نمر فريحة/ إضمحلال التوجهات الاستراتيجيّة للتربية والتعليم في لبنان

أولاً: المقصود بالإصلاح:
عندما نقول إصلاح، فهذا يعني تعديل الموجود بشكل يُظهر التغيير المطلوب. وقد يكون الإصلاح سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً أو تربوياً أو دينياً. ولكل من هذه الحقول عناصر تتشكل منها، لذلك يُتوقع أن يشمل الإصلاح معظمها أو جميعَها.
وعندما نتناول الإصلاح السياسي، فالعناصر التي تخضع لذلك كثيرة ومتعددة: بنية النظام السياسي، والمؤسسات، والدستور والقوانين.
أمّا الإصلاح التربويّ، فهو عملية تتناول البنى التربويّة الموجودة من مؤسسّات وقوانين ولوائح تنظيميّة، ويمكن إلغاء أو إضافة مؤسسة/ات، أو تعديل قوانين وتبنّي أخرى تحاكي الحاجات التّربويّة. كما يتناول الإصلاح الشقّ الأكاديميّ مثل تعديل أو تغيير الفلسفة التربويّة والاستراتيجيّة التربويّة والسياسة التربويّة والمناهج. أو وضع أسس جديدة لتوظيف معلمين وأساتذة ثانويين وجامعيين، وغير ذلك.
ثانياُ: الإصلاح السياسي:
إن الإصلاح السياسي لا يحدث تلقائياً. كما أنه لا يحدث بسلاسة في معظم الأحيان، بل يأتي نتيجة حدث كبير كالثورة أو الانقلاب أو الصراع الداخلي. فعند حدوث أحدها، يتم تغيير من في السلطة، وتأتي مجموعة جديدة تتولى شؤون البلد. وهذا لا ينطبق على لبنان بشكل جيد، بل نسبياً.
وقد حصل إصلاح سياسي في لبنان تمثل باتفاق الطائف وتعديل الدستور وغيره من القوانين الجديدة أو المعدّلة، وقد طال هذا الإصلاح قطاعات أخرى منها القطاع التربوي.
ثالثاً: الإصلاح التربوي:
ويمكن أن يحدث الإصلاح التربوي بشكل مستقل عن تغيّرات سياسية أو اقتصادية، ويحصل هذا عندما يكتشف أصحاب القرار التربوي خللاً في ناحية معينة كأداء الطلاب في اختبارات عالمية أو محلية، أو تقييم للمناهج يبين ضعفها، أو غير ذلك. أي يمكن القيام بورشة إصلاحية فيما باقي شؤون البلد على حالها. وهذا ما حدث في أمريكا عام 1983 عندما وضعت لجنة من التربويين تقريراً “أمة في خطر”، فبدأت ورشة الإصلاح من دون أن تكون هناك مشكلة سياسية أو أمنية.
رابعاً: العلاقة بين “الإصلاحَيْن”:
هل من علاقة بين الإصلاحين خصوصاً في لبنان؟ وما هي؟ وهل هي علاقة عادية (Cause and effect) أو جدلية تحتمل أوجهاً عدة في الأسباب والنتائج كما في سيرورة العملية الإصلاحية ككل؟
السلطة السياسية هي صاحبة القرار التربوي في معظم دول العالم، ومن ضمنها لبنان. لكن الدول التي تعتبر التربية وسيلة التنمية والتطوير وتنشئة الأجيال، يأخذ السياسيون فيها برأي أهل التربية، ولا يفرضون رأيهم أو وجهات نظرهم على التربويين، ولا يسلطون سيف العزل والإبعاد على رقابهم. فالسياسي يعرف حدوده، والتربوي يعرف دوره. هذا في المجتمعات الراقية.
