فنون

جورج مطر / سرديات ولوحات

علم وفنّ

جورج مطر

ما عرفت قط أنه سيأتي يوم أستحضر فيه أوراقي الخرطوش الجامعيّة، المكتظّة بالمعادلات والرسومات البيانيّة في علم الرياضيّات والفيزياء والكيمياء، وحتى الحراريّات والمائيّات، وأحوّلها الى أرضيّة للوحات فنيّة أقل ما يقال فيها، وللوهلة الأولى، إنها بعيدة كل البعد عن فحوى ومضمون هذه الأوراق العتيقة التي مالت الى الاصفرار بفعل مرور أربعين سنة على ولادتها.
هي الآن تتجلى بغير صيغِها وقوانينها كأنها تقوم من بين الأموات لتحيي فنّاَ وتكون حاضنة لأشكال وتلاوين صاخبة. إنها وبكل بساطة ركيزة علميّة لبناءٍ فنيٍّ معاصر. ماتت أربعين سنة لتعودَ وتعطيَ حياة مختلفة للوحاتٍ اشبهَ بطواطمَ وتكاوينَ لونيّة. داخلة الى عالمٍ لم تعرفه من قبل، تذوب فيه، منتحلة صفة الجمال والمقاييس الفنيّة، متّحدة بألوان وأشكال هندسيّة كأنها غريبة عنها مع أنها كانت مدفونة في سرّها منذ الأزل.
يقال: قليلٌ من العلم يبعد الله، أما كثرته فتقرّبه. وأنا أقول : ليس هناك فصل بين ما هو علميّ وما هو فنيّ. هما وجهان من وجوه الله المتعددة. منشؤهما واحد ألا وهو الجمال. ومهما تباعد هذا العلم وذاك الفنّ، او هكذا نراهما، فهما مترابطان في الاصل. ولطالما كنت مفتوناً بهذا الترابط الذي أدركه مرات قليلة ويغيب عني مرات عديدة. مما دفعني الى البحث عنه طيلة مسيرتي الروحيّة ومن خلال مسيرتي الفنيّة. كنت دائما تواقاً لمعرفة العلاقة بين العلم والروحانيات.

{الكميّة تقرّ وتعترف بوجود هنا اولى وهنا ثانية
مختلفة، وفي آنٍ واحد.}

لقد سحرت بالفيزياء الكميّة كونها إحدى الطرق للبحث عن هذه العلاقة القائمة بين ما هو ماديّ وما هو هلاميّ. بين المادّة واللامادّة. بين الجسد والروح. وهل الواقع المحسوس هو الوحيد هنا؟ وماذا تعني كلمة هنا؟ الفيزياء الكميّة تقرّ وتعترف بوجود هنا اولى وهنا ثانية مختلفة، وفي آنٍ واحد. هي إحدى الطرق العلميّة لسبر أغوار هذا الوجود-اللغز وربما معرفة اسرار الحياة ومحاولة الوصول الى إدراك المطلق. فلا داعي للذعر، أنا لست وحدي في هذا الإرباك، وكما قال الفيزيائي العظيم ريتشارد فينمان” أستطيع أن أقول بكل راحةٍ أن لا أحد يفهم ميكانيكا الكمّ، ومع ذلك تبقى نظرية الكمّ جوهريّة، لوصف كيفيّة ارتباط عالمنا بعضه ببعض”.

هل للعلم سلطان على الفن أم العكس؟
من هو العصفور السجين وما هو القفص؟

تلك حال هذه اللوحات التي أمامكم. تارة نقرأ فيها قانوناً او معادلة علميّة رياضيّة وطوراً نرى- لا بل نغوص في لونٍ أرجوانيّ أو نتيه في دوائر معلّقة في الفضاء. فلا داعي للذعر او للقلق. جلّ ما ابتغيته هو تجسيد هذا الترابط بين ما هو علميّ وما هو فنيّ. لا ادّعي أنني وفّقت ولكنني ارتضيت عناء المحاولة. محاولة الخروج من المحسوس والزمان. فهل هذه المعادلات هي أقفاص اللون، أم اللون سجّانها؟ ام العكس؟ ومن يقرأ مزاميره على من؟ هل للعلم سلطان على الفن أم العكس؟ من هو العصفور السجين وما هو القفص؟ من يحوي من؟ هل العلم حرّ طليق ام الفنّ؟ ومن طريقه أقرب الى الله؟ عرفت أن هناك سباقاً بين الاثنين في داخليّ، ويا لسعادتي ولحسن طالعي فأنا الرابح في الحالتين.

زر الذهاب إلى الأعلى