سليدرندوات ومقالات

كمال بكداش/البيروتي في متخيَّل الفكاهة

 السّنيّ البيروتيّ، كما يعرّف نفسه بنفسه، هو البيروتيّ، والبيارتة هم من يقصدهم البيروتي عند حديثه عن “جماعتنا”، ولدى بعض البيارتة تمييز بين البيروتي “الأصيل” والوافد إلى بيروت.

يتمثّل هذا البيروتيّ في متخيَّل البرامج التلفزيونية والحوارات الفكاهية والنكات، في شخصية أبو العبد النمطية، وتتجلّى هذه الشخصية في المسلسلات التلفزيونية، على صورة القبضاي “الطيب” لابس القنباز والحريص على مكارم الأخلاق، فيما تُبرِز حوارات فكاهية في أحد البرامج التلفزيونية، جانبَ “البساطة” في هذه الشخصية التي تتجلّى في ما يشيع عن البيروتي السّني، في المتخيَّل العام، من عدم اتقانه للغات الأجنبية، وهو ما تؤكده أيضاً إحدى النكات التي تسخر من “سذاجة” أبو العبد الذي يحاول أثناء امتحان اللغة الإنكليزية أن يستخدم ما تعلّمه من هذه اللغة:
ففي الحوار الفكاهي في برنامج “لا يُملّ” بين عباس – الذي نتعرّف من لهجته أنه بيروتي – وعادل – الذي يتقن لغة أجنبية – يصرّ عباس أثناء الحوار على استخدام بعض العبارات بلغة أجنبية (الإنكليزية أو الفرنسية) ويرتكب أخطاء في التلفظ بها، فيما يتولّى عادل متهكماً التصحيح له، مما يدفع عباس إلى الشكوى أنّ عادل يتقصّد من هذا التصحيح المستمر “قصقصة جوانحه”، أي التقليل من قدره أو قيمته.
أمّا النكتة(1) فقد جاء فيها:أبو العبد كان يعمل “امتحان إنكليزي”. الأستاذ سأله: أبو العبد كيف بتقول لواحد إنكليزي تعا لهون؟ أبو العبد: بسيطة، بأقول Come Here، الأستاذ: برافوا أبو العبد. وهلّق كيف بتقولّه روح لهونيك؟ أبو العبد: بسيطة، بروح أنا لهونيك وبقولّه Come Here.
القبضاي، الخلوق، الطيّب، البسيط، الساذج، تلك هي بعض السمات الأساسية لشخصية أبو العبد البيروتي، كما تتجلّى في متخيّل الفكاهة اللبنانية. ولا يظهر أبو العبد أبداً في هذا المتخيّل على صورة “الحربوق”، ولذا تتولّى شخصية أبو صطيف (أبو مصطفى) دور الصديق الواعي لأبو العبد الذي ينبّه صديقه في بعض المواقف إلى مبالغاته وتجاوزاته في الطيبة، أو البساطة، أو السذاجة.
منْ هم “مخترعو” هذه الفكاهة حول أبو العبد؟ هل هم سنّة بيروت، مما يعني أنهم يسخرون من أنفسهم(2)، أم أنّ جماعة أخرى تسخر منهم(3)؟ أم أنها من “اختراع” المشاغبين من الجماعة البيروتية نفسها الذين يرغبون بإزالة الوهم عن تصوّر الجماعة عن نفسها؟ هذا ما لا نعرفه، ولا سبيل إلاّ على افتراضه.

