرب وتأثير شبكات التواصل على أعصابه وتصرفاته وكيف تتم المعالجة

 يتمحور كتاب جوناثان هايدت” الجيل المضطرب”، حول العوامل التي أدّت إلى تحوّل الأطفال المولودين بعد العام 1995 إلى جيل مضطرب،وذلك باستمرار التحوّل من الطفولة القائمة على اللعب إلى الطفولة القائمة على الهاتف،مع الإشارة إلى أواخر الثّمانينات من القرن المنصرم، بوصفها البداية التمهيديّة لمسار الانتقال والتحوّل المذكوريْن.

ميزة الكتاب وأهميّته العلميّة تكمنان في المقاربة المسؤولة لهذه القضيّة الاجتماعيّة العامّة التي تشمل دول العالم ومجتمعاته،سيّما وأنّ هايدت هو عالم النّفس الاجتماعيّ الخبير بالحقائق المتعلّقة بتفشّي الأمراض النفسيّة بين المراهقين، لذلك فإنّه يطرح في دراسته هذه تحقيقًا حول طبيعة الطفولة، والأسباب الكامنة وراء حاجة الأطفال إلى اللعب والاستكشاف المستقلّ. متوقِّفًا عند المرحلة التي بدأت تتراجع فيها الطفولة القائمة على اللّعب ، بحلول العقد الثّامن من القرن العشرين، حيث تمَّ القضاء على الطفولة القائمة على اللّعب في نهاية المطاف، بوصول الطفولة القائمة على الهاتف في العقد الثّاني من القرن الحادي والعشرين.
يبدأ الكاتب دراسته من مقاربة الموجة العارمة، تحت عنوان “موجة المعاناة”، فيقول:” عندما أتحدث مع آباء المراهقين وأمّهاتهم، غالبًا ما تتحوّل المحادثة نحو الهواتف الذكيّة ووسائل التّواصل الاجتماعيّ وألعاب الفيديو. ويمكن تصنيف القصص التي يرويها لي الوالدون ضمن عدد قليل من الأنماط الشّائعة؛ إحداها قصّة ” الصِّراع المستمرّ”: إذ يحاول الوالدون وضع قواعد وفرض الحدود، ولكن ثمّة الكثير من الأجهزة، والكثير من الجدال بشأن ضرورة التّخفيف من القواعد والكثير من الطرائق للالتفاف على القواعد، لدرجة أنّ الخلافات بشأن
التكنولوجيا أصبحت مهيمنة على الحياة الاُسريّة. وقد يبدو الحفاظ على الطقوس العائليّة والرّوابط الإنسانيّة الأساس، أشبه بمقاومة المدّ المتصاعد باستمرار، ذلك المدّ الذي يبتلع الوالدين كما يبتلع الأطفال”.
في العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين، لم يكن ثمّة ما يشير إلى وجود أزمة أمراض نفسيّة وشيكة بين المراهقين. وإذ بالأمور تتغيّر فجأة”.

{يحدد الكاتب مسارات تفاقُم ظاهرة الطفولة القائمة على الهاتف ويرصد أضرار هذه الظاهرة عند الفتيات والفتيان}

من هنا يقارب الكاتب الخلفيّة التاريخيّة لتراجُع الطفولة القائمة على اللعب، بطرحه مثالًا يحاكي فيه سيناريو روائيًّا يقول فيه:” تخيّل أنّك استغرقت في نوم عميق في 28 حزيران/يونيو 2007-أي في اليوم الذي سبق إطلاق جهاز الآيفون- ثم استيقظت، مثل ” ريب فان وينكل” بطل الرواية في قصة العام 1819 م لواشنطن إيرفينغ، بعد عشر سنوات، ونظرت حولك؛ يبدو العالم الملموس عمومًا هو نفسه بالنِّسبة إليك، لكنّ النّاس يتصرّفون بغرابة. كلّهم تقريبًا يمسكون بجهاز مستطيل صغير زجاجيّ ومعدنيّ، وفي أيّ لحظة يتوقّفون فيها عن التّنقل، يتّخذون وضعيّة منحنية ويحدّقون فيه، وهم يفعلون ذلك في اللحظة التي يجلسون فيها في القطار، أو يدخلون المصعد، أو يقفون في الطابور. ثمّة هدوء مخيف في الأماكن العامّة، حتى الأطفال صامتون، ومتسمّرون أمام أجهزتهم المستطيلة. وعندما تسمع النّاس يتكلّمون، يبدو وكأنّهم يتحدّثون مع أنفسهم في حين إنّهم يضعون سدّادات أُذُن بيضاء”.
كذلك يقارب الكاتب في دراسته المهمة هذه، مسارات تفاقُم ظاهرة الطفولة القائمة على الهاتف، ويرصد أضرار هذه الظاهرة عند الفتيات والفتيان، مستعرضًا عوامل الارتقاء من جهة، والانحطاط الروحيّ من جهة ثانية، مُركِزًا على ضرورة التحضير للعمل الجماعي من أجل طفولة سليمة، محددا ما بوسع الحكومات وشركات التكنولوجيا فعله الآن، وما بوسع المدارس فعله أيضا، وما بوسع الوالدين القيام به في الوقت عينه.
إلى ذلك، يذكرنا هايدت أن أميركا وكثير من الدول الغربية، اتخذت في العقود الأخيرة، خياريْن متناقضيْن حول سلامة الأطفال، وكلاهما كان خاطئا. فقد قرّرنا أنّ العالم الحقيقي مليء بالمخاطر بحيث ينبغي منع الاطفال من استكشافه من دون إشراف الكبار”.

{هذا الكتاب سيدفعك إلى إعادة النّظر في كيفيّة تعزيز الامكانات الكامنة لديهم وإعدادهم لمواجهة العالم}

الكتاب كما ورد في آراء إعلاميين ورؤساء تحرير ونقاد أميركيين:” مثير للإهتمام، يتناول أسباب عدم رضا الكثير من الناشئة عن أنفسهم، وكيفية تصحيح المسار”. ويطرح تحديا سيؤدّي دورًا حاسمًا في تشكيل بقيّة القرن. إذ يقدّم جوناثان هايدت نصائح عمليّة-جرى اختيارها بحثيًّا- للآباء والمجتمعات ودُور العبادة والحكومات من شأنها تغيير المسار”.
إن هايدت يقدّم الحجج الدّامغة على أنّ التّحوُّل من الطفولة القائمة على اللعب إلى الطفولة القائمة على الهاتف، يسبِّب دمارًا للصحّة النفسيّة والنّموّ الاجتماعيّ، لذا حتى إنْ لم تكن مستعدًّا لحظر الهواتف الذكيّة إلى أن يبلغ أطفالك المرحلة الثانويّة، فإنّ هذا الكتاب سيدفعك إلى إعادة النّظر في كيفيّة تعزيز الامكانات الكامنة لديهم وإعدادهم لمواجهة العالم”.

صادر عن: شركة الدار العربية للعلوم ناشرون
ترجمة: د. عائشة يكن
الطبعة الأولى: 2025
عدد الصفحات: 440 من القطع الكبير

زر الذهاب إلى الأعلى