غادة علي كلش / إبداعات الأرمن في رفد الثّقافة والفنون في لبنان

غادة علي كلش
شكّل دور الارمن في لبنان، بداية الإنطلاقة الذهبية لرسم أوجه الحياة الثقافية اللبنانية، بدءا من حقبة الستينات من القرن العشرين، وذلك من خلال الاجتراحات الثقافية والمسرحية والفنية والتلفازية والهندسية والصحافية، التي اجترحها المبدعون الارمنيون، في قطاعات إبداعية شتى، ولم يبخلوا في جزل العطاء لوطنهم الثاني لبنان، وفي تلقيح تربة الابداع اللبناني بتراثهم وخلفيتهم الحضارية، من جهة، والاستمزاج بتربته الموغلة في الجمالية اللبنانية- العربية، من جهة مقابلة.
فهل ينطبق مصطلح التلاقح الثقافي، على نسيج الأرمن اللبنانيين، المُتصلين بالحياة الثقافية في لبنان. أم أنّ مصطلح الاندماج الثقافي هو الأكثر دقّة وصحّة في منهجيات التطبيق؟ ربما تكون صفة التعددية الثقافية هي الأقرب، في المفهوم الاستدلالي لدور الأرمن، على الساحة اللبنانية، خصوصاً أنّ قوميّتهم الأرمينيّة، تتنافى والقومية العربية، على صعيد الهوية والتاريخ والحضارة. وتتقاطع معها، على صعيد الأرض والإبداع والمهارة.
أيّاً كان الجواب الأصحّ، تبقى الحقيقة راسخة بأوتادها في صلب الثقافة اللبنانية، وهي أنّ الأرمن كانوا السبّاقين إلى اختراق القطاعات الفنية، ابتداء من حقبة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين المنصرم، من خلال البحث عن حداثة ذاتية عبر “أرمنتهم”، ومن خلال البحث عن حداثة ثنائية عبر “لبْننتهم”. وذلك ضمن تعاونهم الوطيد، مع المبدعين اللبنانيين أنفسهم. الأمر الذي مهّد لتمايز جديد في المعترك الثقافي والفني في لبنان، وضخّ فيه مزيجاً نادراً من المخزون الاختباري الجمالي الأرمني، ومن المخزون الاختباري الجمالي اللبناني. فبذل كل من المثقفين الأرمن واللبنانيين على حد سواء، أعمالهم التجريبية، في قطاعات السينما والمسرح والتلفزيون والرسم والنحت والتصوير الفوتوغرافي والموسيقى والفولوكلور التراثي. وقد شكّل هذا التفاعل الاندماجي الثقافي مُحرّكاً أساسياً لعطاءات الأرمن الإبداعية على الساحة اللبنانية، حيث بدأت طلائع تلك العطاءات مع استقرار الآلاف من الأرمن في لبنان، قبل حوالي مئة عام، فانفتحوا بالرغم من انطوائهم، على المشهد الثقافي اللبناني، الذي كان يتلمّس بدوره، في تلك الحقبة من منتصف القرن الفائت، دروبه الجديدة، عبر محاكاة الغرب من جهة، وملاقاة الهوية من جهة ثانية، وتجديد الذات من جهة ثالثة. وممّا لا ريب فيه، أنّ اندماج أبناء الجالية الأرمنية في النسيج الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والإعلامي والثقافي والصناعي في لبنان، شكّل إمتيازًا فنيًّا مهمًّا للبلد، قوامه أسس التفاعل “الكيميائي” – إنْ صحّت الاستعارة – التي أدّت إلى فتح قنوات جديدة، بدءًا من صناعة السينما اللبنانية، مرورًا بهندسة الاضاءة والصوت في قطاعي المسرح والتلفزيون، وصولاً إلى تعزيز البعد التعبيري في فنّ التصوير الفوتوغرافي عبر مفاهيمية الزمان والحضور والمكان، إنتهاءً إلى جوهر الارتقاء بالأعمال التشكيلية، نحو مستويات ندّية عالمية.
