شربل داغر/ الشعر لم يصمت بل بات الاستماع إليه ضعيفاً

هل انتهى الشعر ؟
لا، لم ينتهِ بدليلِ أنكم هنا، وأننا هنا؛ بدليلِ أننا نتحدث عنه.
هل انتهى الشعر ؟
لا لم ينتهِ، بل تسري لحظة سجالية جديدة تريد أن تمحو ما قبلها لكي تتأكد من وجودها.
حديثُ النهايات هو حديث البدايات بمعنى ما؛ حديثٌ يتخذ طابع التأسيس، كما لو أنه سِفرُ تكوينٍ جديد.
في قديم القرون كانوا يتوقعون النهايات، بين إبلاغات السحر والغيب والدين. وفي الأزمنة المتأخرة، بدأ الحديث عن البدايات الماحقة لما قبلها، لاسيما في الخطاب الغربي؛ وهو حديثُ نهاياتٍ مع مفعولٍ رجعي: الحداثة، وما بعد الحداثة، وما بعد بعد الحداثة…
لو عدتُ الى بداياتي في الدرس، أو في كتابة الشعر، في السبعينيات من القرن الماضي، لتنبهتُ، منذ ذلك الوقت، إلى أن الدارسِين، إذ يدرسون تاريخهم الثقافي والشعري، القديم أو المتأخر، يعاملونه وفق منظورات راهنهم في الغالب.
هذا السؤال عن “نهاية” الشعر سؤال عربي بامتياز، على ما أزعم. سؤال سبق لي أن تبينته عند نقاد وصحفيين كثيرين منذ السبعينيات من القرن الماضي: سؤال انحصر في معرفة دواعي “الغموض” في الشعر؛ وهي تسمية ملطفة لما كانوا يعتبرونه عيباً، وهو أن الشعر لا يصل، لا يبلغ جمهوراً، جمهوراً عريضاً، مثلما يبلغها صوت عبد الناصر أو أم كلثوم.
هذا السؤال سرى حتى في النظر إلى الماضي الشعري القديم، إذ جرى التعامل معه على أنه كان جماهيرياً، مسموعاً، أكثر من شعر السبعينيات، فيما لم يكن يبلغ هذا الشعر القديم سوى أعداد من الشعراء والبلاغيين في البلاطات والمجالس، وفي حوانيت الناسخين.
هذا السؤال تعاظم في الحديث مؤخراً عن أن الرواية باتت “ديوان العرب”…
***
لعلي أتحدث معكم بصوتين في لسان واحد، بين كوني شاعراً، وكوني دارساً للشعر .وهما صوتان يلتقيان قي بعض الجواب، ويختلفان في بعض الجواب، على أن في هذا ما قد يطيل الجواب، أو ما يجعله يتأتئ في تلجلج الكلام.
{لم يكن الشعر العربي في تاريخه جماهيرياً، وإنما كان الاحتياج إليه واسعاً وثميناً في عالَم الخاصّة}
لم يختفِ صوت الشعر في عالم العربية الحالي، بل تتخطى أعداده الآلاف، وزادت وسائل التواصل الاجتماعي من ذيوعه، ومن طلبِ المضي فيه.
لم يكن الشعر العربي في تاريخه جماهيرياً، وإنما كان الاحتياج إليه واسعاً وثميناً في عالَم الخاصة، أي بين المتأدبين. هذا ما بانت الحاجة إليه في تفسير القرآن، في جمع ألفاظ العربية، في استخلاص قواعد للأوزان، للإعراب، والبلاغة… المكانة العالية التي كانت للشعر (وليس في ثقافتنا وحدها) جعلت منه المتنَ والمقاييسَ ومعاييرَ الجودة من دون أن ينافسه أحد…
هذه المكانة تبدلتْ، وباتت للثقافة، حالياً، مراتب مختلفة، ليس أقلها أن الصورة باتت تتصدر غيرها، وأن وسائل “الترفيه” (كما تسميها الثقافة الأميركية) باتت تجتذب الملايين.
الشعر، في هذا، لم يصمت، بل بات الاستماع إليه ضعيفاً في زمن مادونا وعادل إمام وعمرو دياب.
الشعر لم يصمت، إلا أن دور النشر تنصرف عنه، كما تنصرف منذ عقود قليلة عن نشر الكتب في درس الشعر.
الشعر لم يصمت، إلا أن الاستماع إليه يحتاج إلى القرب منه، إلى جلساته الفردية، الحميمة أكاد أقول.
الشعر لم يصمت، لكن الذائقة التي يحتاجها الشعر باتت تتدنى في التلقي.
