ندوات ومقالات

نديم شحادة/ بنية الدولة اللبنانية صحيحة

لديّ ثلاث نقاط أود الحديث عنها، ولكن في البداية أود القول كم يعنيني أن أكون اليوم في منبر النادي الثقافي العربي لأنه تأسس في بيت شحادة في شارع بلس سنة 1944 .

النقطة الأولى هي عن البنية اللبنانية، والثانية هي عن المفاوضات والسلام، والثالثة هي عن النظرة للمستقبل، وهي ليست لي لكنني أحببت أن أنقلها في هذا المضمار.
زميلنا وجيه تحدث في كلمته عن وجود مشكلة بنيوية، وأنا أعتقد أن المشكلة البنيوية ليست مشكلة، فالبنية الخاصة بنا صحيحة، ولكن حدث مشكلات خاطئة في المنطقة أثرّت على بنيتنا، علما أنه كان من اللازم أن نكون نحن نموذجا للمنطقة، لا أن نأخذ النموذج منها. أنا هنا أريد الدفاع عن البنية اللبنانية، منطلقا به بالاستناد إلى ولادة شيء من القرن العشرين إسمه العلوم الاجتماعية التي هي برأيي بدعة، وقد وُلدت من جدال دار في أواخر القرن التاسع عشر بين داروين وأفكاره وبين المدافعين عن ثوابت الايمان. فأصبح هناك علم اجتماعي وعلم سياسي ومجموعة من الأفكار التي ينبغي لنا اتباعها في سياق العلم الذي ينتج الجدل ويحدد مقولاته.
من هنا أصبح لدينا بنية اجتماعية من جهة، وعلوم سياسية تحدد لنا كيف نحاكي البنية الاجتماعية، فكان أن صدّقنا العلوم السياسية وذهبنا إلى محاولة تغيير المجتمع كي يتماشى مع الأفكار، بدل أن نغير الأفكار كي تتماشى مع المجتمع. ويمكنني ذكر أمثلة عما حدث في القرن العشرين، فأتاتورك كان أهم مثال، تلاه الناصري والبعث، ثم ستالين وغيره، هذه الفكرة أدت إلى كوارث كلنا نعرفها.
بالنسبة إلى بنيتنا، فيمكن القول إنها نتيجة عدة عصور رجوعا إلى العصر المملوكي، فعندنا نظام يعترف بالملل، حتى في العصر العثماني، ويعترف بالجهات الخارجية، فنحن تربينا مع جيران للبلد نحترمهم ونزورهم مع علمنا أن لديهم علاقات خارجية لا تناسبنا.

{أتى حزب الله وكان امتدادا لحركة في المنطقة كلها بدأت في الخمسينات مع حركة تحرير إيران}

هذه هي ثقافتنا، فنحن لا نقمع مجموعة من الناس لكونها اتبعت موجة خارجية،علما أن الموجات الخارجية كانت قوية، مثل الموجة الناصرية التي كانت قوية واجتاحت كل المنطقة وغيرت الكثير من الأنظمة. نحن في بنية بلدنا لم نكن على نظام واحد وصارم، كنا نحترم الآخر ونرجىء المشكلة. وقد كان من الطبيعي في لبنان أن عددا كبيرا من اللبنانيين سارعوا إلى احتضان الفلسطينيين، ومنظمة التحرير الفلسطينية تأسست في لبنان وأصبح لديها إمدادات خارجية ومؤسسات وأصبحت دولة ضمن دولة، ولم يتسن لها أن تفعل ما فعلته في لبنان، لا في مصر ولا في سوريا ولا في العراق ولا في الأردن، لبنان هو البلد الوحيد الذي احتضنها. إتفاق القاهرة لم يكن إتفاقا بين لبنان ومنظمة التحرير، فقد كنا نحن اللبنانيين مختلفين وتم انجاز اتفاق القاهرة من أجل إحداث التوافق فيما بيننا.إذ لو كنا متوافقين لطردنا منظمة التحرير من بلدنا آنذاك.
أتى حزب الله وكان امتدادا لحركة في المنطقة كلها بدأت في الخمسينات مع حركة تحرير إيران وكان الامام موسى الصدر منها، وصادف أنه قد تم مجيء مجموعة منهم مع الصدر، إلى لبنان وأصبح لبنان هو المحل الذي تأسس فيه حزب الله الذي هو الجزء الأكثر تطرُّفا وتأسُّسا من حركة أمل. وأصبح حزب الله اليوم دولة ضمن دولة لذلك نحن نحتاج إلى التوافق الداخلي وليس الخارجي. ونظامنا يسمح بهذا الأمر، فعندما تأسس لبنان من مائة سنة، كان مشروعا مارونيا وكان نصف الموارنة ضده، والسنة ضده والشيعة ضده والدروز أيضا.
بالنسبة لموضوع المفاوضات، أنا أقترح شعارا تحت عنوان “تَوازي المساريْن” بدل شعا تلازم المسارين الذي كان أيام 17 أيار. فتوازي المسارين يصل بنا إلى مسارين منفصلين تماما غير متصلين ببعض وكل مسار منهما يحل مشكلة مختلفة، وأساس أحد هذين المسارين هو اتفاق 17 أيار 1983، والمسار الثاني أساسه إتفاق الطائف. بمعنى أن المفاوضات مع إسرائيل للسلام وتعتمد على اتفاق 17 أيار، وأن المفاوضات مع حزب الله تعتمد على اتفاق الطائف، من غير أن ندمجهما مع بعض.

