ندوات ومقالات

خالد زيادة/ لبنان الثقافة أين كان وأين أصبح

 نَصّ المحاضرة التي ألقاها د. خالد زيادة رئيس “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت”، في “ندوة تجديد دور لبنان الثقافي”.

د. خالد زيادة ونموّ الثقافة بالمنتديات والصّحافة والفنون:
في مطلع الستينيات من القرن العشرين، طرحت إحدى الصحف اللبنانية السؤال التالي: من هي عاصمة الثقافة العربية، بيروت أم القاهرة؟ فقد كانت القاهرة قد استقطبت ومثّلت كل اتجاهات الأدب والفكر والفنون خلال ما يزيد على قرن من الزمن، أمّا مبرّر السؤال هو أنّ لبنان وعاصمته قد شهد خلال عقدين سابقين أي منذ الاستقلال مرورًا بالخمسينيات وصولاً إلى الستينيات من القرن العشرين العديد من النشاطات الثقافية تشي بالنزوع إلى التحرر وتعكس تجديدًا وحداثة في التعبير. كما إنها تنطق برؤى تنطوي على تفاؤل بالمستقبل. ومن بين هذه المظاهر تأسيس المنتديات.
وبعد الاستقلال تأسّست المنتديات الثقافية، أشير بوجه خاص إلى تأسيس “النادي الثقافي العربي” عام 1944، و”الندوة اللبنانية” عام 1946، وقد لا يكون لهذين المنتدين الوقع عند تأسيسهما، الذي عبّر لاحقًا عن اتجاهين عريضين للثقافة والفكر في لبنان فقد كان النادي الثقافي العربي صدىً للاتجاهات العروبية وخصوصًا حركة القوميين العرب، ونشاط دور النشر اللبنانية سمح له أن يقيم أول معرض للكتاب في بلد عربي. كما استقبل على مدى عقود روّاد الثقافة العربية ومفكريها، أمّا الندوة اللبنانية فقد عبّرت عن لبنان وفرادته وديمقراطيته وانفتاحه على العالم. وخلال ما يقرب من ثلاثين سنة استقبلت الندوة اللبنانية حوالي خمسمائة محاضر بينهم قادة رأي ورؤساء دول ومؤرخين كبار، ولم يزد عدد من استقبلته من العالم العربي على عشرة محاضرين.

{ضاقت عواصم القاهرة ودمشق وبغداد وأنظمة الرأي الواحد والرقابة، فكانت بيروت نافذة الشعراء والأدباء}

والظاهرة الثانية التي يمكن اعتبارها من علامات الدور الثقافي اللبناني، هي إصدار مجلات ثقافية وأدبية وفكرية. نشير أولاً إلى مجلة “الأداب” التي صدر عددها الأول عام 1953، وشارك فيه كتّاب من مصر وسوريا العراق، وقد مثّلت هذه المجلة ظاهرة جديدة بانفتاحها على كتّاب من العالم العربي. حتى أصبحت في الخمسينيات والستينيات المجلة الثقافية التي تعكس الإنتاج العربي الحديث في الشعر والقصة والنقد الأدبي. وفي عام 1957، أسس يوسف الخال مجلة “شعر” وهو لبناني من أصل سوري جمع حوله العديد من الشعراء الذين غادروا سوريا بعد التطورات التي شهدتها سوريا منذ عام 1956، وعبرّت شعر عن اتجاه جديد تحت عنوان الحداثة الشعرية وكسر أوزان الشعر العربي. وفي عام 1962، أسس الفلسطيني السوري توفيق صايغ مجلة حوار التي استقبلت الأصوات الحديثة في البلدان العربية. وتعرضت للاتهام بتلقي التمويل من منظمة حرية الصّحافة المموّلة بدورها من وكالة المخابرات المركزية، ممّا أدى إلى إقفالها عام 1967، ويشير كل ذلك أنّ الاتجاهات الأدبية والفكرية، كانت تعكس صراعًا أيديولوجيًا وسياسيًا لا يمكن اخفاؤه.
وعلى هذا النحو استمر إصدار المجلات، أصدر بشير الداعوق مجلة “دراسات عربية” عام 1964، التي استقبلت المقالات الفكرية والسياسية التي تعبّر عن الخط العروبي، بينما أصدر أدونيس عام 1968 مجلة “مواقف” التي هي امتداد وتجديد لمجلة شعر.
وفي سنوات الخمسينيات والستينيات نشطت حركة النشر مع تأسيس “دار الآداب” التي تخصصت في نشر الأعمال الأدبية وترجمة الروايات العالمية. فأدّت دورًا فريدًا في استقبال الأدباء والشعر العربي، وترجمة الأدب العالمي من سارتر وسيمون دبوفوار إلى كولن ولسن وألبرتو مورافيا. أمّا “دار الطليعة” التي تأسست عام 1960، فقد استقبلت أعمال الكتّاب اللبنانيين والعرب الذين أمدّوها بالمقالات الاقتصادية والسياسية والفكرية، قبل أن تشتهر في ترجمة الفكر الاشتراكي وخصوصًا بعد عام 1967.
هذا النشاط في النشر والترجمة وإصدار المجلات، يمكن أن نردّه إلى دور بيروت في استقبال ونشر الأعمال الأدبية، وخصوصًا الشعرية، إلى محافظة بيروت، على مساحة واسعة من الحرية، بعد أن ضاقت عواصم القاهرة ودمشق وبغداد وأنظمة الرأي الواحد والرقابة، فكانت بيروت نافذة الشعراء والأدباء والكتّاب العرب ونشر أعمالهم إلى الحد الذي عبّرت عنه خالدة السعيد بقولها: سيصبح على الشاعر أن يمرّ في بيروت ليُكرّس عربيًا.

