جورج دورليان/ الرّواية العربيّة بين النّظرة الخاصّة والواقع العامّ

هل هناك فعلاً تضخّمٌ في الإنتاج الروائي اللبناني والعربي؟
أعتقد أنّ حجم المنتج الروائي، وإنْ تجاوز اليوم حجم المنتج الشعري، ليس من الضخامة التي تجعلنا نصفه بالهروب من الواقع بغية تحويله. فتقدُّم المنتج الروائيّ على المنتج الشعريّ ليس ظاهرة لبنانية أو عربية، بل ظاهرة عالمية. مجرّد نظرة سريعة على الإنتاج الروائي في العالم تؤكّد لنا أنّ الرواية تتقدّم بأشواط على الإنتاج الشعري. لهذا الفارق أسباب ومسوّغات مختلفة قد نتطرّق لبعضها يومًا.
وبما أنني لم أقتنع، بعد التفكير مليًا، بفكرة تضخّم الإنتاج الروائي، قرّرتُ أن أوجّه مداخلتي نحو واقع الرواية اليوم بإثارة بعض النقاط الرئيسة فيه.
• تاريخ الرواية
لنعد إلى البدايات، عندما كانت القصص تُروى شفاهةً وكانت لها وظيفة اجتماعية ومعنوية ودينية، وكانت الرواية مهنةً يتوارثها الرُّواة أبًا عن جدّ. قد يحدث أن يضيف ناقل القصص أو يعدّل مقاطع أو فصولاً أو جملاً أو تعابير، وهو يروي ما اختزنته ذاكرته. وغالبًا ما كانت الصفحات، في هذه القصص أو السير، تكثر من دون أن تبلغ الحبكة نهايتها.
على أنّ في أساس النوع السردي، تراث أدبيّ ضخم هو الإرث الملحمي الإغريقي. فمن ملاحم هوميروس في القرن الثامن قبل الميلاد إلى روايات بالزاك في القرن التاسع عشر، ومن السير الشعبية العربية في العصر المملوكي (1250 – 1517) إلى روايات نجيب محفوظ في منتصف القرن العشرين، مرورًا بأشكال وسيطة متعدّدة البنى والملامح والمضامين والوظائف، انتقلت القصص من الشفاهة إلى الكتابة، من البداوة إلى الحضر، من الحركة إلى الثبات، من الحيوية إلى الجمود، من الكلام الحرّ الطليق إلى الأدب المقيّد بقوانين وأنظمة. ولا نبالغ إن قلنا من الحياة إلى الموت، إذ يشكّل انتقال القصص الخيالية إلى التدوين الكتابي إيذانًا بموتها كقصص وولادتها كأدب.
• النوع السردي
في العالم العربي، عرف هذا النوع السردي تطوّرًا لافتًا في الماضي. من أعمال ابن المقفّع (كلية ودمنة) ومقامات الآصفهاني والحريري، ثم السير الشعبية العديدة…. إلاّ أن هذه الأعمال لم تعرف الانتشار المطلوب كما حصل مع الأعمال السردية في أوروبا والغرب عامة (بعد اكتشاف الطباعة). هنا لعبت اللغة دورًا مفصليًا في تطوير هذا النوع الأدبي وانتشاره. أما العرب، فلم يعر – إلى اليوم – اهتمامًا بلغة الأدب الشعبي.
{هذه الظاهرة أكسبت الرواية مكانة جعلت منها نوعًا منافسًا للشعر}
أما في أوروبا، فخطت الرواية خطواتها الأولى منذ القرن الثامن عشر في فرنسا وبريطانيا، ثم انتقلت إلى بلدان أخرى. هذه الظاهرة أكسبت الرواية مكانة جعلت منها نوعًا منافسًا للشعر، إلى أن أصبحت النوع الأدبي الأكثر رواجًا في القرن العشرين والواحد والعشرين. وعلى الرغم من التشابه، في بعض المراحل التاريخية، بين مساري التجربتين، العربية والأوروبية، غير أن التواصل والاستمرارية في تطور الأنواع الأدبية تختلف (المدارس الأدبية، علوم اللغة إلخ).
• من رواية القصص إلى كتابة الرواية
لم يعد التقسيم التقليدي للأنواع الأدبية (شعر، سرد، مسرح) ينفع لفهم الحالة الأدبية. صارت “الكتابة” بمندرجاتها هي النوع الجامع. فهناك نصوص نثرية تقترب من الشعر، والعكس صحيح.
