كتب

غادة علي كلش/”شرفات” يوسف الحسن (للتأمل والتفكّر والتدبّر)

قَلَّ نظيرُ الرّحلات التأمليّة العميقة في النِّتاج الفكريّ والسياسيّ والنّقديّ العربيّ،في عصرنا الرّاهن، وتحديدًا في عصر الانفلاش التكنولوجيّ المنفلت من الضّوابط والقواعد التقليديّة، وقلّ أيضًا في راهنيّة “الذّكاء الاصطناعيّ” المفتوح على احتمالات مجهولة لا يمكن قراءة مآلاتها المستقبليّة، ولا يمكن أيضًا استخلاص أيّ نتائج ارتكازية لها في الوقت الحاضر.

يعود سبب ندرة هذه المؤلّفات العربيّة، إلى اجتياح الكتب الروائيّة والشعريّة لسوق العرض والطّلب، وانكفاء الاقبال العامّ على الكتب الفكريّة والنّقديّة المهمّة، في البلاد العربيّة. علمًا أنّ النِّتاج الفكريّ النقديّ والرؤيويّ، في هذه الأيّام العربيّة الصّعبة، يساعد على الخروج بنهضة جديدة للوعي العربيّ، ما أشدّ افتقارنا إليها.
من هنا يأتي الباحث والمفكّر السياسيّ الدّكتورالإماراتي يوسف الحسن وهو من الرّعيل الأّول للديبلوماسيّين الإماراتيّين وشغلَ عدّة مناصب دبلوماسيّة، في كتابه ” شرفات للتّأمّل والتفكّر والتدبّر” ليكشطَ عن واقع الوطن العربيّ اليوم، طبقات الغفلة والخطر والتجزُّؤ. هي شرفات ذات مواقع شاملة واستراتيجيّة، يطلّ الحسن منها شرفةً عقب شرفة، ليشخِّص “المشهد العربيّ الرّاهن، فكرًا وسياسات ومؤسّسات، وما وصل إليه من مآزق وأزمات”. وليفتح بالمقابل الأبواب على الاشكاليّات الفكريّة التي ينضح بها الوطن العربيّ، منها ” افتقاد إيقاع التطوّر المناسب، من آليّات تحليل ومناهج للتغيير الاجتماعيّ، والتقدّم المعرفيّ معًا (…)وغياب الرّبط التّحليلي بين الفكر والواقع”.
إنطلاقا من هذه الاشكاليّات، يطرح الحسن أسئلة نقديّة رؤيويّة عن دور المفكّر والمثقّف العربيّ، كونهما لا يزالان يملكان في نظره السّلطة في تجديد الفكر العربيّ بشكل (عضويّ) والتعامل مع إشكاليّاته،باعتبارهما مُنْتِجيّْ وعيًا للنّاس”. ومن هذه الأسئلة:” هل المفكّر أو المثقّف في وضع مناسب أو ملائم لأداء هذه المهمّة، مهمّة إعادة بناء الفكر العربيّ وتجديده”؟
لا يقف الكاتب عند هذا السؤال كطرح عامّ، بل يفنّد الإجابة عليه من خلال الاعتراف بأنّ “الدور الفاعل والمأمول به، قد تراجع لعوامل موضوعيّة وأخرى ذاتيّة، من بينها:الضّعف في الحريّات العامّة. وفي مراكز التّفكير، وفي المجتمع المدنيّ، ووجود طلاق بين التّنمية والثّقافة، وغياب الأولويّات، وضعف المأسسة في حياتنا العربيّة، وغياب المشروع الثقافيّ النّهضويّ، وتعثّر قضايا الدمقرطة والمشاركة والمواطنة المتكافئة وضعف الثّقافة النقديّة”.