{برزت في الستينيات ظاهرة الأدب النسائي مع ليلى بعلبكي واميلي نصرالله وليلى عسيران، والسورية غادة السمّان}

لم يقتصر الأمر على ذلك، كانت بيروت المدينة التي تنشر الأعمال التي لا يمكن لأصحابها أن ينشروها في بلدهم. نشر نجيب محفوظ “أولاد حارتنا” في بيروت بعد أن تعذّر نشرها في القاهرة ونشرت “دار النهار” أعمال عبدالله القصيمي السعودي: “العالم ليس عقلاً”، و”هذا الكون ما ضميره” ونشرت دار الطليعة لأنور عبد الملك مصر مجتمع يبنيه عسكريون إضافة على رواية “العنقاء” للويس عوض.
إضافة إلى كل ذلك، كانت بيروت النافذة التي عرفت العالم العربي بالمفكرين المغاربة أمثال عبدالله العروي ومحمد عابد الجابري وهشام جعيط وغيرهم.
هذا التحديث كان له وجه لبناني يظهر في مجالات متعددة، وأبرزها المسرح الغنائي والمسرح التجريبي والمسرح السّاخر إذا جاز التعبير.
المجال الآخر هو الفنون التشكيلية من رسم ونحت، فقد نشطت حالات العرض التي تعرض أعمال الفنانين الشباب أمثال عارف الريّس وأنيق شرف وحسين ماضي وبول غيراغوسيان وغيرهم كثير إضافة إلى النحاتين، وظاهرة الأخوة بصبوص التي حظيت بتسليط الأضواء عليها رسميًا واعلاميًا.
وبرزت في الستينيات ظاهرة ملفتة وهي الأدب النسائي مع ليلى بعلبكي وإميلي نصرالله وليلى عسيران، والسورية غادة السمّان والفلسطينية سميرة عزّام. وتقديم ليلى بعلبكي الى المحاكمة كان قد أثار سجالات صحافية انتهت بتبرئة الكاتبة.