عند هذا المفصل، نرى أنّ الأعمال والتجارب الفنية التي قدّمها كبار المثقفين من الأرمن -اللبنانيين، قد تمتّعت بخلائط الجمالية الأرمينية الآتية من عذابات التهجير والتطيير، وبخلائط من الجمالية اللبنانية الساكنة في عذابات السياسة و”التطييف”. نجد ذلك في الفنون التشكيلية كافّة، عبر بصمات النحّات الراحل زافين حديشيان، وعبر أنامل الفنانين التشكيليين، جورج غوفرجيان الشهير بـ”غوف”. وهرير دياربكريان ، والراحلان الكبيران زوهراب كيشيشيان الذي أغنى الفنّ بمئات اللوحات الخلّابة بالاكواريل والغواش والإكليريك، ونشرها في مئات المعارض، وبول غيراغوسيان الذي أسّس مدرسة جديدة خاصّة به، عامِلاً على مدّ الجذور التراثية برؤية عصرية، بحيث لم يأخذ التراث كجسد، بل كتعبير روحي صرف. كما نجد ذلك في التصوير الفوتوغرافي، عبر بصمات فاروجان سيتيان “مصوّر الاعوام الثلاثين المجيدة في لبنان”.
ونجد ذلك أيضًا في الموسيقى الراحل بوغوص جيلاليان المؤلف والموزع وعازف البيانو (1927-2011)، المعروف بدوره في تشكيل موسيقى البيانو اللبنانية الحديثة، وتدريسه للفنان الكبير الراحل زياد الرحباني، والموسيقار المعاصر هاروت فازليان، الذي يُعدُّ من أهم الرائدين الموسيقيين في الوسط الفني في لبنان. فهو قائد الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية، وهو المايسترو الذي نال تقدير العالم، وشارك في تعزيز أمجلة الموسيقى، من خلال دوره في إنشاء الأوركسترات، ومن خلال تدريسه في الكونسرفاتوار الوطني اللبناني. وقد كان أحد القادة الرئيسيين للأوركسترا السمفونية اللبنانية، التي أنشئت في العام 1999. وهو يتولى اليوم تصميم وتقديم حفلات دورية، أسهمت في تفعيل التواصل الثقافي الموسيقي مع عدد من الدول الغربية. وهو إلى ذلك، قائد الفرقة الموسيقية للفنانة جوليا بطرس، وكان قاد حفلات المطربة الكبيرة فيروز في العام 2010-2011. كما قاد أول عمل مسرحي غنائي موسيقي حيّ، في تجربة كانت الأولى من نوعها عربيًا، حيث جرى عرض هذا العمل، ضمن فاعليات مهرجانات بعلبك للعام 2011 تحت عنوان “أيام صلاح الدين”.
السينما والمسرح
بالمقابل، تصدّر الفنانون الأرمن ميدان الرسم الكاريكاتوري، مع الراحل ديران عجميان الذي كان من الروّاد الأوائل في مزاولة الرسم الكاريكاتوري في لبنان. أمّا في ميدان الصناعة السينمائية اللبنانية، فقد برز هاري سركسيان الذي أخرج أول فيلم أرمني – لبناني عنوانه: “طريق الحلم”. وفي ميدان المسرح الاستعراضي الفولكلوري برز الفنان الراحل طوروس سيرانوسيان، الذي أحيا الليالي اللبنانية، وأنشأ مسرحاً وفرقة تُدعى”هماسكايين”وكانت أول فرقة تعمل على إضاءة المسرح اللبناني في العام 1941. وقد تابع أعمال هذه الفرقة بعد رحيل طوروس، جورج سركسيان. كما برز في هذا المضمار جيرارد يعقوبيان الذي قدّم الدبكة الفولكلورية، ومزج بين الفولكلور الأرمني واللبناني معاً. ولا ننسى ذكر المخرج الراحل كاري كربتيان الذي أخرج العديد من البرامج للتلفزيون اللبناني منها (أبو ملحم، مذكرات المفتش حمدي، من البادية، أجمل ليالي شهرزاد، بيروت إنتربول، الشاهد الأخير، وغيرها). أمّا المخرج الراحل برج فازليان، فقد كان لولب المسرح والتلفزيون. بدأ في العام 1953 مسيرته مع أنطوان ملتقى وجلال خوري وأسهم في تأسيس نواة المسرح اللبناني. وكان قد تزوّج من السيدة سيلفارت من أصل لبناني، وهي الممثلة المسرحية والرسامة والموسيقية التي اعتبرها ملهمته في الحياة. وقد لعبت معه أدواراً عديدة في مسرحياته. قدم للمسرح اللبناني مسرحيات باللغات الثلاث العربية والفرنسية والأرمنية أبرزها: “رحلة فاسكو” لجورج شحادة. أمّا أولى مسرحياته فكانت عام 1964 وهي “الأغلاط” لشكسبير تلتها “لعبة الاختيار” عام 1965 و”الموسم” 1967. بدأ عمله مع الرحابنة عام 1964 بمسرحية “بياع الخواتم” و”فخر الدين” عام 1966 و”الشخص” 1967 و”المحطة” 1971 وأخرج للمطربة صباح مسرحية “الفنون جنون” بطولة وسيم طبارة. وأخرج لنبيه أبو الحسن مسرحية “أخوت شاناي”. ومن أعماله السينمائية فيلم “بياع الخواتم” مثل فيه دوراً ثانوياً. و”سفر برلك”. وأخرج أكثر من 35 حلقة للتلفزيون باللغة الأرمنية. وفي طفولته أحب الرسم والمسرح واستخدم لعبة المربعات الخشبية في بناء مسرح صغير. وفي بيته لعب دور البطولة مع رفاقه في عمل من تأليف “دو موسيه” ودعا أهله كمشاهدين.
