سليدرفنون

مسلسل المحافظة 15 دراما لبنانية تكسر التقليد الهجين

كان الإنتاج العربيّ الدراميّ في محطّات التلفزة العربيّة، قبل ثلاثة عقود من الزّمن، يركّز على عرض بعض البرامج الدينيّة والمسلسلات الاجتماعيّة ذات البعد الانسانيّ والاجتماعيّ الصّرف، ولم يكن يشهد ما يسمّى ” موضة السِّباق الرمضانيّ في المسلسلات”. حتّى أنّه لم يكن يشهد هذه التحوّلات الغريبة التي طالت وتطاول حبكات القصص وشخصيّاتها الرئيسيّة وأجواءَها التي تبتعد سنة بعد سنة، وشيئًا فشيئًا عن أجواء شهر رمضان ومعانيه العربيّة – الإسلاميّة، من جهة، وعن قيمنا الاخلاقية الشرقية، من جهة مقابلة.

وككلّ سنة نشهد في هذا الشّهر الفضيل عشراتِ المسلسلات التي تتسابق إلى عرضها القنوات الفضائيّة في سائر البلدان العربيّة، وكلّما اطلّعنا على قصّة كلّ مسلسل على حِدة، من باب الإيجاز، نُصدَم بأحداث تدور حول الدّعارة والخيانة والقتل والسّرقة والتّعذيب والكذب والتّزوير. إذْ نادرًا ما نقع على قصة مسلسل تمسُّ وجدانَنا وتخاطب عاداتِنا الجميلة ( باعتبار أنّه من المفترض أن تكون جميلة) وتدفعنا إلى التأمّل في قضايانا الوطنيّة والاجتماعيّة والإنسانيّة.
ويمكن القول في خضّم هذا العدد الهائل من الانتاج العربيّ الدراميّ الهجين بمعالجاته الرِّوائية، إنّ مسلسل ” المحافظة 15″ كسَرَ هذا التقليد الذي تقع فيه مسلسلات رمضان من تقديم مشهديّات الدّم والضّرب والانتقام والاغتصاب والخطف من أجل الفدية، وما إلى ذلك من مسارات دراميّة تدعو إلى الاستغراب والرّيبة في الوقت عينه. كسَرَهُ وقدّم لنا قصّة تحاكي الماضي القريب والرّاهن الذي نعيشه، وتربط بينهما في ظلّ العلاقة الشّائكة والملتبسة القائمة بين لبنان وجارته سوريا.

{سقوط نظام بشّار الأسد في 8 كانون الأول 2024، وبدء تحرير معتقل “صيدنايا”}

لقد استطاع مُخرج العمل سمير حبشي، أن يعرضَ للمشاهدين أوّل صورة ذكيّة ومؤثّرة افتتح بها مشاهد الحلقة الأولى: صباحُ سقوط نظام بشّار الأسد في 8 كانون الأول 2024، وبِدءُ تحرير معتقل “صيدنايا” من قِبل الشّبان والرّجال الأحرار المتحمّسين لإنقاذ مواطنيهم المعتقلين فيه لأمداء طويلة غصْبًا وظلمًا.
لم يكتفِ المخرج بتصدير هذا الذّكاء في المشهد الأوّل، بل أعقبه مباشرة المشهد الذي يصل فيه المنقذون إلى حجرة معتقل موجود فيها إلى جانب السورييّن، مواطن لبنانيّ إسمه فؤاد يوسف كامل، (لعب دوره باقتدار الفنّان المميّز يورغو شلهوب)، كان يرتجف من التّعب واليأس والخوف ولا يصدّق ما سمعته أذناه وما رأته عيناه من كسْرٍ لأقفال أبواب المعتقل ومن تردادِ عبارة ” سقط النّظام وهرب الرئيس بشّار”، وقال بصوت واهن عندما سألوه من أنت: أنا لبناني وأنا هنا منذ 28 سنة.
هذا المشهد لوحده يمكن اعتباره في الفنّ السّابع أي السينما( ماستر سين) إلّا أنّ العديد من المَشاهِد التي تلته فازت بالاعتبار عينه، نظرًا لعمق الأداء الذي اتّسم به يورغو شلهوب شكلًا وحركة ونظرةً وصوتًا. ولم تقِلّ عنه الممثّلة كارين رزق الله( وهي أيضًا كاتبة القصّة والحوار والسّيناريو) إبداعًا بأدائها لدور مُنْية النّائب في البرلمان اللبنانيّ، التي كانت حبيبته وكانت تعتقد كما اعتقد أهله أنّه مات غرقًا وهو يغوص في البحر في منطقة عمشيت.
خيوط القصّة ومعرفة أنّ فؤاد كامل حيًّا، جرت معالجتها نصًّا وحوارًا وتصويرًا بأسلوب دراميّ يلامس القلب ويخاطب العقل، كما أنّ رفيقه لمدة 12 سنة في المعتقل، الشّاب السّوري خالد الذي خرج معه ولم يجد أهله حيث كان يقطن في سوريا، فأتى إلى لبنان باحثًا عنهم وقد ظنّوا هم أيضًا أنّه مات تحت التّعذيب( أدّى دوره الممثّل السّوري الواعد حسن خليل)، هذا الرفيق تقاطعت ظروفه مع ظروف فؤاد فاجتمعا في لبنان، لتبدأ قصّة بحث وحوار نفسيّ وعاطفيّ وسياسيّ، عن الحبّ والأمل والصّدمة، وعن الوجود السّوريّ في لبنان ودوره الاشكاليّ ؛ إذْ كلّما تصاعدت الأحداث بصيغة لا تخلو من الذّكاء العاطفيّ والحسّ الوطنيّ والأثر النّفسيّ، كلّما وجدنا أنفسنا أمام عمل يتنقلّ بجماليّة وسلاسة بين المواقف الرومانسيّة والمواقف التراجيديّة، ويُظهِرُ الخطَّ الفارقَ بين الوطنيّة والعنصريّة.