{لم يعد السؤال الذي تطرحه الثقافة يدور حول الحداثة، بل أصبحت الثورة هي إشكالية الثقافة والأدب والفكر}

لا بدّ من الإشارة إلى الصحافة اللبنانية التي ازدهرت بفعل التمويل العربي، إلا أنها كانت تعبّر عن جانب من جوانب الثقافة بإفراد صفحات للثقافة وتغطية النشاطات اليومية إضافة إلى ملحق النهار الذي كان ظاهرة ثقافية في إفراد صفحات للأصوات الاعتراضية.
بيروت هذه مع كل هذه التعبيرات الثقافية والفكرية والفنية اكتسبت شهرتها، وأصبحت المدينة التي يتطلع اليها الكتّاب والشعراء، والتي دفعت الشاعر الشاب سركون بولص الى الانتقال من العراق سيرًا على الأقدام إلى بيروت لينشر قصائده في مجلة “مواقف”. ومثله سليم بركات الشاب الذي انتقل من القامشلي إلى دمشق ثم بيروت لينشر أول مجموعة شعرية في سن الحادية والعشرين.
لم تبدّل حرب حزيران من دور بيروت الثقافي، بل أضافت اليه أبعادًا جديدة. أصبحت القضية الفلسطينية والصراع العربي- الإسرائيلي موضوعًا يشغل الأوساط الفكرية والأدبية والحزبية، وخصوصًا مع انطلاق العمل الفدائي، في ظل مشهد عالمي تشغله حرب فيتنام ومصرع غيڤارا في بوليڤيا وثورة الطلاب في فرنسا واستقلال اليمن الجنوبي. ولم يعد السؤال الذي تطرحه الثقافة يدور حول الحداثة، بل أصبحت الثورة هي إشكالية الثقافة والأدب والفكر. وأضفت ولادة اليسار الجديد، الظاهرة التي تكاد تكون لبنانية صرفة، جديدًا على النشاط الفكري وخصوصًا لجهة ترجمة الأعمال الفكرية التي تدور حول التجارب الاشتراكية والفكر الماركسي خارج الشيوعية السوڤياتية.
وشهد عقد السبعينيات مزيدًا من دور النشر والمجلات ذات الطابع العربي. أنشأ الفلسطيني عبد الوهاب الكيالي “المؤسسة العربية للدراسات والنشر” وأصدر مجلة “قضايا عربية” عام 1974، وأنشأ العراقي خير الدين حسيب “مركز دراسات الوحدة العربية” (1975) وأصدر مجلة “المستقبل العربي”. وتأسس “معهد الانماء العربي” عام 1977 وأصدر مجلة “الفكر العربي” الذي كان أول رئيس تحرير لها هو مطاع صفدي السوري الذي عاد فأصدر الفكر العربي المعاصر. وصدرت عن معهد الانماء مجلة “الفكر الاستراتيجي العربي” ورئيس تحريرها محمود عزمي المصري.
ولم توقف الحرب نشاط هذه المراكز والمجلات التي تصدر عنها. ولكن الملاحظ أن الوجه اللبناني للثقافة هو الذي تأثر بتواصل المعارك، تقول خالدة سعيد: “في الحرب الأهلية شاهدنا انهيار مؤسسات الثقافة، من مهرجانات بعلبك الدولية ومسرحها، إلى محاضرات الندوة اللبنانية، إلى حلقة المسرح اللبناني، إلى مدرسة أبو دبس إلى دار الفن والأدب، فضلاً عن مجلة شعر، وربما احتراق المسرح الوطني الذي أوقف قلب بطله حسن علاء الدين أعمق رمز لهذا الخراب”.

