فنون

أحمد قعبور/ صاحب البصمة الفنية الوهّاجة

 

يُعدّ الراحل أحمد قعبور من أبرز الفنانين اللبنانيين الذين ارتبط إسمهم بالأغنية الملتزمة والقضايا الوطنية والإنسانية. ترك بصمة واضحة في تاريخ الموسيقى العربية المعاصرة، حيث جمع بين الكلمة الهادفة واللحن الشفيف المؤثر.

وُلد أحمد قعبور في بيروت، ونشأ في بيئة ثقافية وسياسية غنيّة، ما أسهم في تشكيل وعيه الفني المبكر. برز إسمه خلال فترة الحرب الأهلية اللبنانية، حيث تحولت أغانيه إلى صوتٍ معبّر عن معاناة الناس وآمالهم في السلام.
اشتهر قعبور بأغنيته الأيقونية “أناديكم”، التي أصبحت رمزًا للنضال والتضامن مع الشعب الفلسطيني، مستندًا إلى كلمات الشاعر توفيق زيّاد. وقد عُرفت هذه الأغنية بقدرتها على تحريك المشاعر وبساطتها التي جعلتها قريبة من قلوب الجماهير.
تميّز أسلوب أحمد قعبور بالجمع بين الموسيقى الشرقية التقليدية والتعبير العصري، مع اعتماد واضح على العود والصوت الدافئ. لم يكن مجرد مُغنٍّ، بل كان فنّانًا ملتزمًا بالقضايا الاجتماعية، حيث غنّى للعدالة وحقوق الإنسان، وعبّر عن هموم النّاس اليومية.
إلى جانب مسيرته الفنية، شارك قعبور في نشاطات ثقافية وتربوية، مؤمنًا بدور الفنّ في بناء المجتمع وتوعية الأجيال. وقد استمر في العطاء لسنوات طويلة، محافظًا على مبادئه رغم التغيّرات الفنية والتجارية التي شهدها الوسط الفني.
لم يكن أحمد قعبور غزير التلحين لغيره مقارنةً بإنتاجه لنفسه، إذ ارتبط اسمه أساسًا بأعماله الشخصية والأغنية الملتزمة التي كتبها ولحّنها وغنّاها بصوته. ومع ذلك، قدّم ألحانًا لبعض الأعمال الفنية والمسرحية، خاصة ضمن إطار التعاونات الثقافية والمسرحية في لبنان.
من أبرز المجالات التي قدّم ألحانه فيها:
1-أعمال مسرحية وثقافية بالتعاون مع فرق فنية ومخرجين لبنانيين.
2-برامج تلفزيونية وأعمال للأطفال، حيث كان مهتمًا بالبعد التربوي.
3-أناشيد وأغانٍ جماعية ذات طابع وطني وشعبي وديني.
كما ارتبط فنيًا ببيئة الأغنية الملتزمة التي ضمّت فنانين مثل مارسيل خليفة وخالد الهبر، لكنَّ كلًّا منهم كان غالبًا يلحّن أعماله الخاصّة.

{كان مشروع الفنان أحمد قعبور الفني قائمًا أساسًا على أن يكتب ويُلحِّن لنفسه ويغنّي بنفسه}

بعبارة أخرى، تميّز قعبور أكثر كفنان يقدّم مشروعه الكامل (كلمة، لحن، أداء) بدل أن يكون مُلحِّنًا يعمل بكثرة مع مطربين آخرين. كان مشروعه الفني قائمًا أساسًا على أن يكتب ويُلحِّن لنفسه ويغنّي بنفسه. فمعظم أعماله الشهيرة من ألحانه هو، مثل:
-أناديكم (كلمات توفيق زيّاد)
-جنوبيون
-نحنا الناس
-يا نبض الضفة
كما لحّن مئات الأغاني لمشاريع تربوية وأعمال جماعية، مثل:
التعاون مع كورال دار الأيتام الإسلامية، وتقديم أغانٍ لها مثل “عَلوّ البيارق علّوها” و”توتي توتي “.
ووضع ألحانًا لعروض مسرح الدمى وبرامج تعليميّة. وهذه الأعمال غالبًا كانت تُؤدّى من ممثلين أو فرق كوراليّة.
ويمكن القول إن بعض أغانيه غنّاها أو أعاد أداءها آخرون، مثل أعمال مستوحاة من رسومات من أعمال الفنان الكاريكاتوري الراحل ناجي العلي.