وإذا كانت تعابير الثقافة السياسية السابقة (من قومية، ويسارية وغيرها) كانت تستند إلى بعض الشعر الحديث، من نيرودا إلى الجواهري أو درويش، فإن الثقافة الحالية السارية تُسقط الشعر من حسابها، من رهاناتها، وتبقيه في دائرة الإهمال.
الشعر له صوت، له أصوات، ولكن هل نُقبل عليه ؟
***
الشعر مفردٌ، ولكن ليس بصيغة الجمع.
الشعر صوت، ولكن ليس كما يصفه “كتاب الأغاني”، إذ يربطه بما كان يُغنى من شعر.
الشعر صوت صامت في بعضه، مِمّا يغور أو يطير من دون أن يحط فوق غصن.
القصيدة صوتٌ مفرد عند امرئ القيس.
صوتٌ مفرد عند المتنبي، لكنه يتلوى بين شكوى الزمن ولزوم التوجه إلى ممدوح ومجلس.
صوت مفرد، وإن يعتلي منصة، أو حشداً في تظاهرة.
هذا الصوت قديم، من أقدم ما أنتجتْه تعبيرات الإنسان في وحشة الوجود، أو في انفتاحه على ما يُعبِّر عنه.
صوت أقدمُ، وأبقى، مما تطالعُه تموجاتُ الثقافة في الزمن، وفي التداول.
صوتٌ أقرب إلى المسارَّة، إلى التراسل، إلى التطلع، وإلى اقتراحِ ما ليس ممكناً إلا في الخيال.
لعل الخيال يتناقص، إن لم يزنْ في حسابات المال والمكانة، أو بات من الخردة.
{القصيدة تبقى في استعارةٍ أوسعَ من رواية أو فيلم تبقى شغفَ الطير في طيرانه، قبل غصنه}
القصيدة تبقى، في استعارةٍ، أوسعَ من رواية، أو فيلم : تبقى شغفَ الطير في طيرانه، قبل غصنه؛ تبقى ما لا يُمسُّ، أو لا يُوضع في حقيبة، أو في مصرف… تبقى تلك الحرية المفتوحة على غير الممكن.
الشعر وحيد، وإن علتْ قامة الشعر في ثقافته.
الشعر صوته مهموس، وإن علتْ بعض أبياته في تظاهرة، أو في مثلٍ سائر.
الشعر لا يغيب، وإن لا يَظهر في شاشات التلفزيون، الأجنبي كما المحلي.
ذلك أن الشعر صعب، عالي الكلفة الجمالية، ويُخاتل باللغة، ما لا يجد العناية به، والإقبال عليه، إلا في نطاقات ضيقة.
الشعر لا يناسب الجماهيرية، ولا النزول إلى جمهور معدودِ اللغة، ومحدودِ التطلبات الجمالية.
الشعر عالي الرفعة. كان ينافس الغيب، والسحر، ويبادر مثلما يناوش الغامض والمقبل في عتمة اللفظ.
إنه العالي، الذي لا يُطال حتى من كاتبه.
السؤال لا يكون : كيف للشعر أن يكون بمتناول الجمهور، بل يكون السؤال : كيف للجمهور، لبعضه، أن يكون في متناول القصيدة ؟
أعاود طرح السؤال : هل انتهى الشعر ؟
لا، لم ينتهِ، إلا أنه – مؤكداً – يعاني في دورة تداول مختلفة، غير مسبوقة.
قد تغوي الصورة الممتدة أكثر من الاستعارة…
تجذب الأغنية حكماً أكثر من القصيدة…
الرواية تنتشر، لا بقدراتها العجيبة الخاصة، وإنما بما للذائقة العامة في القراءة، أو في المسلسل التلفزيوني، أو في الفيلم المتشبه بالرواية أو المأخوذ منها، وبما تَطلبه الذائقة العامة من وجبة ميسرة : تقرأها وأنت في قطار، أو مستلقٍ تحت مظلة.
تطلبات القصيدة في غير جانب من بنائها، أو من تعبيراتها اللغوية كما الجمالية، باتت لا تبارى بما تتيحه وتبيحه مستويات التلقي، على الرغم مما زاد مع التعلم وحضور الثقافة المدني، بل الحماهيري في بعض تجلياته.
سؤال الشعر، وموته، سؤال عربي، ما دام نشر الشعر في بلاد أجنبية يحتاج إلى دعم مؤسسات رسمية أو ثقافية، فيما لا نجد هذا في هذه البلاد، إلا في دور نشر محدودة، أو في دعم أدونيس لنشر بعض أعمال بعض الشاعرات والشعراء.
