رواية وروائيون

 رولا عبدالله / سعيد خطيبي ذاكرة الجزائر التي لا تهدأ

رولا عبدالله

بين المشرحة وغرفة التحقيق وعيادة العيون، تنسج رواية أغالب مجرى النهر (دار نوفل – هاشيت أنطوان، 2025) للكاتب الجزائري سعيد خطيبي سردها المتوتر كخيطٍ من القلق المتراكم في ذاكرة بلدٍ لم يبرأ من حروبه القديمة.
تدور الأحداث حول عقيلة التومي، طبيبة عيون في بوسعادة، تُتَّهم بقتل زوجها مخلوف، الطبيب الشرعي الذي تتعاون معه في سرقة قرنيات الموتى لإعادة النظر إلى الأحياء. ما يبدو جريمة فردية يتّسع تدريجاً ليصير مرآةً جماعية لجراح الجزائر بعد التحرير، حيث تختلط البراءة بالذنب، والخلاص بالخيانة.
منذ الصفحات الأولى، تُدخلنا الراوية إلى زنزانتها الضيقة التي لا تتعدى خمس خطوات، إلى خوفها وصمتها ودعائها، قبل أن تستعيد سيرة زواجها البائس من رجلٍ يحتكر المال والجسد والقرار. في جملٍ مشحونة بالمرارة، تقول للمحقق:
“لم أستطع أن أحب رجلًا أخاف منه، والرجل لا يحب امرأة يحتقرها.”
بهذه الصيغة المكثفة، يضع خطيبي بطلته في مواجهة مزدوجة: مع سلطة ذكورية تلتهم أنوثتها، ومع مجتمع يبرّر القمع باسم الشرف والقدر. أما تبريرها “الإنساني” لتجارة الأعضاء فيكشف عن المفارقة الأخلاقية التي تشغل الرواية: أين ينتهي الواجب المهني وتبدأ الجريمة؟ هل يمكن تبرير التعدي على الموتى بحجة إنقاذ الأحياء؟

{في زمن ما بعد التحرير، حين يتحول الثائر إلى متّهم، والجلاد إلى موظف محترم.}

لكن خطيبي لا يكتفي بالبُعد الفردي، بل يفتح السرد على مساحة تاريخية أوسع. فوالد عقيلة، عزوز، مناضل قديم يُستدعى للتحقيق هو أيضاً، في تهمة تتقاطع فيها الحرب والسياسة والعائلة. ومن خلاله، يعيد الكاتب كتابة مصير جيلٍ من المجاهدين الذين دُفعوا إلى النسيان أو إلى القمامة

الحرفية للتاريخ:
“كان بودو قد صار صحافيًا شهيرًا بشاربه الحليق، بينما ظل أبي يسوق شاحنة نفايات… بين طرقات هذه المدينة المهترئة يلتقط قمامة أناس لا يعرفون شيئًا عن ماضيه، وهو غير مهتم بتذكيرهم.”
هنا تبلغ الرواية ذروتها الرمزية، إذ تتحول سيارة “الرينو 4” التي تلاحق البطلة إلى استعارة للماضي الاستعماري الذي لم يغادر بعد. فهذه السيارة الفرنسية التي جابت شوارع الجزائر زمن الاحتلال، عادت بعد التحرير لتجوبها بأيدٍ جزائرية، حاملةً ظلّ الفرنسي الغائب الحاضر. إنها رمز لبقاء الاستعمار في الأشياء، في تفاصيل الحياة اليومية، في “المعدن” الذي لم يُغسل من الذاكرة.
ولعلّ أجمل مشاهد الرواية ذلك الذي يزور فيه عزوز العاصمة ويتذكّر لقاءه القديم بـ “شارلي شابلن”. يظهر شابلن بوصفه رمز الإنسان البسيط الذي يقاوم قسوة العالم بالضحك، لكن وجوده في الذاكرة الجزائرية يعيد السؤال إلى جذره:
كيف يُدان الفقير الذي سرق قبعة، بينما الذين نهبوا الأرض يكرَّمون بالأوسمة؟
إنها مفارقة العدالة في زمن ما بعد التحرير، حين يتحول الثائر إلى متّهم، والجلاد إلى موظف محترم.
تتعدد الأصوات في أغالب مجرى النهر بين ضمير المتكلم للإبنة والأب، وبين الراوي العليم الذي يطلّ من حين إلى آخر كما لو كان مخرجاً مسرحياً يدير حركة الممثلين على الخشبة. هذه التعددية الصوتية تمنح الرواية نَفَساً بوليفونياً يجعل من القراءة تجربةً متوترة بين الاعتراف والسرد، بين الذاكرة والتحقيق.

{السؤال الذي يلخّص الرواية كلها: “هل نُجرف مع النهر أم نغالب مجراه؟”.}

وفي خلفية هذا البناء السردي المحكم، تتكشّف أزمنة الجزائر الموجعة: من الحرب العالمية الثانية إلى الاستقلال فالتسعينيات، في مشهدٍ تلتقي فيه خيبات الأفراد بخيبات الأمة. بين من صار وجهًا تلفزيونياً ومن بقي خلف شاحنة القمامة، وبين امرأةٍ تخلّت عن الحب وبلدٍ فقد البوصلة، يُطرح السؤال الذي يلخّص الرواية كلها: “هل نُجرف مع النهر أم نغالب مجراه؟”.
بهذا المعنى، لا تُقرأ رواية سعيد خطيبي بوصفها جريمة غامضة أو دراما نفسية فحسب، بل كعمل تأملي في الذاكرة الجزائرية الحديثة، في ما تبقّى من الثورة، وفي ما لم يتحقق من وعودها. إنها رواية عن الذاكرة بوصفها قدرًا لا مهرب منه، وعن الأفراد الذين يحملون في أجسادهم وجوه الجماعة.

زر الذهاب إلى الأعلى