{أفترِض على أنّ النِّكات حول أبو العبد البيروتي هي من صنع البيارتة أنفسهم}

وأفترض على سبيل الترجيح، أنّ النِّكات حول أبو العبد البيروتي، هي من صنع البيارتة أنفسهم، أو من صنع الأجيال الجديدة منهم الذين يرغبون بالمشاغبة على الأجيال القديمة وتصوّرها عن نفسها(4).
وكائناً ما كان “أصل” هذه الصورة عن البيروتي فمن الواضح أنها لا تعكس – أو لم تعد تعكس – واقع البيارتة، “أصلاء” و “وافدين”، فلا هم حصراً قبضايات خلوقون، ولا هم طيبون أو بسطاء أو سُذّج. وقد كسر زياد الرحباني في مسرحيته الفكاهية “بالنسبة لبكره شو”، هذه الصورة النمطية للقبضاي البيروتي فصوّره كمتردّد دائم على بار يعبُّ كأس الكحول تلو الكأس ويتعامل مع عامل البار بخشونة ويخاطبه بفوقية وتستثيره أقل إشارة إلى عدم تقديره، فيتحوّل إلى شخص شديد العدائية. وهي صورة تناقض مناقضة تامة صورة “أبو العبد البيروتي” القبضاي في الفكاهة اللبنانية.
ومع ذلك لا تزال بعض النِّكات، على الأقل، حول أبو العبد البيروتي تضحكنا، والسؤال هو: لماذا؟
النكات، والفكاهة بوجه عام، طريقة مخصوصة ومجازة اجتماعياً للتعبير عمّا لا يسهل عادةً التعبير عنه بصورة مباشرة، وتتمثّل خصوصيّة هذه الطريقة في أنها ترفع الكفّ أو الصدّ الذي يمنع التعبير عن المسكوت عنه وتيسِّر استقبال السّامع له، وتحرّر بهذا الرفع وذاك الاستقبال مصدراً من مصادر المتعة.
يتخفّف راوي النكتة من الكف المانع للتعبير بحيلة إقناع ذاتي بسيطة: إنّ راوي النكتة هو ناقل لها لا مؤلّف ولا شيء، في الظاهر، يلزمه بمضمونها. إنها “مجرّد” نكتة. وبهذا التخفُّف من احتمال اللوم يعبّر الراوي عن المسكوت عنه في وعيه بلا عوائق داخلية ويحقِّق لنفسه بالتالي متعة التعبير عن نفسه، متعة العبور بتصوّر ما وبالانفعال المصاحب له من الداخل إلى الخارج، غير أن هذه المتعة لا تكتمل إلا بمشاركة السامع.

{يشيع لدى البيارتة التقليديين تصوَّر عن البيروتي “النموذجي” بأنه شخص “طيّب”}

فالراوي يقول النكتة لإسماع ما لا يُجاز التعبير عنه في الحالات العادية. وينطوي هذا القول على مطلب هو المشاركة. لذا يتوقّع الراوي أن يحدِث لدى السامع أثراً هو الضحك أو الابتسام الصادق (لا المجامل) الذي يعدّه دليلاً على تحقُّق مطلبه في المشاركة. وبذلك التحقّق ينضاف إلى متعة التعبير متعتان: الضحك والمشاركة الاجتماعية.
والواقع أن هذا الأثر (الضحك) لا يحدُث إلا لدى السامع الذي يشارك الراوي مسكوتات وعيه، فيما قد يحدُث الأثر المعاكس – الاستياء الظاهر أو الضمني – لدى السامع الذي تتعارض مسكوتات وعيه مع مسكوتات وعي الراوي. فالنكتة لا تحدِث أثرها (الضحك) ولا تحقّق بالتالي مطلبها (المشاركة) إلا لدى متشاركين في وعي مشترك(5).
فما هو المسكوت عنه الذي تعبّر عنه نكات أبو العبد البيروتي؟
يشيع لدى البيارتة التقليديين تصوَّر عن البيروتي “النموذجي” بأنه شخص “طيّب” (يلّلي بقلبه على لسانه…)، “خلوق”، حريص على مكارم الأخلاق و “عفيف” لا يُعِرِ الجنسَ مثلاً اهتماماً يُذكر.
ومن اليسير أن نتوقع أن التعبير عن هذا التصوّر بطريقة مباشرة لن يخلّف لدى السامع – من غير البيارتة مثلاً – سوى الانزعاج أو النفور. لذا تتولّى النكتتان أدناه التعبير عن محتوى التصوّر نفسه بطريقة مخصوصة غير مباشرة:
أ‌- أبو العبد اشتغل سوّاق تاكسي في لندن. واحدة مَرة من غير ملابس طلعت معه وقالت له: أكسفورد ستريت بسرعة. أبو العبد صار يطلَّع فيها من فوق لتحت. شو بحياتك، ما شفت مَرَة من غير ملابس؟ أبو العبد: شفت… بس بدي أعرف من وين بدك تدفعي لي الحساب.
أبو البعد كان راكب درّاجة جديدة، التقى بصاحبه أبو صطيف. أبو صطيف: مبروك الدراجة الجديدة يا أبو العبد… وامتا اشتريتها؟ أبو العبد: مبارح وأنا راجع عالبيت بالليل وقفتني واحدة ست كانت راكبة على الدراجة، قامت حطت ثيابها عجنب وقالتلي: قرّب يا أبو عبد خود اللي بدّك ياه ما تستحي؟ رحت أنا أخدت الدراجة، قلت لحالي شو بدي أعمل بثيابها؟
والحال أن النكتتين أعلاه تقولان بطريقة تعبير مخصوصة غير مباشرة، محتوى تصوّر البيارتة عن البيروتي “النموذجي” بصورة ملتبسة. والإلتباس في النكتتين يظهر في أن “طيبة” أبو العبد و “خُلُقَه” و “عفّتَه” تبدو للسامعين من غير البيارتة أو من “المشاغبين” البيارتة، وكأنها صفات أقرب ما تكون إلى “البساطة”، بل وإلى “السذاجة”. وبهذا الالتباس يتولّد لدى السامعين للنكتتيْن، كائناً من كانوا، وعي مشترك، وبذلك الوعي المشترك تُحدِثُ النكتتان الأثر المطلوب وهو الضحك، وتحقّق بالتالي مطلب التنكيت وهو المشاركة، وربما التعاطف.