{احتل الروائيون موقعًا رائدًا في تحويل الكتابة الروائية من “رواية القصص” إلى “كتابة الرواية”}
في المنحى الجديد الذي اتّخذته الرواية العربية الحديثة في الربع الأخير من القرن الماضي، احتل الروائيون موقعًا مركزيًا، بل رائدًا، في تحويل الكتابة الروائية من “رواية القصص” إلى “كتابة الرواية”. توجز هذه العبارة حِقَبًا من الخطاب السردي، عرف خلالها هذا الصنف من الكلام ولادة بطيئة وأحيانًا متعثّرة لنوع أدبي هو اليوم أكثر الأنواع خصبًا وانتشارًا. دون الشعر في سلّم الأنواع الأدبية قديمًا، تمكّن هذا النوع في القرنين الأخيرين، ليس بلوغ المكانة الأولى فحسب، بل أدّى صعوده إلى تغيير في مفهوم الأدب عامة بحيث انتقلنا من أنواع الكتابة إلى الكتابة كنوع.
كانت “رواية القصص” نثرًا أو سجعًا أو حتى شعرًا تدور في حلقة الصيغ الشفوية التي تنقل الأخبار، الحقيقية منها والخيالية، وهي تركّز على أولوية القصّة كمعطى مرجعي بشخصياتها وأحداثها وحبكتها.
قبل السبعينات، كان الشعر بإشكالياته يهيمن على الساحة الأدبية: حداثة / تقليد، شعر حر/ شعر عامودي، شعر موزون/ نثر شعري إلخ… ] على كلٍّ سوف تناقش هذه الموضوعات في ندوة مقبلة حول الشعر بعنوان “هل انتهى الشعر”[. ولما كان معظم الأدبيات النقدية تدور حول الشعر، لغةً وموضوعاتٍ، عرف الشعر تضخّمًا لافتًا يشبه تضخم حجم الرواية اليوم. هل كان هذا التضخّم أيضًا هروبًا من الواقع ومسعىً لتحويله؟
{فيما كانت القصص تُروى صارت الرّواية تُكتب وأصبحت بالتّالي كتابة الرّواية صنعة}
عشنا لمدة طويلة تحت أجواء الشعر الحديث وصراعاته: بدر شاكر السياب، نازك الملائكة، عبد الوهاب البياتي، سعيد عقل، يوسف الخال، أنسي الحاج إلخ…. وهنا لا بد لي من أن أذكّر بالخلاف الطريف الذي ساد بين نازك الملائكة وبدر شاكر السياب: من كتب أول قصيدة حرّة …. والمشكلة نفسها تتكرّر اليوم حول من كتب أول رواية عربية: “زينب” (1913) لمحمد حسين هيكل، أو “وي، إذن لست بإفرنجي” (1859) لخليل الخوري، أو “غابة الحق” (1865 – لويس شيخو وفيليب طرزي) لفرنسيس فتح الله مرّاش. جابر عصفور اعتبر “غابة الحق” أول رواية عربية، فيما عبدالله ابراهيم وشربل داغر يعدّان عمل خليل الخوري أول رواية عربية.
هذا السباق للأوّلية تشبه تسابق تلاميذ المدرسة لاحتلال المرتبة الأولى في الصف. هذا التسابق لم نلاحظه عند شهوب وبلدان أخرى.
• كتابة الرّواية، صنعة جديدة
فيما كانت القصص تُروى صارت الرّواية تُكتب. وأصبحت بالتّالي كتابة الرّواية صنعة. اليوم لا أحد يكتب قصصًا بل يكتب رواية، أي ينجز عملاً يلتزم فيه ببنية مجرّدة تنتظم بداخلها عناصرُ قصّة أو سيرة أو حدث أو واقعة أو مشهد إلخ. بهذا المعنى، أخذت الأدوات الشكلية من لغويّة وبنى سّردية تحتل المكانة الأولى، فيما تراجعت القصّة كخلفية مرجعيّة، وبهذا المعنى حدث انقطاع بين الرّواية الحديثة، المنعتقة من كلّ مضمون قصصيّ، والرّواية التقليديّة حيث لا تزال القصّة تحتلّ موقعًا مركزيًّا.
في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين حدث تحوّل أساسيّ في الأدب السّردي، كان من نتائجه أن انعتقت الرّواية العربيّة عامّة، واللبنانيّة خاصّة، من المضمون المرجعيّ القصصيّ، وأخذ الاهتمام يتّجه نحو البنى الشكليّة والأداة اللغويّة بوصفها عناصر قادرة أكثر من الأحداث والحبكة على التعبير عن أفكار ومشاعر وصور. بينما أعطت الكتابة الروائيّة في النصف الأول من هذا القرن أسماء كبيرة مثل: نجيب محفوظ وحنّا مينة وعبد الرحمن منيف، وفي لبنان توفيق يوسف عوّاد ويوسف حبشي الأشقر وفؤاد كنعان، أخذت الرّواية الجديدة، تحت تأثير انفتاحها على التجارب العالميّة التجديدية والتحديثية، تخطّ طريقها من منطلقات تختلف أرضيّتها وغاياتها من تلك التي أثمرت أعمالاً ذات طابع تقليديّ.