عمل مع معظم نجوم لبنان: فيروز، صباح، وديع الصافي، نصري شمس الدين، شوشو، أنطوان كرباج، نضال الأشقر، أنطوان ملتقى، روجيه عسّاف، مادونا غازي، ونبيه أبو الحسن.
أبرز أعماله “الشوشويّة” مسرحيته “لعبة الحبلين”، وأبرز أعماله مع الرحابنة مسرحية “لولو”. وعندما غادر إلى كندا عام 1976 أخرج مسرحيات أرمنية. وأخرج ومثّل في فيلم مدته 55 دقيقة بعنوان “أقرب الانسباء”. ولا ننسى مسرحية “حلم ليلة صيف” الشكسبيرية التي قُدمت لطلاب المسرح الاسباني وقدمها فازليان باللغة الأرمنية عام 1973 (تعريب جلال خوري). لقد كان برج فازليان رجل الهجرات الثلاث: هجرته مع أهله من أرمينيا الى إسطنبول، وهجرتاه هو إلى لبنان وإلى كندا حيث المنفى الأخير.
على خط آخر، يُعتبر فنّ الهندسة من الفنون الحضارية التي تتمتع بخصائص فنية أخرى وبمقاييس جمالية متداخلة ومبتكرة، ويمكننا في هذا المضمار الحديث عن دور المهندسين الأرمن في الداخل اللبناني، منهم المهندس الكبير الراحل مارديروس ألتونيان الذي بنى مبنى المجلس النيابي في وسط العاصمة، وساعة العبد، والذي شيّد مباني تراثية رائعة في العديد من المناطق اللبنانية. كما نذكر المهندس الراحل خسروف يراميان الذي شيّد الأوتوسترادات والحدائق العامة داخل بيروت وخارجها. وكيفورك كراجرجيان الذي نفذ مشاريع عمرانية مهمة في البلد.
وفي ما خصّ القطاع الصحافي، فقد نالت الصحافة في لبنان قسطاً وافراً من مهارات الأرمن، إذ نشطت الصحافة الأرمنية ، تأسيساً على الخلفية التاريخية التي تمتع بها الأرمن، فهم أوّل مَنْ أنشأ في الماضي الصحف في تركيا وروسيا، من بين شعوب الشرق الأوسط. وقد أنشأوا في السوق اللبنانية جرائد عديدة منها “أزتاك” و”أرارات” و”زارتونك”. وأطلقوا مجلات ثقافية، منها: “نورغيانك”، و”تيداك” و”أرين”. كما أسس الأرمن اللبنانيون جمعيات ثقافية، منها: “هاماسكايين”، و”نورسيرونت”، و”تكيان”. دون أن ننسى الصرح الجامعي الكائن في منطقة الصنائع في بيروت، “جامعة هايكازيان” التي تأسست في العام 1955. (وقد استقينا أغلب معلومات هذا الريبورتاج من مكتبتها الغنية) والتي تعزز دور الأرمن الأكاديمي في رفد العلوم وفي استقطاب الفئات اللبنانية كافة.
مهارات متعددة في ميادين متنوعة، امتلك نواصيها الأرمن، فلم يبخلوا بها على وطنهم الثاني لبنان، خصوصاً في ميادين الفن والثقافة والصناعة. وقد غدت تجربتهم مكتنزة بالفرادة، لا تشبه تجارب أخرى في سياق تزاوج الثقافات، أو في سياق التعددية الثقافية. حتى الفرنكوفونية لا تشابه تجربتهم، إذْ ينتج الكاتب اللبناني و(العربي) الفرنكوفوني أعماله باللغة الفرنسية، في عالم الكتابة فقط. أمّا المبدع الأرمني فهو قد أنتج وينتج أعماله في القطاعات الفنية كافّة، ويسابق نفسه فيها. واللافت، أنّ معشر الأرمن اللبنانيين الذين أتوا إلى الأراضي اللبنانية، ضمن دفعات وهجرات متتالية: (1899-1909-1915-1939) لم يذوبوا في اللغات الأخرى التي أتقنوها، وهي الفرنسية والعربية والإنكليزية، بل ظلوا متشبثين باستخدام لغتهم الأرمينية، في الوقت الذي آثروا معه الانفتاح على المصوغات الثقافية في الحياة اللبنانية (والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية بطبيعة الحال) فالتحقوا بركب المبدعين اللبنانيين الذين قدّموا للمسرح والتلفزيون والفنون التشكيلية والموسيقى والسينما – بنسب متفاوتة – عطاءات مضيئة توهّجت في دنيا الانتشار، على الصعيدين العربي والعالمي معًا.