{إفراطه في البساطة وحتى السذاجة دفعه إلى التعامي تعامياً كلياً عن الجنس}

فأبو العبد في النكتتيْن شخص خلوق لا يعير الجنس اهتماماً يُذكر، غير أن إفراطه في البساطة، وحتى السذاجة، دفعه إلى التعامي تعامياً كلياً عن الجنس وتركيز انتباهه على أمر ثانوي يبدو له أنه الأهم: دفع الحساب في النكتة (أ) والحصول على الدرّاجة في النكتة (ب).
والمضحك في (أ) أننا لا نتوقع خاتمة النكتة، فقد نتوقع أن يقول أبو العبد للمرأة المتحرّرة في مجتمع متحرّر شيئاً في الأخلاق مثلاً يعكس انتمائه إلى مجتمع محافظ، لكن ما لا نتوقعه هو تركيز اهتمامه حصراً على “دفع الحساب”، فيما المضحك في خاتمة (ب) ليس اختيار أبو البعد للدرّاجة، بل حصره اختياره ما بين الدرّاجة والثياب، مقصياً كلياً خيار الجنس.
تتوخّى النكتة إذاً لتحقيق المشاركة (والتعاطف) إثارة الضحك أو الابتسام الصادق. ولهذا الغرض تلجأ إلى استثمار رزمة من الأساليب. أكثر هذه الأساليب ضرورةً – من غير أن يكون كافياً – هو الإيجاز أو التكثيف. فالاستعداد للضحك استعداد عجول، وكل إطالة تؤدي إلى انطفائه. لا أحد يروي نكتة تستغرق عشر دقائق أو تحتل مساحة صفحة كاملة. وحتى في الكوميديا يتوزّع توليد الضحك على فقرات قصيرة، ويبدو أن الإيجاز يخدم العنصر النفسي الجوهري المولّد للضحك وهو المفاجأة. ففي الإيجاز – أي الخلو من التفاصيل – يصعب أو يستحيل التوقُّع. لذا تفاجئنا خاتمة النكتة دائماً بما لم نتوقعه وتستثير بالتالي ضحكنا. نكتة نتوقع خاتمتها لا تولّد الضحك أبداً.
تلجأ النكتة إذاً لإثارة الضحك إلى مفاجأة السامع في الخاتمة بما لا يتوقع. بكلام آخر فإن التناقض أو التعارض بين ما يتوقعه السامع وما تؤول إليه خاتمة النكتة هو ما يفاجئ السامع ويستثير لديه الضحك أو الابتسام الصادق.