{سيمفونية موّحدة يقودها نصّ ذكيّ يعرف متى يحرّك الايقاع الحسيّ الناعم ومتى يضبط الصّعود نحو الألم}

والجدير بالذِّكر أنّ الممثِّلين المشاركين في هذا العمل، يؤدّون أدوارهم باقتدار وحِرْفة، نذكر منهم عن الجانب اللبنانيّ، بالإضافة إلى كارين رزق الله ويورغو شلهوب: ميشال حوراني،نزيه يوسف، فيفيان أنطونيوس، أنطوانيت عقيقي، لمى لاوند، ناديا شربل، بيو شيحان، نور الغندور،وهيثم المصري. وعن الجانب السّوريّ: عدنان أبو الشامات، سوسن أبو عفار، حسن خليل، وسوناتا سكاف.
بناءً على هذه المعطيات، يمكن القول إنّ مسلسل” المحافظة 15″ هو عمل دراميّ مهمّ يطرح حلقة بعد حلقة المسار السياسيّ للواقع اللبنانيّ في ممارسة السلطة والفساد، من جهة، ويعالج الآثار النّفسيّة والفكريّة والعاطفيّة لضحايا التعسّف السياسيّ والأمنيّ الذي مارسه نظام البعث في سوريا، ليس فقط على شعبه الثّائر، بل أيضًا على مَنْ وقف من اللبنانييّن في مواجهته. ولهذا اختارت كارين عبارة المحافظة 15 عنوانا للمسلسل، تعبيرًا عن سعي النّظام السّوري السّابق إلى وضع اليد على لبنان، واعتباره المحافظة الخامسة عشرة لسوريا.
المسلسل يستحق المتابعة، والذين انتقدوا بتسرُّع كيف أنّ ذقون المعتقلين حليقة بشكل جيد، نقول إن المعتقلين في معتقلات النظام السوري، كان يُسمح لهم مع مرور المراحل الأولى من الاعتقال والتعذيب، بحلاقة الرأس والذقن، وكان يُجرى لهم مع مرور الأعوام فحوصات طبيّة سنويّة، (وهذه معلومة أكيدة مستقاة من شخص معتقل، أخرجوه من السّجن بعد عشرة أعوام بسبب خطأ في نتائج فحوصات الدّم)؛ فالمُتابِع سوف يرى مُخرِجَ العمل والكاتبة والممثّلين وهم يعزفون معًا سيمفونيّة موّحدة، يقودها نصّ ذكيّ يعرف متى يحرّك الايقاع الحسيّ النّاعم ومتى يضبط الصّعود نحو الغضب والألم.

زر الذهاب إلى الأعلى