{الإطار الحالي ضمن الاتفاق الذي أبرم سنة 2024 فإن الدولة اللبنانية كانت تطبق قرارا لم تفاوض هي عليه،}

في الإطار الحالي القائم على قرار 1701 الذي كان في عهد حكومة دولة الرئيس السنيورة، كانت الامور منتظمة ومضبوطة، أما الإطار الحالي ضمن الاتفاق الذي أبرم في تشرين الثاني سنة 2024 فإن الدولة اللبنانية كانت تطبق قرارا لم تفاوض هي عليه، وتدفع حساب حرب لم تكن هي التي شنّتها، وتزرح تحت شروط لا تستطيع أن تنفذها. حتى إن سقف ال 1701 هو عبارة وقف الأعمال العدائية، وليس عبارة نهاية الحرب أو حالة سلم.
من هنا إذا نحن طرحنا 17 أيار مع إسرائيل، ففي الدقيقة التي تضع فيها هذا الاتفاق على الطاولة فمعنى ذلك أننا أوشكنا على الحديث عن نهاية الحرب. فهذا ما تضمنه اتفاق 17 أيار ولم يكن يتضمن الحديث عن التطبيع ولا عن الابراهيمية ولا شيء من هذا القبيل.
إن الدولة اللبنانية اليوم لديها استراتيجية للتفاوض وهي تتواصل مع أطراف وجهات داخلية وإقليمية ودولية عديدة، فيما الأطراف العربية مختلفة مع بعضها البعض، وكذلك الأطراف الدولية، من هنا أرى أن طرح 17 أيار يحل الكثير من المشاكل. فإسرائيل كانت تريد الخروج من لبنان فاستدعتها المقاومة وجعلتها تدخل مرة جديدة إلى لبنان لتتوافر شروط المقاومة وبقاء المقاومة!!
أما بالنسبة للحل واستشراف آفاقه فأستعيره من الدكتور محمد شطح، ففي سنة 2016 أتى وفد سويسري إلى لبنان لإجراء حوار داخلي بين اللبنانيين فأخذت الوفد إلى الدكتور شطح، فقال لهم إن الحوار موجود بين اللبنانيين، وأنه هو شخصيا فاتح حوار مع الحزب على أسس ثابتة، بمعنى أننا نحترم أفكارهم وهم يحترمون أفكارنا.
نحن لن نحل قصة النووي الإيراني في محاوراتنا الداخلية، ولا قصة الصراع الأميركي الإيراني، وليس بالضرورة أن نكون نحن ساحة المعركة، نحن علينا أن نحل مشاكلنا الداخلية ونسيّر أمور البلد من كهرباء ونفايات وغير ذلك من الخدمات، فالنظام اللبناني ليس هو المشكلة بل هو الحل، لأن المتضاربين في المواقف والمختلفين في الأفكار بإمكانهم أن يتعايشوا فيه.

زر الذهاب إلى الأعلى