{كلما تقدّمت رواية النكتة،على إيجازها، ازداد هذا الإرباك بدل أن ينقص}

لنتأمّل النكتة التالية:
– أبو العبد وهوّي عم بيموت اتطّلع بمرته نظرة كلها رومانسية وقلّها: “أنا لما انطردت من شغلي كنتي معي، ولما فلّست كمان كنتي طول الوقت معي… ولما وقعت ومرضت كنتي واقفة جنبي، وهلّق وأنا على فراش الموت كمان جنبي، وقام ومسك ايدها بحنّية وقلّها: مش عارف ليش حاسِس إنك نَحِس.
إن التناقض أو التعارض بين مقدّمات النكتة وعبارتها الختامية المفاجئة، ناشئ عن الطريقة الرومانسية لقول المقدّمات وتناقضها مع الطريقة “الواقعية” الخشنة لقول العبارة الختامية، لو أزلنا هذا التناقض، كأن نزيل الطريقة الرومانسية من قول المقدمات لحصلنا في العبارة الختامية على نتيجة “منطقية” متوقّعة لا على نكتة مضحكة.
ويبدو في هذه النكتة أن استثمار أسلوب تكرار المواقف التي تؤكد وفاء الزوجة لزوجها وتبرّر رومانسية الزوج وهو على فراش الموت، يشوّش على السامع توقعاته ويبعدها أيّما إبعاد عن الخاتمة المرادة، وكلما تقدّمت رواية النكتة – على إيجازها – ازداد هذا الإرباك بدل أن ينقص، وبهذه الطريقة تعظم المفاجأة ويستثار الضحك. والضحك هو أدلٌّ الأدلّة على تحقّق مشاركة السامع وربما تعاطفه مع محتوى التصوّر الذي تعبّر عنه النكتة.
إضافة إلى الإيجاز والتناقض تلجأ النكات اللفظية، وهي أكثر النكات بدائية لتوليد الضحك، إلى طريقة التلاعب بالألفاظ.

{من غير المعتقد أنّ النكات حول “أبو العبد” تعدُّ بلسماً أو مسكّناً لمعاناة جماعية}

جاء في بعض النكات حول أبو العبد:
1- أبو العبد مرّة كان ماشي بسرعة بالشارع وخبَط بواحد من غير ما ينتبه. طلع واحد مصارع مليان عضلات، مسك أبو العبد في رقبته وقلّه: شو أعمى مش شايفني قدامك؟ أبو العبد: مبلى شايفك… بس مش متذكّر وين؟؟
2- إلتحق أبو العبد بالمركز الثقافي الفرنسي. طلبت منه المعلمة أن يعطيها جملة مفيدة تتضمّن كلمة “كوكونات” (أو جوز الهند)، ففاجأها بأن “كوكو نطّ من الشبّاك”!.
3- أبو العبد: بتعرف يا أبو صطيف إنو بالصين بيتْولد واحد كل دقيقة؟ أبو صطيف: يلعن أبو التطور، نحنا بعدنا هون بننطر تسع أشهر للحُرمة تولّد.
تُبنى الحيلة اللفظية في هذه النكات على المفارقة اللفظية وهي الإيحاء للسامع في الجزء الأول من النكتة بمعنى ومفاجأته في نهايتها بإحلال معنى آخر غير متوقع. ولعل في هذا الإنزياح من معنى إلى آخر هو ما يفاجئ السامع ويستشير لديه الضحك أو الابتسام الصادق.
1- شايف  متذكّر.
2- “كوكونات” بالفرنسية  “كوكو نط” بالعربية.
3- ولادة “كل دقيقة”  ولادة “كل تسع أشهر”.
لا نجد في النكات حول “أبو العبد” أثراً لمحتوى “فكري”، كما في عدد من نكات اليهود مثلاً(6)، كما لا نجد فيها أثراً يدلُّ على “معاناة” أبو العبد، أو معاناة الجماعة التي ينتمي إليها، كما في عدد من نكات المصريين واليهود. لذا من غير المعتقد أن النكات حول “أبو العبد” تعدُّ بلسماً أو مسكّناً لمعاناة جماعية. وكل ما يضحكنا في هذه النكات هو ما يشير باستخدام أساليب لفظية بوجه خاص، إلى طيبة أبو العبد أو بساطته وسذاجته. ولكن مما يستبعد اختزال هذه الصورة لأبو العبد لتمثيل الجماعة التي ينتمي إليها، أي البيارتة، هو وجود أبو مصطفى، البيروتي الآخر والصديق الواعي أحياناً لأبو العبد الذي لا يفتأ، في بعض المواقف، ينبّه صديقه إلى تجاوزاته في الطيبة أو البساطة أو السذاجة. لذا تبدو النكات حول أبو العبد بصورة أساسية كشكل من أشكال الترويح عن النفس، أو السعي إلى الراحة بإطلاق طاقة مخزونة أو مكبوحة عن طريق الضحك الناتج عن تحوّل مفاجئ من توقع ما إلى نتيجة تعارض هذا التوقع أو تتناقض معه.
لا توجد في هذه النكات سخرية “خبيثة” أو “مؤذية” تنتج عن الابتهاج بعيوب الجماعة التي ينتمي إليها أبو العبد، والدليل أن من يمثّلهم أبو العبد ومن لا يمثّلهم يبتسمون ويضحكون ويستمتعون بود سماع “عيوبه” التي تتيح لهم تفريغ بعض التوتر النفسي والتحرُّر من بعض الكبح الذي يبقيهم جدّيين بإستمرار.