الثقافة عليلة في إجمالها، فلا تتوافر لأي كاتب – في حدود ما أعلم – إمكانية العيش من قلمه.
حتى من يفوزون بجائزة الرواية هنا أو هناك هل يعيشون من قلمهم ؟ هل تفلح رواياتهم المترجمة في حصد جمهور متتابع ومتنام ؟
يعيبون على شعراء أنهم يكتبون روايات، لكن السؤال : هل يقوى روائيون على كتابة مجموعات شعرية ؟
***
هذا الكلام عن “نهاية” الشعر يخالف على الأقل ما قاله هايدغر عنه : “الشعر، وحده، يقوى على التقاط الضوء في منتصف ليل العالم”. فهلا نجد، في تفلسف هايدغر، ما غاب عند كثيرين، بمن فيهم الفلاسفة أنفسهم ؟
ينتبه قارئ كتب هايدغر ومحاضراته إلى أنه انصرف، في الثلاثينيات من القرن الماضي، وبعده، انصرافاً يكاد أن يكون بدءاً جديداً لتفلسفه، إذ طلبَ، منذ العام 1934، التوجه صوب شعر هولدرلين، مريداً له، بل متحققاً من أنهما – سواء الشعر أو الفلسفة – “يجعلان الكائن في عهدتهما”.
هذا ما يُجمله هايدغر في القول : “المفكر يقول الكائن. الشاعر يقول المقدَّس (في”ما الماورائيات ؟”). وهو ما يمكن التحقق منه في كتابه:”المضي في اتجاه الكلام” في العام 1959، الذي وسَّعَ فيه دائرة السؤال عن الشعر وفيه، إذ تناول كذلك شعر نوفاليس (1772-1801)، وجورج تراكل (1887-1914)، وستيفان جورج (1868-1933)…
ما يمكن ملاحظته هو أن هايدغر اعتنى بشعراء ألمان من دون غيرهم، على الرغم من صداقته المتأخرة مع الشاعر الفرنسي رينيه شار (في العقود الأخيرة من حياته، وفي “أول” خروج له من ألمانيا نفسها). كما يمكن القول إن عنايته بالشعراء المذكورين عنت “تجذراً” بيناً في ألمانيا نفسها، وهو ما يُربك إذ يربط هذه العناية بكيانية “جرمانية” : “إنهم الشعراء مَن يُعلنون، في قولهم، الكائنَ المقبِل في شعب، في تاريخه، والذي نغفل عن الاستماع إليه حتماً” (“أناشيد هولدرلين”). كما يكتب كذلك:”إن اللغةَ هي القصيدةُ الأصلية التي يصوغ فيها الكينونةَ شعبٌ. ويمكن، بعبارة معكوسة، أن نقول:إن الشعر العظيم الذي يدخل به شعبٌ التاريخَ، هو الذي يفتتح مسيرة تشكيل لغة هذا الشعب. الإغريق أبدعوا هذا الشعر العظيم مع هوميروس وعرفوه”.
{الشعر لا يَنقل أو يُبَلِّغ خبراً أو عاطفة أو شعوراً ولا يَصف العالَم بل هو يتكلم لاسيما بلغة الشعر}
حديث هايدغر عن الشعر (الذي لن ينقطع عنه في سنوات تفلسفه المديدة) يستثير لدى الشاعر، أو دارس الشعر، مثلي، شعوراً انفتاحياً قريباً مما أحدثَه في نفسي ذلك الأفق المنير الذي للقصيدة عندما أشاعت فيَّ ذلك الوعد. هذا ما وجدَه هايدغر حاصلاً، متحققاً، بين الإغريق والشعر. فالشعر لا يَنقل، أو يُبَلِّغ، خبراً، أو عاطفة، أو شعوراً، ولا يَصف العالَم، بل هو يتكلم، لاسيما بلغة الشعر، ويَجعل الكينونة ممكنة، بل حاصلة. وهو ليس أي كلام، بل “الكلام الخلاق” الذي له أن يكون في لغة الشعر من دون غيرها؛ هذه اللغة التي ينبثق منها الأصل، الذي هو الشعر نفسه. هكذا لا تكون لغة الشعر قولاً، كلاماً وحسب، وإنما هي أيضاً “فعلٌ” يجعل ما لم يكن ممكناً ظاهراً، وماثلاً. وهو ما يُكمل ما قاله هولدرلين نفسه، إذ إن “ما يَبقى”، الشعراء “يتكفلون به”، أو “يتعهدونه”. فقد تكلم هايدغر عن “هروب الآلهة القديمة”، ولكن السؤال : أين تخفوا ؟ ألم يعد ظهورَهم ممكناً ؟ ألا يكون لغيرهم (لمن ؟) أن يظهروا بدلاً منهم ؟