فالتحوّل الذي طرأ على الكتابة الروائيّة في العقود الأخيرة من القرن الماضي، يكمن في تجديد البنى السرديّة واللّغة الروائيّة على أساس النقطتين الآتيتين:
– تحرّر من ضوابط العقدة والحبكة الدرامية.
– بروز الـ “أنا” أو ما يسمّى اليوم “كتابة الذات”.
في الحالين، تفلّتٌ من قوانين خارجيّة وموضوعيّة، وولوجٌ في مساحة سرديّة ذاتية لاحدود موضوعيّة وخارجية لها. ففي هكذا فضاء، تتحلّل الحبكة الدراميّة، لتبرز”الكتابة” بوصفها عنصرًا وحيدًا يتولّى بحدّ ذاته رسم حدود الفعل الروائي وفواصله ومساره.
{لم يعد السرد يتطوّر حسب منطق سببي وزمني خارجي بل صار يتم بوتيرة نزاع الذات مع الذاكرة}
• موضوعات الرواية
– رواية الذاكرة المهشّمة
عندما يختار روائي الجيل الجديد ضمير المتكلّم ليروي قصة، فهو في الحقيقة يبحث عن شكل (ضمير) لغوي يحكي بحزم وبدقة عن مجموعة أفكار راودته لدى تكوّن القصّة في مرحلة ما قبل انتقالها إلى الكتابة. فاختياره لضمير المتكلّم بقدر ما جاء ليخدم ظاهريًا مضمونًا سرديًا تكوّنت ملامحه سلفًا في ذاكرة الكاتب وخياله، جاء أيضًا ليقلب اللعبة الروائية الواقعية بنقله زاوية النظر من الراوي-المراقب الخارجي إلى البطل المراقب لذاته من الداخل. فلم يعد السرد يتطوّر حسب منطق سببي وزمني خارجي، بل صار تقدّمه يتم بوتيرة نزاع الذات مع الذاكرة ومع صورها المتداعية. من هنا صارت معظم روايات الجيل الجديد شبيهة بمذكّرات مهشّمة. لذلك يُلاحظ أن الروائي اللبناني بفضّل الابتعاد عن ضمير الغائب وتبني الضمير “الحاضر” أي رؤى الـ”أنا” السردية إلى درجة تماهيها مع الـ”أنا الأوتوبيوغرافي” (رشيد الضعيف، “عزيزي السيد كاواباتا”، حسن داوود “أيام زائدة”، محمد أبي سمرا “بولين وأطيافها” )
– الحرب في الرواية
الحرب متأصلة في كل الآداب. لولاها لما كان للأدب وجود ولا كيان. خاض الإنسان الحرب باستمرار، وباستمرار تحدّث عنها وأخبرها للآخرين. فكانت الملاحم والمذكّرات واليوميات والوثائق وكتب التاريخ وغيرها في الماضي تدور كلّها حول الحرب. حتى الفنون التشكيلية كان لها نصيبها من الحرب، إذ عُدَّ “رسّامو المعارك” من أكثر الفنانين قيمةً، ذلك لأن “المعركة” نوع نبيل من أنواع الفن التشكيلي، على غرار الملحمة والمأساة في الأدب. فـ”معارك الإسكندر” لشارل لوبرون و”اختطاف السابين” لدافيد، و”مجازر كيو” لدولاكروا، وصولاً إلى “غيرنيكا” لبيكاسو و”الحرب” لغرومير.(Marcel Gromaire – 1925) كلها أعمال تأخذ من الحرب موضوعًا. كما أن النحت وفن العمارة عالجا مواضيع ذات صلة بالحرب مثل: تماثيل المحاربين والجداريات وبعض الصروح. وأخيرًا الموسيقى وأناشيدها الوطنية والعسكرية.