{لم يعد لبنان جامعة العرب ومستشفاهم ومصرفهم ووجهتهم السياحية}

في قلب هذا الخراب الذي سببته الحرب الأهلية وغير الأهلية، ظهر زياد الرحباني ومسرحه، الذي عبّر من خلاله على هشاشة النموذج اللبناني وثقافته التي لم تستطع ان تخفي تناقضاته وتمنع انفجاره.
توقفت الحرب رسميًا بعد إقرار اتفاق الطائف، الأمر الذي أدّى إلى نوع من التفاؤل بإعادة الاعمار وعودة الحياة الثقافية، وبالرغم من بعض الظواهر التي بشّرت بعودة لبنان إلى دوره الثقافي إلا أن الأمور كانت تتجه باتجاه معاكس، إذ بدأت المجلات التي كانت تصدر في بيروت تقفل الواحدة بعد الأخرى، حتى لم يعد في بيروت مجلة واحدة من تلك التي كانت علامات على البُعد العربي للثقافة في لبنان. وإذ استمر نشاط دور النشر إلا أنها لم تعد وُجهة الكتّاب والأدباء العرب. ولم يعد لبنان جامعة العرب ومستشفاهم ومصرفهم ووجهتهم السياحية، ذلك ان العوامل الرئيسية التي صنعت دور لبنان الثقافي وخصوصًا في الخمسينيات والستينيات قد تلاشت.
كانت بيروت مساحة للحرية والازدهار، وجانب من هذه الحرية يرجع إلى النظام السياسي الطائفي التقليدي، الذي تفادى وقوع لبنان في دوامة الانقلابات العسكرية وحكم الحزب الواحد. وكانت هذه الحرية انعكاس لنظامه الاقتصادي المتفلّت من الرقابة، وخصوصًا بعد الفورة النفطية التي انعكست ازدهارًا في النشر والصحافة. ومثّلت مساحة الحرية حاجة عربية ومتنفسًا. فكل السياسات العربية المتناقضة والمتصارعة كانت ممثلة في صحف بيروت بشكل متكافئ. وقد لعبت الزعامة الناصرية دورًا في حماية هذا النموذج اللبناني وضبطه، يدل على ذلك أن غياب عبد الناصر وسياساته قد أدخل لبنان في فوضى سياسية، لعبت فيها النوازع الطائفية المحلية الدور الرئيسي الأمر الذي مهّد للحرب ثم الوصاية السورية وما بعدها التي
قلّصت مساحة الحرية.
كانت بيروت بحكم وظيفتها كمرفأ وصلة وصل بين أوروبا والداخل العربي الأكثر انفتاحًا على التحديث. من استيراد السلع إلى الانفتاح على الثقافة الغربية والسلوك في الحياة اليومية. كانت حداثة متسرعة استفادت من الازدهار الطارئ الذي انعكس على تطور الخدمات وانتشار التعليم، ذلك وترافق مع تغيير ديموغرافي ونمو طبقة وسطى وانتقال كثيف من الريف الى المدينة. حداثة استهلاكية أفسحت المجال لاستنساخ الموض (موضة) الثقافية في الشعر والفنون التشكيلية والمسرح التجريبي. كل ذلك كان يخفي فقرًا في الفكر. ومن يراجع الاعمال الفكرية بعد النكبة وبعد الهزيمة يكتشف مدى الانشائية والسطحية في تناول القضايا المصيرية الى شبه انعدام في البحث الاجتماعي. طغت السجالات الحزبية العقائدية على التفكير الحرّ والنقدي. وأهدرت طاقات في المبارزات بين الشيوعيين والقوميين وغيرهم من اتباع الأيديولوجيات.

{كانت حداثة متسرعة استفادت من الازدهار الطارئ الذي انعكس على تطور الخدمات وانتشار التعليم}

يبقى القول ان النشاط الثقافي في لبنان بين الاستقلال واندلاع الحرب، أي سحابة ثلاثة عقود من الزمن مرآة لمشروعين أيديولوجيين وسياسيين، مشروع القومية العربية في الوحدة والاشتراكية وتحرير فلسطين، ومشروع فرادة لبنان في تاريخه وجغرافيته ولغاته ودوره في محيطه وانفتاحه على العالم. لقد أثبتت الحرب إخفاق المشروعين معًا. وتبددت أحلام الشعراء والكتّاب وبرامج الأحزاب.
انتفت العوامل التي صنعت دور لبنان الثقافي. ضاقت مساحة الحرية، ولم تعد بيروت واجهة الحداثة، وانهارت المشاريع الكبرى.
وخلال نصف القرن الذي مضى على بداية الحرب، تغيّر لبنان وتغيّر العالم العربي، وتغيّر العالم.
دور الثقافة اليوم أن تُراجع التجربة اللبنانية ونقدها، ونقد المشاريع التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه. لقد انتهى زمن الشعر، وانكشفت الادعاءات أننا حداثيون ومتفردون، دور الثقافة اليوم هو بناء مشروع وطني لبناني، يستفيد من التجارب الصعبة التي مرّ بنا وما زلنا نعاني منها ومن آثارها. وبدون صياغة هذا المشروع لن يكون لنا دور ثقافي في العالم العربي.

زر الذهاب إلى الأعلى