ندوات ومقالات

غسان سلامة / مسؤولية وزارة الثقافة في تجديد دور لبنان الثقافي

 أقام “النادي الثقافي العربي” عصر يوم الجمعة 14 تشرين الثاني ندوة في مقره في شارع الحمراء تحت عنوان : ” تجديد دور لبنان الثقافي ” وهي ندوة افتتاحية لبرنامجه الثقافي لسنة 2025- 2026 والذي انطلق ليمتد حتى شهر حزيران المقبل.
وتحدث في الندوة كل من وزير الثقافة اللبنانية د.غسان سلامة، ومدير “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” في بيروت د. خالد زيادة، وأدارها د. عارف العبد الذي تحدث عن واقع الحركة الثقافية اليوم في بيروت وشروط تجديد دور لبنان الثقافي.
منصّة “النّادي الثقافي العربي” تنشر نصَّ المحاضرتيْن.
******************************

غسان سلامة ومسؤولية وزارة الثقافة:
مساء الخير للجميع، وفرّ عليّ الدكتور عارف العبد أن أقدم لكم تشخيصًا لوضع الانتاج الثقافي، فقد تحدّث عن نشر الكتب وعن الافلام وعن المسارح. وإن طُلِب مني أن أضيف إلى هذه اللائحة المؤسفة والموجعة لقلت لكم أن ميزانية الدعم المسرحي لهذا العام في وزارة الثقافة هي صفر. وميزانية دعم السينما هي أيضا صفر. فإذا كان هذا يضيف إلى الصورة السوداوية التي قدمها عارف، فهو يضيف سوادًا في أرقام الميزانية.
لكن سأنطلق من حيث توقفت. ماذا أحاول أن أقوم به؟ أنا أعتقد أنّ وزير الثقافة عندما يُعيَّن يصبح في اليوم نفسه أكبر ملاّك عقاري، هو يملك بعلبك وجبيل وصور وصيدا وكل الاماكن الأثرية في هذا البلد. وإذا سألتمونني ماذا يأخذ من نهاري في العمل أكثر شيء، أقول هذا الأمر. مثلا هناك قضاء صغير، هو قضاء البقاع الغربي، يوجد فيه 900 موقع أثري، فتصوروا ما هي الحال في لبنان. هناك حوالي 7000 موقع أثري في لبنان. هذا ولم أتحدث بعد عن المباني التراثية. بلد غني وثري جدا. هنا يمارس وزير الثقافة مهمة سياديّة، بمعنى أنّه مسؤول عن هذه الثروة. كيف يكون مسؤولا عنها؟ يكون مسؤولا عنها أوّلا في الحفاظ عليها من التّعديات. عالجتُ اليوم ثلاثة تعديات كبيرة على مواقع أثرية. والتعديات كل يوم تكون من أشخاص أو جمعيات أو مؤسسات، وأحيانا مؤسسات عامة. في مدينة صور كان التعدي من مؤسسة عامّة. إذًا عليك أولا أن تتصل بالدرك وتتصل بالقضاء كي تدافع عن هذه الثروة، وهذا أمر متعب للغاية. لكن عليك أن تقوم به. لماذا؟ لأن وزير الثقافة هو القيّم على ذاكرة الوطن. ماذا يعني القيّم على ذاكرة وطن، يعني أن يدافع ويحمي ويرمم ويسوّق لهذه الثروة الأثرية العظيمة. يحمي بالتعاون مع قوى الأمن وأمام القضاء. يرمّم وهذا ما نقوم به فعليا في عدد من المباني حاليا، ويسوّق، وعلى هذا الأساس مثلا، سنقيم معرضًا بالتفاهم مع متحف اللوفر
في شهرآذار المقبل، وسيكون أكبر معرض عن مدينة جبيل عبر التاريخ في باريس. لماذا كل هذا؟ لأنني قيّم على الذاكرة الوطنية. وكل هذا يعني شيئا آخر، وهو أنه ينبغي لي أن أحتفظ بكل الكتب الموجودة في المكتبة الوطنية وأن أرقْمنَها لأنّ خطر التلف وارد. لذلك عملت وحصلت على هبة مقدارها 750 ألف دولار للحفاظ على هذه الممتلكات. وهذا يعني أيضًا أنْ أكون قيِّمًا على تاريخ السينما اللبنانية التي بدأت في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي.