ملح الأرض
“الأرمن ملح الأرض” عبارة قالها الرئيس الراحل كميل شمعون، واصفًا دورهم الريادي والأساسي في المرافق اللبنانية كافة. فملحهم هو التابل الأساسي لما صنعوه وقدّموه، سواء في الحياة السياسية، عبر تأسيس الأحزاب أم في الحياة الإعلامية، عبر إنشاء الصحف والمجلات والإذاعات الخاصة بهم – ونفتح قوسين في هذا المجال، لنذكر وجوهًا إعلامية بارزة اليوم، بولا يعقوبيان، زافين قيومجيان، ونيشان ديرهاروتيونيان في عالم التلفاز. وكوليت وكلوديا مرشيليان في عالم الصحافة والكتابة الدرامية المحلية – أمْ في الحياة الصناعية عبر إنشاء المصانع والمعامل، والأسواق الخاصة بمشغولات الذهب والمجوهرات ذات الصيت البعيد. أمْ عبر الحياة الأدبية التي لا يعرفها اللبنانيون كثيرًا، نظرًا لندرة الكتّاب الأرمن الذين يكتبون باللغة العربية – وثمّة إستثناء راهن يتمثّل بإصدار كاتبة أرمنية تدعى سيما كشيشيان مجموعة قصصية باللغة العربية بعنوان” المئزر 570″، تتناول فيها معاناة شعبها التاريخية العصيبة – ونظرًا لندرة القرّاء اللبنانيين الذين يعرفون اللغة الأرمينية. والجدير ذكره في هذا المضمار، إنّ الأرمن يعتزون جداً بأدبائهم، لا سيما أولئك الذين هاجروا إلى لبنان وسوريا، والذين وُلدوا فيهما. وهؤلاء الادباء اكتسبوا شهرة لامعة عند بني أترابهم وفي الأوساط العالمية. نذكر منهم ما يُعرَف برعيل المحنة: الكتّاب الراحلون موشيغ إيشخان، وأنترانيك زاروكيان وفاهي فاهيان وهو الاسم المستعار لسركيس عبدليان (22 ديسمبر 1908 – 1998)، كان شاعرا وكاتبا ومحررا ومعلما وخطيبا . وما يُعرَف برعيل ما بعد الحرب العالمية الثانية والرعيل الثالث، نذكر منهم: الشاعر الراحل سركيس غيراغوسيان وهو من أحد أهم الأصوات الشعرية في الساحة الأرمنية.
ولا يفوتنا بالطبع الوقوف عند كبير الادباء المتحدّر من أصل أرمني الراحل أديب إسحاق، الذي وُلد في دمشق وانتقل إلى بيروت التي كانت تشهد في منتصف القرن التاسع عشر نهضة سياسية وأدبية، فانغمس في الكتابة الأدبية والصحافية، وعزز علاقاته مع أدباء وكتّاب لبنانيين. فأخذ يكتب أولى مقالاته في صحيفتي «ثمرات الفنون» لمنشئها عبد القادر قباني و«التقدم» ليوسف الشلفون والخوري يوسف الدبس.
وقد أكسبه عمله في «التقدم» شهرة واسعة فبدأ الناس يتحدثون عن طلاوة أسلوبه وقوة عبارته، وانكب في هذه الفترة على الكتابة والترجمة. فترجم عن الفرنسية مسرحية أندروماك لـ«راسين» ومُثّلت بضع ليال في بيروت لمعاونة اليتيمات، كما ترجم قسماً من معجم «المعاصرين» الفرنسي، ولكن هذا القسم لم يطبع. وألف كتاباً بعنوان «نزهة الأحداق في مصارع العشاق»، كما اشترك في كتاب «آثار الدهور» (وهو أول عمل موسوعي تاريخي جغرافي في العالم العربي) مع الأديبين سليم شحادة وسليم الخوري. وقيل إنه ترجم لصاحب «التقدم» كتابين أحدهما في العادات والأخلاق، وثانيهما في الصحة، وقد طُبِعا دون ذكر اسمه.