{استخدم مقامات عربية تقليدية مثل:البيات ،الكرد،والحجاز، لكن بطريقة غير معقدة}

يتميّز أسلوب أحمد قعبور بخصوصية واضحة جعلته أحد رموز الأغنية الملتزمة في العالم العربيّ. لم يكن هدفه الاستعراض الموسيقي بقدر ما كان إيصال رسالة إنسانية مباشرة، وهذا ما انعكس في كل عناصر موسيقاه، حيث تتجلّى هذه العناصر في عناوين عدّة أهمّها:
أولًا. البساطة المقصودة:
اعتمد قعبور على ألحان بسيطة وسهلة الحفظ، غالبًا ما تُبنى على جُمَل موسيقية قصيرة ومتكررة. هذه البساطة لم تكن ضعفًا، بل اختيارًا واعيًا لتسهيل انتشار الأغنية بين الناس، خصوصًا في التظاهرات والأنشطة الجماعية.
ثانيًا. الاعتماد على المقامات الشرقية:
استخدم مقامات عربية تقليدية مثل:البيات،الكرد،والحِجاز، لكن بطريقة غير معقدة، دون استعراض تقني، بل لخدمة المعنى العاطفيّ للنص.
ثالثًا. أولوية الكلمة على اللحن:
في أعمال قعبور، الكلمة هي الأساس. فغالبًا ما كان يلحّن نصوصًا لشعراء ملتزمين مثل توفيق زيّاد، فكان اللحن يأتي: داعمًا للنص،غير مزاحم له، واضحًا في مخارج الكلمات، لذلك تُفهم الأغنية من أول استماع.

رابعًا. التوزيع الموسيقي البسيط:
اعتمد بشكل أساسي على العود، إيقاعات خفيفة (أحيانًا تصفيق أو دفّ) ونادرًا ما استخدم توزيعًا أوركستراليًا ضخمًا، ما أعطى أعماله طابعًا حميميًّا وقريبًا من الناس.
خامسًا.الطابع الجماعي (الكورال):
كثير من أغانيه مصمّمة لتُغنّى جماعيًّا، حيث تُستخدَم اللازمةك (Refrain)جُمَل قابلة للترديد
وهذا مرتبط بدوره بالأغنية السياسية والنضالية.
سادسًا. الالتزام السياسي والإنساني:
ينتمي فنّه إلى ما يُعرف بـ الأغنية الملتزمة، حيث الموضوع أهم من الشكل، والرسالة تتقدم على الزخرفة الموسيقية، لا سيّما وأنه تناول قضايا مثل:فلسطين، الحرب، والعدالة الاجتماعية.
سابعًا. الأداء الصوتي:
صوته دافئ وغير متكلّف قريب من الإلقاء، وأحيانًا يخدم المعنى أكثر من الاستعراض.

{سيبقى اسمه حاضرًا في الذاكرة الثقافية العربية كأحد الأصوات التي صدحت بالمعاني الصادقة}

من هنا يمكن القول إن أسلوب أحمد قعبور يقوم على معادلة واضحة هي: لحن شفيف، زائد كلمة قوية، زائد أداء صادق، يساوي: تأثير عميق.
وهذا ما جعله مختلفًا عن فنانين مثل مارسيل خليفة الذين يميلون إلى تعقيد موسيقي أكبر، رغم اشتراكهم في تقديم الفن الملتزم.
رحل أحمد قعبور تاركًا إرثًا غنيًا من الأغاني التي لا تزال تُغنّى حتى اليوم، وتُذكِّر بقيمة
الفن الصادق المرتبط بالإنسان وقضاياه. وسيبقى إسمه حاضرًا في الذاكرة الثقافية العربية كأحد الأصوات التي صدحت بالمعاني الصادقة المدافعة عن الأرض والقضية الفلسطينية والقضايا الانسانية، في آنٍ واحد.

زر الذهاب إلى الأعلى