{كل أفلام الوزارة قد تبعثرت إنني أستعيدها فيلما فيلما}

عندما عدتُ إلى الوزارة اليوم، وجدت أنّ كل أفلام الوزارة قد تبعثرت، كلّها، إنني أستعيدها فيلما فيلما،من حيث أستطيع، وسنبدأ برقمنتها فور إتمام إعادة الحصول عليها. لماذا أفعل هذا؟ لأنني قيّم على الذاكرة الوطنية. وبما أنني قيّم على الذاكرة الوطنية فإنّ الأحداث الوطنية الكبرى، لا يجب أن تمرّ مرورا سريعا على الناس وخصوصا على الأجيال الجديدة، لذلك قمنا باستذكار الحرب الأهلية بمناسبة مرور خمسين سنة على بدئها في نيسان الماضي. ثم قمنا بتجمّع كبير لعائلات الشهداء الذين سقطوا في تفجير مرفأ بيروت، في 4 أب الماضي من هذا العام، وللمرّة الأولى تشارك الدولة في هذا التجمع. ثمّ في يوم الإستقلال دعونا إلى مسابقة للأطفال بين سن السادسة والعاشرة حول معنى الإستقلال بالنسبة للأطفال. وبمناسبة يوم اللغة العربية أجرينا مباراة كبرى للقصائد بين الأطفال. أمّا في السنة المقبلة فسيكون الحدث الأكبر فيها هو مئوية الدستور اللبناني، حيث سنقوم بعرض الوثائق المتعلقة به من العام 1926 وضمن مؤتمر كبير لدراسة محتوى هذا الدستور. كل هذا يعني أنك قيّم على التراث المَبنيّ، وعلى التراث غير المَبنيّ، وعلى استذكار الأحداث الكبرى في الوطن، وعلى الوصول إلى الاجيال الجديدة لكي تشارك في هذه الذاكرة الجماعية.
هذا عمل هائل، أقوم به بلا ميزانية، فقط بالشحاذة ونيل التبرعات من الأفراد والجماعات والجمعيات والمؤسسات وبعض الهيئات الأجنبية،لأنه ليس لديّ قرش واحد في الوزارة.
هذه هي الوظيفة الأولى لوزير الثقافة. وهذا ما يأخذ من وقته الكثير الكثير وبالتأكيد أكثر من أي موضوع آخر. وما قدمته من أمثلة ليست بلائحة مكتملة.

{هناك نوع من نقلة مفهومية دورية حول النظرة إلى الثقافة}

أمّا الوظيفة الثانية لوزير الثقافة، وهنا ألتقي أيضا مع كلمة عارف. فأنا لا أعتقد أن الثقافة، مع احترامي للمثقفين، وقد يقبلوني في صفوفهم، هي نوع من الترف الذي يُنفَق عليه، الثقافة هي في الأساس عنصر فاعل في عملية التعافي الاقتصادي، وأعتقد أن الصناعات الثقافية في لبنان لم تُعطَ الأهمية اللازمة. لذلك نحن نقوم بدراسة تفصيلية لكل الصناعات الثقافية وسأعلن عن نتائجها قبل نهاية هذا العام. موضوع الكتاب على سبيل المثال، نحن ندرس كل تفاصيله، والسينما طبعا والفنون البصرية والاستعراضية،ولكن أيضا كل ما له علاقة بالإبداع. والابداع يندرج أيضا في سياقة الأزياء وسياقة المأكولات، وفي الإبداع الالكتروني لا سيّما من خلال الانتاج الثقافي الالكتروني. ويمكن القول إن النتائج الأولى لهذه الدراسة مثيرة جدا للاهتمام، حتى أزمة عام 2019، كانت نسبة إسهام هذا القطاع، أي قطاع الإبداع في الاقتصاد الوطني الخام يقارب 6 %. وكانت نسبته من التسويق بنسبة 8% من الصادرات اللبنانية. أما بالنسبة لعدد العاملين فيه، فليس لدي بعد الأرقام النهائية، في صناعات الكتاب والفيلم والإبداع الإلكتروني وما شابه ذلك. ولكن يمكن لي أن أؤكد لكم أنّ عدد العاملين في هذا القطاع هو بعشرات الآلاف، قد يصل إلى 70 أو 80 ألف شخص. من دور النشر مرورا بالمطابع وبكل مرافق الصناعة الإبداعية.
إذًا هناك نوع من نقلة مفهومية دورية، حول النظرة إلى الثقافة. هي ليست ترفًا يُنفَق عليها لكي تسلّينا، وهي ليست شابّا جالسا في مقهى يدخّن سيجارته. هي فعلا جزء أساسي من عملية التعافي الاقتصادي. ولذلك ألحّيتُ على زميلي وزير الاقتصاد أن تكون الصناعات الثقافيّة حيّزا محترما لمؤتمر الإستثمار “بيروت وان”. ولذلك طلبت من الإتحاد الأوروبي تمويل دراسة تفصيلية عن القطاعات التي يمكن للبنان أن يضاعف بسرعة الإنتاج فيها لكي يساهم أكثر في عملية التعافي الاقتصادي. ولذلك أيضا أنتظر بفارغ الصبر أن يعفو مجلس النواب عن قانون الشراكة بين الخاص والعام، أي أن يُخلي سبيله، الذي هو ضروري في عملية تطوير هذا القطاع الثقافي المهم.