وقد شارك إسحاق صديقه سليم النقاش في تأليف بعض الروايات وتعريب بعضها الآخر، وكأنه كان يعد نفسه للانصراف للعمل في المسرح. وكان سليم قد أعد فرقة تمثيلية في بيروت وقام بتمثيل بعض المسرحيات مقتفياً أثراً عمله مارون النقاش رائد المسرح العربي.
لا شك في أنّ المكان أو الوطن الثاني للأرمن، أي لبنان، لعب دورًا حانيًا في وجدان الجالية الأرمنية، فقد سكنوا مناطق مختلفة من بيروت، أبرزها برج حمود والدورة حيث الاكثرية الارمنية، كما توزعوا في زحلة وكسروان وعنجر وغيرها من أنحاء لبنان. وقد تميزوا بلفظ اللهجة اللبنانية بطريقة مختلفة، إذ إنّ معظم الكبار في السنّ من الارمن، كانوا يعمدون إلى تذكير المؤنث وتأنيث المذكّر لفظا.
بلغ عدد الارمن مع بداية الحرب اللبنانية في عام 1975 حوالى الـ270 ألف نسمة، مشكلين 7 في المئة من سكّان لبنان، وهم يرفضون تصنيفهم بالاقلية، وقد دفعت الاحداث الكثير منهم إلى الهجرة على غرار غيرهم من اللبنانيين، فذهبوا الى الولايات المتحدة وكندا، ما قلّص عددهم إلى نحو 200 ألف نسمة من بينهم 116 ألف ناخب يحق لهم اختيار نواب لبنانيين، وقد تمثلوا في البرلمان بستة نواب، وفي الحكومة بوزير واحد بعد سجال حول توزير ثان.
ميزات الأرمن في لبنان عديدة وكثيرة. أهمها أنّ الأرمن أبناء قومية لم تتنكّر للأرض التي احتضنتهم، بل حرثوها وشاركوا في الحصاد. حتى أنهم أسسوا المدارس والجمعيات والمؤسسات الكبرى، وبذلوا جلّ مهاراتهم في ممارسة المحاماة والهندسة والطب والصناعة. ولا يفوتنا الدور الحزبي للأرمن عبر الأحزاب الأرمنية الموجودة في لبنان وهي: (الطاشناق والهنشاك والرامغافار).
ولأنّ المشهد الثقافي والإبداعي هو غايتنا من رصد دور الأرمن على الساحة اللبنانية، نضيء ههنا على الشعر، من خلال الاستشهاد بنقاط ذكرها الشاعر الراحل سركيس غيراغوسيان في حوار لإحدى الصحف المحلية، مُعتبراً أنّ الشعر الأرمني من أوائل القرن الماضي عايش الحداثة ويمكن القول انه سبق الحداثة الشعرية في لبنان والعالم العربي بحوالى ثلاثين أو أربعين عامًا، والسبب هو أن أوائل القرن العشرين وما قبله وتحديدًا في العام 1895، بدأ عدد من الشباب في اسطنبول وأرمينيا بالسفر الى فرنسا وسويسرا وبلجيكا للتخصص الجامعي وعايشوا الحركة الشعرية آنذاك في أوروبا، وكانوا يعودون إلى ديارهم، وعدد معين منهم قام بحركة شعرية حديثة في أرمينيا، فكتبوا الشعر وكسروا الأوزان الكلاسيكية، لكنهم بقوا ملتزمين بالقافية. وكان أبرزهم دانيال فاروجان الذي كتب الكلاسيكي ومن ثم الشعر الحر. ثم جاءت مرحلة التهجير الأرمني بعد الإبادة حيث غادر أكثر من 250 ألف أرمني اسطنبول إلى باريس تحديدًا، وهناك كان لعدد كبير من الشعراء الشباب أن يختلطوا بالأجواء السوريالية، وأهمهم الشاعر والكاتب الراحل نيكوغوس سارافيان، والروائي الراحل شاهان شاهور وقد نشر هذا الأخير روايته الأولى في باريس سنة 1925 وكان يبلغ من العمر24 عاماً، وفيها تأثير الجو السوريالي الذي دخل الأدب الأرمني عامّة.
يبقى أنْ نشير إلى أن الأرمينيين إحتفلوا في العام 2012 بذكرى مرور 500 عام على نشوء الطباعة الأرمنية، وكان هاغوب ميغابارت أول من وضع كتابا في العام 1512. كما أنّ أرمينيا احتفلت بإعلانها عاصمة ثقافية عالمية للعام 2012، بناء على اختيار منظمة “اليونسكو” لها.