{الرواية في القرن الماضي أعطت للحرب المكانة التي تستحقّها وأفردت لها أفضل صفحاتها.}
أما الرواية – هذا النوع الحديث نسبيًا، “ملحمة القرن العشرين” – فلم تخرج عن هذا المشهد العام وعن هذا التقليد، وأعطت للحرب المكانة التي تستحقّها، وأفردت لها أفضل صفحاتها. فشكّلت المعارك والصراعات والنزاعات والحروب موضوعات العديد من الروايات الشهيرة والقيّمة. نذكر على سبيل المثال لا الحصر: التيبو (Les Thibault) لروجيه مارتان دو غار ) (Roger Martin Du Gard حول الحرب العالمية الأولى، وواترلو لإركمان و شاتريان (Erckmann – Chatrian )، والنار لهنري باربوس (Henri Barbusse) والأمل (L’Espoir) عن الحرب الأهلية الإسبانية والوضع البشري (La condition humaine) عن الثورة الصينية لأندريه مالرو، وثلاث وتسعون Quatre-vingt treize لفيكتور هوغو، الحرب والسلم لتولستوي، ولمن تقرع الأجراس حول الحرب الأهلية الإسبانية 1936-1939 لإرنست همينغواي.
• الحرب والرواية اللبنانية
– الرواية في فضاء الحرب
في العديد من الروايات، غدت الحرب عنصرًا اساسًا، ليس في بناء الحبكة فحسب بل أيضًا في تكوين الشخصيات. تدخل الحرب في هذه الروايات بوسائلها وأدواتها، بوصفها عاملاً مكوّنًا لفضاء الرواية وحالات الشخصيات (رشيد الضعيف: فسحة مستهدفة بين النعاس والنوم – أهل الظل)؛ (الياس خوري: الجبل الصغير، مملكة الغرباء، مجمع الأسرار)؛ (أحمد علي الزين : خربة النوّاح)
– الحرب في أطراف الرواية
عند البعض الآخر من الروائييين، الحرب مقصية خارج إطار المشهد الروائي وزمنه. يُشار إليها بالكلام أو تُسمع انفجاراتها وطلقات نيرانيها من بعيد، أو تُعدُّ مساوؤها أو يتذكّر شخصية من شخصيات الرواية مظهرًا من مظاهرها المؤلمة. (حسن داوود وجبور الدويهي ومحمد أبي سمرا)
{الرواية الجديدة في لبنان، وتمشيًا مع الأدب الجديد هي شهادة عنيفة ضد الحرب.}
خلاصة
إن اختيار حبكة مفكّكة وشخصيات غير بطولية، وردّ الحرب وخطابها التعبوي والعدواني، استراتيجياتٌ يجب ألاّ توضع فقط في خانة موقف جمالي محدّد، إنها وسائل لإنتاج أدب منعتق من كل أثر إيديولوجي، أدب يرفض أن يتابع الحرب بوساطة أسلحة لغوية، وذلك لكي يستحق فعلاً صفة شاهد مرحلة، وناطق صادق بلسان شعب كان له شجاعة الهروب من ساحات الحروب الداخلية، وقوة الإلحاح على بناء واحة من السلام في محيط سيطرت عليه المعارك وغلب عليه الرصاص الطائش.
فالرواية الجديدة في لبنان، وتمشيًا مع الأدب الجديد، هي شهادة عنيفة ضد الحرب.
• عودة إلى القصّة
في العقد الأخير من القرن العشرين، حصل تحوّل هام، إذ استعادت المرأة موقعها في الرواية. فهدى بركات وإيمان حميدان ونجوى بركات وعلوية صبح وغيرهنّ، أعطت كل واحدة منهن نظرتها الخاصة لما يدور حولهنّ. فرأت المرأة أن استعادة حق سرد القصص هو ما يوصلنا إلى الحقيقة. فالقصة هنا تأخذ من الجسد، في صحته وضعفه، منطلقًا لرسم حال المجتمع العربي وحال الفرد الذي يخوض باستمرار معارك خاسرة فينتقل من صدمة إلى أخرى وصولاً إلى تفكّك جسد المرأة وتاليًا جسد الوطن.
وعلى غرار علوية صبح التي تبحث في الآبار عن قصص، تترصّد هدى بركات أبطالها وبطلاتها في لحظات انزوائهم في مساحات خاصة وفي خنادق تحت الأرض لتلتقط صورًا لحالات الانكماش على الذات، والانعزال للبحث عن الذات وأعماقها. في رحلة البحث عن العزلة، ينتهي الإنسان ليكون هو نفسه الشيء الذي يبحث عنه. وما يبحث عنه هو مزيج من الواقع والحلم.
فالعود لسرد القصص هو عود على بدء.
في البدء كانت الحكايات.
ومن الحكاية إلى الحكاية تعود.
*نصّ محاضرة الدكتور جورج دورليان في النّدوة الفكرية “تضخّم الإنتاج الروائي العربي واللبناني،هروبٌ من الواقع أم مسعى لتحويله؟” التي أقيمت في “النادي الثقافي العربي” بتاريخ 5 كانون الاول 2025