{دور المثقف تزعزع، لكنه تزعزع بصورة أكبر بسبب سيطرة الآلة على الفكر}

الموضوع الثالث والأخير، الذي أود التحدث عنه هو التحول في دور المثقف. فدور المثقف تحول تدريجيا عن المثقف الخبير الذي لا يكتفي بخبرته بل يتوجه بنتائج خبرته للرأي العام ليكون له فيه تأثير معين، تأثير سياسي، تأثير إيديولوجي، تأثير جماليّ، أيًّا كان هذا التأثير.
هذا الدور هو اليوم مهدد، كما بعض المنتجات الثقافية من قطاعات الكتاب والمسرح إلخ. لماذا هو مهدد؟ هو مهدد أولا بزيادة الدراسة الجامعية ذات الطابع المهني. بمعنى أن التركيز في الجامعات في لبنان اليوم، يُعظِّم الاهتمام بدراسات ذات الطابع المهني التي تُحضّر للوصول إلى مِهن، وهي ضعيفة جدًّا في المجال الذي يخصّ البحث العلمي . وهذا الدور مهدّد من جهة أخرى بطريقة أكبر تأثيرا بكثير، بما يخصّ ثورة الاتصالات، وثورة داخل ثورة الاتصالات المسمّاة بالذكاء الاصطناعي. هذه الثورة فعلا أنزلت أو أسقطت ما كانت تُرسَم لوحتُه في الستّينات عن علّيّين. أنزَلتْهُ إلى أرض الواقع فأصبح مالك الهاتف النقّال ليس فقط مراسلا صحفيا إذا وجد نفسه في الوقت المناسب في المكان المناسب واستعجل إستعمال الكاميرا وصوّر ما يرى، بل أصبح الهاتف النقال نفسه هو مُنتج صاحب الرأي. وأصبح بإمكان الكلّ تجاهُل “النّادي الثقافي العربي” واستعمال الهاتف ليعبّروا عن رأيهم بحرية. لذلك دور المثقف تزعزع، لكنه تزعزع بصورة أكبر بسبب سيطرة الآلة على الفكر. بأي معنى، بمعنى أننا اليوم لدينا مهنة جديدة غير مهنة المثقف وغير مهنة الخبير، هي مهنة المؤثر التي أضحت رائجة جدا حاليا. وهناك في لبنان المئات منهم، وقد يكون البعض منهم بينكم الآن. والمؤثر هو شخص على عكس المثقف، لا يصل إلى فكرة أو رأي ثم يبحث عن القارىء وتوزيعها على أكبر قدر من الناس. بل هو يسعى للتأثير ثمّ يفكر بالفكرة التي يجب أن يستعملها، وبالتالي فإنّ هدف التأثير يطغى على مضمون الرسالة التي يجب أن يرسلها. وهذا تمام عكس ما كان يقوم عليه الوضع عندما كنت في العشرين من عمري. كان آنذاك لديك فكرة ثم توصلها إلى القارىء. اليوم التأثير بحد ذاته أصبح مهمًّا، ومضمون التوصل إلى هذا التأثير أصبح إلى حد ما ثانويًّا.

{دور وزارة الثقافة تعظيم وملء صورة الذاكرة الوطنية أمام الأجيال}

بالنسبة لهذا الموضوع، لديّ رأي جدّيّ وهو أنه لا يمكن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء،فلا بد من إنهاء عملية الحنين لأيام الشباب عند المثقفين. هذا الوضع قد انتهى. اليوم عليك إمّا أن تخوض في ثورة الاتصالات وتستعمل وسائل الاتصال وتحاول قدر الامكان أن تُدخِل قدرا من الرشد ومن الاعتدال ومن التمسك ببعض الثوابت فيما تقوم به على المنصات والوسائل الالكترونية المتوافرة، أو أنك تُهمَّش ولا يسأل عنك أحد ولا عن رأيك. وبالتالي هذه هي الأفكار الثلاثة التي وددتُ أن أشاركها معكم:
أولا: أن دور وزارة الثقافة تعظيم وملء صورة الذاكرة الوطنية أمام الأجيال، الذاكرة المبنية وغير المبنية.
ثانيا: دورها في عملية التعافي الاقتصادي، فقطاع الثقافة نزلت مساهمته في النتاج القومي بين الأعوام2019 و 2025 بنسبة لا تقل عن الثلث، حوالي 35 % ، وسبب ذلك طبعا هو أجرة المبدعين خلال السبع سنوات الماضية، بحيث كنا نصدّر إلى العالم العربي نتاج مبدعينا، وانتقلنا منذ عشر سنوات تقريبا، إلى تصدير مبدعينا. وبالتّالي فإنّ التحدي الجديد لوزير الثقافة هو أن يحاول العودة إلى تصدير إنتاج المبدعين، لا إلى تصدير المبدعين.
ثالثا: كما قلت لكم عن رأيي بزوال المثقف التقليدي بسبب ثورة الاتصالات، لذلك أدعو زملائي إلى أن يذهبوا إلى وسائل التأثير الحالية، وليس إلى وسائل التأثير الماضية.

زر الذهاب إلى الأعلى