{تختلف صورة أبو العبد في متخيَّل الفكاهة عن صورة علي حميّة، البقاعي الشيعي}

وهذا ما يجعل النكات حول أبو العبد البيروتي تختلف في الأصل والباعث اختلافاً أساسياً عن النكات حول “الحمصي” مثلاً، وهو الشخصية النمطية البارزة في الأدب الضاحك الذي نُعت بالحمق(7) – وتحوّلت مع الأيام إلى “الأجدب” – وهي الصفة التي ساعد الإرث الأدبي على إسباغها على “الحمصي” الذي صنّفه ابن الجوزي مثلاً بين “الحمقى والمغفّلين على الإطلاق”(8)، وهو ما لا يرد شبيهاً له في الأدب، قديمه وحديثه، عن “البيروتي”. أضف أن ثمة “نظرية” حول النكتة الحمصية ترى “أن الدافع إليها كان في الأصل التفاخر (تفاخر أهل حماة) على أهل حمص، وبالتالي تأكيد الذات”(9)، وهو الدافع (التفاخر) الذي لا نجد أثراً له في علاقة غير البيارتة بأهل بيروت.
كما تختلف صورة أبو العبد في متخيَّل الفكاهة عن صورة علي حميّة، البقاعي الشيعي، في هذا المتخيّل، فردّات فعل أبو عبد تتسم بالإرتجال والتلقائية، فيما تتصف ردّات فعل على حمية بالروية والتدبير المسبق، فلمّا لُفت نظره في إحدى النكات إلى أنه يُنهي صلواته بسرعة أجاب: عم خفّف وعم فكّر بطّل.
وبالمحصلة، وكائناً ما كان “أصل” النكات حول “البيروتي” أو “الحمصي” أو غيرهما و”الباعث” عليها، فقد بات الغرض من استعادتها في أيامنا هو التسلية والمِزاح والترويح عن النفس(10)، وذلك كيما لا نبقى مكبوحين جدّيين بإستمرار فيحلُّ الجفاف في الروح التي لا يرفع الكبح عنها ويرطّبها سوى الضحك، والضحك هو الغاية القصوى للتنكيت. ومن الواضح أنها تُستعاد من الماضي ولا تتجدّد في الحاضر: فلم نعد نسمع عن أهل حمص أو منهم – بعد ثورتهم الوثّابة في سبيل الحرية – “النكت الحمصية”، وبالمثل لم نعد نسمع عن البيارتة أو منهم – بعد معاناتهم مع سائر اللبنانيين مأساة لبنان الشاملة – النكات حول أبو العبد البيروتي.