ما يجب إيضاحه في هذا المجال، هو أن هايدغر انصرف لدرس الشعر، بوصفه لغة، أكثر مما صرفه لدرس اللوحة بوصفها “بدءاً” لِما ليس له أصل. ويعود الاهتمام الزائد، والمتكرر، بالشعر إلى أنه ينبني على وجود التشارك في اللغة : بين الشعر والفلسفة، وبين الشعر والكلام (أي الكائن نفسه)، أي الحدوث نفسه. ذلك أن اللغة ليست واسطة تواصل، أو إبلاغ، ومتاحة للجميع، إذ، بذلك، تكون لغة فائتة، خاسرة، متدهورة، مصابة، ما يُهدد، بالتالي، ما للكائن أن يكون عليه، ما يُضعف كينونته، ويفقده بعض وجوده المميز. هذا ما يجعل هايدغر يتعامل مع اللغة تعاملاً مختلفاً، لا يجعل منها “لباساً لأفكار”، بل كونها من “الماهية” التأسيسية للكائن. أي أن الفيلسوف يطلب التعامل الفلسفي، لا المنطقي، ولا الأدبي، مع اللغة بين حاصلها وانفتاحها. هذا ما تتوكل به الفلسفة؛ وهو ما باشرته الفلسفة منذ الإغريق، إذ لم تكن، معهم، وسيلة لمعاينة “الظواهر الطبيعية”، وإنما انطلقت – على العكس من ذلك – من معاينة الشعر الذي هو قيد التفكر، لتبلغ به هذه “الفتحة” في اتجاه الأصل : الأسطورة، عند الإغريق، عنتْ الكلام التفكيري؛ وعنى القولُ ما يجعل العالَم ظاهراً، بيناً : هذا ما تقوى عليه لغة الشعر أكثر من غيرها، إذ تجعل ما هو ماثل-محتجِب في آن، ممكن الوجود. هذا يساوي، بالتالي، أن لغة الشعر تعني عنده “الكلام الأساسي”، أي ما يبيح لـ”الأشياء” أن تتكشف كما هي.
كلام هايدغر في الشعر يرتاح له الشعراء، بل يتباهون به، إذ هو الفيلسوف – الأخير واقعاً – الذي جعل من الشعر سنداً لانكشاف الكينونة في الفلسفة. بل قام بأكثر من ذلك، إذ جعل الشعراء – عدداً منهم، في الواقع – يتصدرون القول في المدينة، في الشعب، في القومية، بعد أن طردهم منها أفلاطون.
إلا ان ما قاله هايدغر يبقى – مع ذلك – مدار ملاحظات :
– تحدث عن الشعر، لا عن القصيدة؛
– تحدث عن شعراء بعينهم، من دون غيرهم؛
– تحدث عن “جرمانية” ما، هي التي كان يتطلع إليها…
هذا يعني – وهناك غيرها من الملاحظات – أن كلامه يبقى ثقافي النزعة، أي جزئياً، لا فلسفياً، أي كلياً.
قد يكون كلام هايدغر عن الشعر، وعن رفعته الجمالية، آخرَ الكلام الفلسفي العالي في تقدير القصيدة. إلا أن، في كلامه، تلابساً في صيغة مثيرة عن “الشاعر الفوهرر”، عن صانع الروح الجرمانية، المسندة إلى التفلسف الإغريقي.
لهذا أقول إن ارتباط هايدغر بالنازية، في سنواتها الأولى، لم يكن حادثاً عابراً، ولا تصيدَ مكانةٍ أو منصب، وإنما صدر عمَّا فكَّرَ فيه وسعى إليه. ولهذا، كان خروجه ونقده للنازية طاولا عنصرَين متلازمَين فيها (بين البيولوجية والعنصرية)، ولم يُصِبْ جوهر الثالوث المقدس في فكره.
{كيف للقصيدة أن تنافس ما تبلغه منافسات الاستثمار المتعيّنة قي أعمال الفنون البصرية؟}
ما يستوقف، في موقف من تابعوا نهجه الفلسفي، مثل جاك ديريدا وغيره، هو أنهم لم يبالوا بالشعر بعده، يل أسقطوه في درسهم، إذ اختاروا اللوحة ومثيلاتها لمعاينة الجمالي كما الوجودي .