{هل مات المثقّف وانتهى دوره كمنتج للأفكار ومنبّه للوعي الحيّ والفاعل}

والسّؤال الأكثر عمقا وايلاما، يطرحه الحسن، عبر شرفة الاشكاليّات، برؤية واقعية منسحبة على الماضي القريب،ألَا وهو:” هل انتهى دور المثقّف؟” يؤكّد الحسن أنّه” للمرّة الثّانية أو العاشرة، وربّما منذ خمسة عقود، يُبعَث السّؤال من جديد “هل مات المثقّف”، وانتهى دوره، كمنتج للأفكار، ومنبّه للوعي الحيّ والفاعل، وشحنه بالزخم الإيجابيّ والجوهريّ وبالأمل، أم أنّ انطواءه، أو حتى “موته” هو مجرد حالة مؤقّتة؟
يرى الكاتب في هذا المضمار أنّ دور المثقّفين العرب والخليجيّين تحديدًا، أصبح مُصادَرًا أو انتهى ربّما لأنّ “الثّقافة كهمٍّ انسانيّ لم تتمدّد خارج الأوراق والبحوث والمقالات وقاعات المؤتمرات والمؤسّسات الاكاديميّة”، أو ربّما بسبب ما قيل عن “نهايات” متعدّدة للمثقّف وللتّاريخ وللأيديولوجيّات…وحضور”مثقّفون جدد” من نتاج وتأثيرات ثورات تقنيّات التّواصل الاجتماعيّ والمعلومات، وفي ظل نمو أفقي للثقافة، سريع وسهل التّداول”وينتقد الكاتب ما عمله مفكّرون عرب، ونخب ثقافية، وُصِفوا وقتها بالإصلاحيّين، من استدعائهم نماذج نهضويّة (مُسبقة الصّنع) في الغرب، بدون قراءة متعمّقة للذات”.
وفي شرفة المراجعات الفكريّة، يستحضر الحسن تجربة الشّعب المصريّ فيما يسمّى “الرّبيع العربيّ” ويقرأ أحوال مصر التي شهدت وتشهد اليوم ورشة عمل كبرى،مُعتبرا أنّ المصرييّن لم يخطئوا في اختيار العلاج، بعد أن خافوا على هُويّتهم الجامعة، وسِلْمِهم الدّاخليّ، فاستجاروا
بالجيش لتضميد الجروح. لذلك فإنّ مصر تحتاج إلى فسحة حوار عميق ومستدام، وإدارة رشيدة واحترافية وأمينة للموارد البشرية”.

{بناء الوعي مهمّة وطنيّة تشاركيّة ومسؤوليّة مجتمعيّة تحتاج إلى جهود هائلة ومتواصلة}

أمّا في الشّرفة المخصّصة للمساءلة والحوار، فينطلق الحسن من مفهوم الوعي تحت عنوان “الوعي الوهميّ”،مُعتبرًا أنّ الوعيَ هو من أهمّ صفات الانسان البيولوجيّة والادراكيّة، رغم أنّ تعريفه ما زال مسألة معقّدة فلسفيًّا وعلميًّا”. لذا، فإنّ بناء الوعي في نظر الكاتب هو “مهمّة وطنيّة تشاركيّة، ومسؤوليّة مجتمعيّة تحتاج إلى جهود هائلة ومتواصلة”. وقد حذّر في هذا النِّطاق، من صناعة الوعي الوهميّ، هذا الوعي الذي يتسبّب “بإحداث فوضى وتشويش، وعبث بالأمن الفكريّ والنفسيّ والاجتماعيّ للفرد والمجتمع”.
وفي شرفة متّصلة، يقف الكاتب أمام هذا العنوان: مساءلة ثقافة “مقاوِمة”، محيلًا إرتباط مفهوم المقاومة في الذِّهنيّة العربيّة أساسًا، بمواجهة الاحتلال الأجنبي،ذاهبًا إلى اعتبار ثقافة المقاومة ثقافة بديلة ومضادّة لثقافة الاستعباد وانتهاك حقوق الانسان، ذاكرًا أمثلة متعدّدة عن دروس وتجارب للمقاومة في التّاريخ، شهدتها الدّول العربيّة في مراحل زمنيّة مختلفة، من خلال محاربة كلّ الغزوات والغزاة.
وتأتي الشّرفات الرئيسيّة الأخرى،حاملة إشرافًا واسعًا وعميق الدّلالات، حيث يستشرف الكاتب عبرها : ” كرنفالات الموت”، و” التّفكّر والتّدبّر”، و” التّأمّل والتّذكّر” “والضّمائر الحيّة”. هذه العناوين، تشكّل بدورها مادّة فكريّة نقديّة مهمّة عن بعض الكتابات الادبيّة والشّعرية وشواهدها البارزة في التّاريخ والوجدان العربيّ، وعن التّجارب المصيريّة المصحوبة بأمثلة ووقائع سياسيّة وعسكريّة وأمنيّة، بالإضافة إلى الخطط والمؤامرات والحروب التي تخصّ المشهد العربيّ وتعقيداته من جهة، وترتبط بالمشهد الدوليّ وتحوّلاته الكبرى، من جهة أخرى.

{دولة استعماريّة استيطانيّة إحلاليّة تقوم على اجتثاث الآخر وتعيش عقليّة الحرب الدّائمة}

لقد فحص الكاتب يوسف الحسن في تأمّلاته وأفكاره “التطوّرات العاصفة التي قلبت أوضاع الإقليم العربيّ، ودفعت به إلى نفق معتم ومصابيح قليلة، في ظلّ نظام دوليّ اهتزّت قواعدُه وقيمُه، وانكشفت فيه دولة استعماريّة استيطانيّة إحلاليّة، تقوم على اجتثاث الآخر، ولا تلتزم بالقوانين والمواثيق الدوليّة، وتعيش عقليّة الحرب الدّائمة، وشبق التّوسّع، وتغيير الخرائط، والتّطهير العرقيّ المتلفَز، وبلا مساءلة”.

النّاشر: مركز دراسات الوحدة العربية
الطبعة الأولى: أيلول/سبتمبر 2025
عدد الصفحات:192 صفحة من القطع الوسط

زر الذهاب إلى الأعلى