الهوامش

1- تعتمد هذه المقالة على مجموعة من خمس وثلاثين نكتة حول أبو العبد البيروتي جمعها بتوجيه منّي طلاب وطالبات في علم النفس – الجامعة اللبنانية.
2- يُعرف عن اليهود والمصريين بأنه لجأوا بكثافة إلى الفكاهة ليسخروا من أنفسهم لأنهم عانوا واحتاجوا إلى مسكّنات يائسة بسبب معاناتهم، وهو ما لا ينطبق على البيارتة الذين ازدهرت الفكاهة حولهم في ظل أحوالهم الحسنة واندثرت في ظل سوء أحوالهم وأحوال سائر اللبنانيين.
3- يُذكر مثلاً أن النِكات حول “الحمصي” وضعها في الأصل غير الحماصنة، ويردُّ الدارسون هذا “الأصل” – كما سوف نذكر لاحقاً – إلى التنافس التقليدي بين مدينتي حمص وحماة وبدافع “التفاخر” و”توكيد الذات”، وهو ما لا ينطبق على بيروت في علاقتها مع المدن اللبنانية الأخرى.
4- أحد الأدلّة على ذلك أن شخصية أبو العبد في البرنامج التلفزيوني الشهير الذي قُدّم منذ عقود جسّدها بيروتي، وعندما حاول حديثاً غير بيروتي أن يقدّم صورة ساخرة عن هذه الشخصية النمطية أثار احتجاجات بيروتية شديدة بلغت دار الإفتاء.
5- كمال بكداش، الدعابة والوعي، تقديم لترجمة كتاب: جوزف كلازمن، الفكاهة اليهودية، ترجمة: محمد حمود، المؤسسة الجامعية، بيروت، 2009.
6- يكثر هذا النوع من النكات ذات المحتوى “الفكري” في الفكاهة اليهودية، وقد حلّل فرويد العديد منها في كتابه غير المترجم إلى العربية “النكتة وعلاقتها باللاوعي”، كما نجد أمثلة عنها في: جوزف كلازمن، الفكاهة اليهودية، مرجع سابق، ومنها الدعابة التالية:
– اليهودي الأول، موسى، قال: الشريعة هي كل شيء.
– اليهودي الثاني، عيسى، قال: المحبة هي كل شيء.
– اليهودي الثالث، ماركس، قال: المال هو كل شيء.
– اليهودي الرابع، فرويد، قال: الجنس هو كل شيء.
– اليهودي الخامس، انشتاين، قال: كل شيء نسبي.
أنظر تحليل هذه الدعابة في تقديمي (الدعابة والوعي) لترجمة كتاب كلازمان، الفكاهة اليهودية، مرجع سابق.
7- ظهرت مثلاً نكتة دالة على “الحمق” في أثناء التوتر الذي ساد العلاقات السورية التركية أواخر التسعينات تقول: “أعلن محافظ حمص مهدّداً تركيا، بأن أي اعتداء على سوريا هو اعتداء على حمص”.
8- جورج كدر، جذور النكتة الحمصية، دار ممدوح عدوان، دمشق، الطبعة الثانية، 2019 (الطبعة الأولى 2009).
9- بو علي ياسين، بيان الحد بين الهزل والجد، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق، 1996.
10- أحد الأدلة على اشتراك النكات ما بين البلدان والبلدات، بالغرض نفسه – وهو التسلية والترويح عن النفس – هو ظاهرة إرتحال النكات نفسها مع بعض التحوير من بلد إلى آخر، ومن منطقة إلى أخرى، ومنها النكتة التي تُروى عن البيروتي والحمصي والشامي حول المطهّر الذي يعلّق في واجهة محله أقلام وساعات، وعندما يُسأل بإستغراب عن ذلك يردّ: “شو بدك ياني علّق بالواجهة؟”.

زر الذهاب إلى الأعلى