
الصبية الجميلة التي دخلت مسرح مونو ظنًّا منها أنها وصلت باكرا، تفاجأت ببعض الوجوه التي تعرفها قد سبقتها. وبفرح غير عادي، سارعت إلى معانقة الجميع وهي تردد كلمة أحبكم. وقبل أن تستقرّ في رأسي فكرة أنّ من كانوا معنا في الصالة جميعهم اصدقاؤها، وصلت سينتيا كرم إلينا لتعانقنا نحن أيضًا (صديقتي وأنا) بفرح يقفز من عينيها الخضراوين وكأنه سرب من طيور السماء.
بفستان أزرق وكارديغون أخضر وحذاء أحمر جذّاب بدون كعب، اقتحمت هذه الصبية المسرح تحت وابل من التصفيق. أضيفت بعض الكراسي للوافدين بعد أن امتلأ المكان تماما.
الحدث ليس مسرحية جديدة، إنه حوار مع الممثلة سينتيا كرم. “سي سي” إسم الدّلع.
تقليد أوجدته مديرة المسرح جوزيان خوري لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في بلد لا تمرُّ عليه حرب إلاّ وتلتها أخرى.
لنعد للممثلة الرائعة التي أبهرتنا حدّ البكاء بدورها العظيم “عدلة” وهو دور أكّد لنا مرة أخرى أن الممثل العبقري لا يحتاج سوى لفسحة صغيرة كي يصنع نجوميته. وسينتيا كرم هكذا ولدت لا لترى النور فقط بل ليختطفها النور نحو الإبداع، وتصبح دربها مرسومة منذ تلك اللحظة، منذ كانت طفلة تُبهج العائلة، وتلميذة دقيقة الملاحظة، فضولية، موهوبة، وقلبها يتّسع حبًّا للجميع.
حين تحدّثت سينتيا في لقاء السادس والعشرين من شهر أيار/مايو 2026، طغى صوتها على صوت محاورها، كنا بحاجة لميكروفون لنسمع صوته، وهو يطرح أسئلته بالإنجليزية مرات وبالفرنسية مرات أخرى وباللبنانية في مرات قليلة، ولكن حضورها طغى عليه (مع اعتذاراتي) وهذا من النِّعم التي أنعم بها الله على سينتيا. ملأ صوتها المسرح فيما انقطعت أنفاس الجمهور المصغي بتركيز لكل كلمة قالتها، عن حياتها الخاصة، وعن أدوارها المسرحية والتلفزيونية، وعن مجموع أفكارها حول الشر والخير، الحب والكراهية، النجاح والفشل…إلخ.
{في الحرب والسلم المسرح درس قاسٍ مفادُه أنّ الحياة مستمرة رغم أنوفنا، غير آبهة لأحزاننا}
فهمنا جيِّدًا خلفيّة نجوميّتها، حين تحدّثت عن سِحْر المسرح في مسيرتها الفنية، وقالت إن المسرح مسؤولية، وكل عرض أشبه بالامتحان الذي يجب أن تحضّر له بشكل جيد.
فعلى خشبة المسرح لا يمكن للممثل أن يعيد المشهد إذا أخطأ، لا يمكنه تعديل ماكياجه، ومسح عرقه. يمكنه إنْ كان عبقريا أن يرتجل ما ينقذ الموقف ببراعة، لكنّ الارتباك ممنوع، الفشل ممنوع، في مواجهة الجمهور يجب أن تكون مُمثِّلًا جيّدًا، مُتقمِّصًا شخصيتّك المرسومة، وجاهزا تماما لتنجح. المسرح مسؤولية، تكرّرها سينتيا بثقة وهي تكشف سرّها: المسرح يجعلني شخصا آخر! وهي تقصد بالضبط شخصا تلبّسته الشجاعة في لحظة انهياره، ألم تقف هي على المسرح في عزاء والدها، حزينة مدمّرة ومنهارة، وأدّت دورها بإتقان مدهش بشهادة جورج خباز؟ في الحرب والسلم المسرح درس قاسٍ مفادُه أنّ الحياة مستمرة رغم أنوفنا، غير آبهة لأحزاننا.
ربما لهذا ندرك أن الفنان الحقيقي هو الذي يمسك بأيدينا ويخرجنا من النّفق المظلم الذي يصنع الصدمات ونكسات الحروب والانهيارات الاقتصادية. نعم هناك سينتيا الإنسانة وسينتيا الممثلة، وما بينهما خيط رفيع ربما لا نراه، ولكنّها تراه حين ينسدل ستار نهاية العرض. حين تأخذ أنفاسها وتخلع دورها، تعلّقه على مشجب غرفة في الكواليس وتعود إلى بيتها مغمورة بالفرح لأنّ الجمهور منحها العلامة الكاملة في الغالب.
{علا صوت من الجمهور “ألا تكرهين أحدا؟” قالت أكره الكيان الصهيوني، أكره الصوت الذي يقول: “أخلوا بيوتكم”}
لم يخلُ حديث سنيتيا عن الأدب، قرأتْ نصًّا جميلا ومؤثرا للكاتب اللبناني سبيل غصوب الذي نال جائزة غونكور للطلاب العام 2022 بروايته “بيروت على ضفاف السّين”، قرأتْ بكل حواسها مشهدًا سيظل لاصقا في أذهان الحضور لأنه اختصر “حروب الأخوة في لبنان”، تغيّرت نبرات صوتها عدّة مرات وهي تتقمص أمزجة نص واحد تقافزت فيه بين طفولة بريئة وشباب طحنته الحرب. أنهت القراءة في صمت مهيب، بكت فبكينا، ثم ختمت الحديث بالكشف عن أمنياتها، وبهمس خفيف أخبرتنا عن حلمها بأن تكون لديها مدرسة لاكتشاف المواهب ودعمها. ولكنْ، لماذا الهمس؟ هل اعتقد البعض أنّ الحلم بعيد التحقيق؟ ربّما …لكن لنتذكر أن الحالمين وحدهم غيروا وجه العالم نحو الأفضل.
انحنت أمام جمهورها وأرسلت له قبلات في الهواء ورددت كثيرا كلمة”أحبكم” وحين علا صوت من الجمهور “ألا تكرهين أحدا؟” قالت أكره الكيان الصهيوني، أكره الصوت الذي يقول: “أخلوا بيوتكم”. وتردف قائلة: أكره من يأخذ الأطفال من أحضان أمّهاتهم، لا أتحمّل سماع بكاء طفل يتمسّك بأمه ورجال يقتلعونه بالقوة منها.
خطفنا الوقت وإلاّ فالحديث مع سينتيا كرم متعة لا نهاية لها. مدرسة في قمة النضج، وهي تزداد نجومية وبريقا بكل بساطتها المبهرة، هذه البساطة التي ترجمتْها بمصافحتنا نحن الجمهور فردا فردا دون أي استثناء، لذلك يعلو التصفيق دائما لكل مَنْ كان مثلها إستثنائيا.