هذا ما يشير إلى ما سبق أن تحدثت عنه، في غير دراسة وكتاب، وهو أن أصحاب الفكر المجرَّد، مثل هايدغر وديريدا بعده، يُقرُّون بما هو حاصل في تداول المجتمع، أي الأهمية المتعاظمة للوحة في الاستثمارات، ولاسيما عند فان كوخ، جاعلين من هذا “الأصل” المتولد من نفسه (حسب تحديد ميشال فوكو للحداثة في تجليها الأول) بدل الأصل الماورائي وغيره.
خرج التفلسف بل قطع مع الماوراء، وانصرف إلى الوجود وإلى الكينونة فيه، لكنه بدل أن يعاين بأدوات التفقد والفحص – وهي أدوات علوم الإنسان -، انصرفَ (من حيث يعلم أو لا يعلم) إلى ما هو مقر في التداول… هذا ما تجنبَه فلاسفة سابقون ممن اعتنوا بدرس “السلع” أو “البضاعات” الثقافية، كما يسمونها. وهي إنتاجات وقعتْ وتقع بصورة مزيدة في النسق الجماهيري،وبلغتْ في العقود الأخيرة النسق العولمي…
كيف للقصيدة بالتالي أن تنافس السروال الحميمي لمادونا ؟ كيف للقصيدة أن تنافس ما تبلغه منافسات الاستثمار المتعينة قي أعمال الفنون البصرية والأدائية ؟
هكذا ثقافات ورؤى فلسفية او اعتقادية حاربت الشعر، ووظيفة الشاعر، فطردَه التفلسف من “المدينة الفاضلة”، وجعل التنزيلُ الشعراءَ “يهيمون” في وادي عبقر… إلا أن هذا وغيره لم يُبطل الشعر أبداً، بل أبقى له فسحة واسعة – إن أمكن القول – بين الحس الوجودي، والتخيل الاحتمالي أو المجاني، والمتعاليات، وجعله، بالتالي، يُبلبل ما كان يتسيد أو ينتظم.
{لن تنتهي القصيدة عن مشاغلة احتمالات التخييل في قصيدة، إلا أن رقعة تنفسها تضيق أكثر وأكثر}
هذا ما جعله يصيب أهل الخاصة، بين حكام وفلاسفة وقضاة نحو وبلاغة… وهذا ما جعله، بالتالي، يقع في نزاع دائم مع الساري، ومع غيره من إنتاجات اللغة والقيمة والذائقة.
لم ينته الشعر، ولن تنتهي القصيدة عن مشاغلة احتمالات التخييل في قصيدة، إلا أن رقعة تنفسها تضيق أكثر وأكثر، ولن توسع منها سوى تنمية الثقافة، ولاسيما الكتابية، في تداول المجتمعات.
*
مع ذلك، أقول : لا ينتهي الشعر، بل يغور صوته في مناخات صعبة.
ما يشغلني ليس أي نهاية أو بداية.
ما يشغلني هو الشعر نفسه، على أن القصيدة سعيٌّ صوبه، ليس إلا.
ما يربطني بزمني، لا يتعين في قضية، أو واجب، أو مهمة، بل ما يجعل من الإقبال، من الإقبال على الشعر، نوعاً من الاحتياج النفعي والخالص في آن.
ما يشغلني، هو ما يشغل غيري، ليس في لبنان وحده، وإنما في غيره أيضاً، وهو سؤال الشعر عن نفسه.
ما يكون الشعر ؟ أهو سؤال في الكينونة قبل أن يكون في التعبير ؟
هذا الشاغلُ يشملني مع غيري، أياً كانوا، وأينما كانوا، في قديم الشعر ومختلفه.
يشغلني في ذلك النفَس المتصاعد، في ذلك التلفظ، في ذلك التنامي المندغم في الكينونة، في الوجود.
مع ذلك، أقول : لن ينتهي الشعر، إذ يرتبط بالنفَس – نفَس الحياة، ويعني – واقعاً – نفَس حياة أخرى، ممكنة.
القصيدة أنفة اللغة، واعتزازُها بدورانها المختلف، بجريانها المباغت.
هي ما يأتي، فلا تنتظروها حيث تنتظرون. هي الهبة، فلا تبخلوا علينا بمفاجأة المراوغة والمراودة : مراودةُ اللغة عما تكتنفه، وتبثه مثل وعد، ومناوشتُها حيث تقيم، وتشخر…
للشعر، مثل الحلم، حياة أخرى، مزيدة، خفية : ما لا تقولُه الحياة، يقولُه الحلم. وهو حال القصيدة أيضاً.
*نص المحاضرة التي ألقاها الشاعر شربل داغر في الندوة التي نظمها النادي الثقافي العربي بتاريخ 13 شباط 2026 بعنوان”هل انتهى الشعر؟”