{موقع التربية وأهمية التربية تأتي عندهم بعد الدفاع والأمن والأشغال والاتصالات والمال}
أمّا في دول العالم الثالث، فيبقى اهتمام أصحاب القرار السياسي بالتربية -وليس بأصحاب القرار التربوي- محدوداً بالمقارنة مع المواضيع الأخرى. إذ إنّ موقع التربية وأهمية التربية تأتي عندهم بعد الدفاع والأمن والأشغال والاتصالات والمال…. ويعود هذا إلى عاملين: انبهار أعضاء المجتمعات غير المتطورة بالقوة المتمثلة بهيبة السلاح، وتأثير المال، وليس بالفكر وأهل الفكر بمن فيهم التربويّون؛ والعامل الثاني هو محدودية معرفة أصحاب القرار بدور التربية في تنمية البلد ككل. كيف يتوقعون أن يتطوّر بلدهم، وينمو اقتصاده، ويزداد دخل الفرد، ويرتفع مستوى التعليم، ويسود الأمان الاجتماعي فيه، إذا لم يكونوا مهتمين بمؤسساته التربوية لتخريج طلاب مؤهلين من المعاهد والجامعات للمشاركة في هذه العملية التنموية الضخمة التي تكون على مستوى البلد، ولعقود زمنية ضمن استراتيجية عامة وطويلة الأمد؟ فالدولة التي تسعى إلى التنمية المستدامة لا يمكنها الاعتماد على الأجانب، ولا على هجرة الأدمغة منها، ولا على الفساد المستشري في مؤسساتها. فهذا الخطأ أو الخداع لا يؤدي إلى مكان اقتصادياً وتربوياً. وإذا أردنا الإشارة إلى مواضيع محددة على سبيل المثال، نطرح الأسئلة التالية: كيف تضع حكومة ما خطةً لتنمية مستدامة، وتلامذة مدارسها يعانون من الأمية في التعليم الأساسي؟ وكيف تبدأ هذه التنمية بتلمّسِ طريقها عندما يهاجر سنوياً معظم خريجي جامعاتها؟ وكيف تصدق ذاتها عندما يكون الفساد متغلغلاً بمؤسساتها؟ ببساطة، الفساد والتنمية لا يلتقيان في دولة واحدة. لذلك يكون الإصلاح السياسي شرطاً للسير قدماً في تنمية البلد بما في ذلك التنمية التربوية.
فالإصلاح السياسي سمعنا به في لبنان، لكننا لم نعشه. وقد تمثل في اتفاق الطائف وتعديل الدستور وبعض القوانين، لكن مع ضعف كبير في التطبيق. وفي كل الحالات، بقي السياسي يتدخل في موضوع التربية خصوصاً في التعيينات والعزل وبعض الأمور الأخرى. إذ إن أحد رؤساء الجمهورية عدّل قانون إنشاء المركز التربوي لأنه عيّن -مخالفة للأصول- أستاذاً جامعياً كرئيس للمركز، ولا يحمل دكتوراه في التربية كما ينص القانون، بل في حقل الكيمياء، فقام بتعديل القانون ليتناسب مع وضع من تم تعيينه. كما أن وزيراً منع توزيع كتاب التاريخ الموحد على تلامذة لبنان ظناً منه أنه يرضي السوريين عندما كانوا يهيمنون على البلد. وغيرها الكثير من حالات مشابهة.
خامساً: ما هو إنعكاس الإصلاح السياسي على التربية؟
إذا حصل الإصلاح السياسي جراء أحداث راديكالية كما ذكرنا، فلا بد له من أن يشتمل على باقي نواحي الحياة في البلد كالاقتصاد والتربية وغيرها. وما أهمية هذا الإصلاح إذا لم تكن له نتائج إيجابية يلمسها المواطنون في الحالة الاقتصادية لبلدهم، والتي تقوم على أكتاف خرّيجي المعاهد والجامعات؟
وبعد مقولة الإصلاح السياسي في لبنان التي بدأت عام 1989، كانت محاولة للإصلاح الاقتصادي والتربوي. وبدأ الأخير منذ العام 1994 وما زال مستمراً. فهل هو إصلاح فعلاً؟ أو حدث له ما حدث للإصلاح السياسي؟ ففي ذاك العام تم تقديم خطة النهوض التربوي في لبنان، وتبعها تقديم الهيكلية الجديدة للتعليم، ثم المناهج، ونظام التقييم. لكن المنجز كان وما زال أقل بكثير من المتوقع، وعلى سائر الصعد باستثناء ما طال البنى التحتية من بناء عدد من المدارس الحكومية.
{تراجع مستوى المعلمين نظراً لطريقة التعاقد التي اعتمدت، وللتدخلات السياسية في هذا الأمر}
لقد تراجع مستوى المعلمين نظراً لطريقة التعاقد التي اعتمدت، وللتدخلات السياسية في هذا الأمر، حيث أدخل عدد كبير إلى الحقل التعليمي من دون إعداد تربوي في المعاهد أو الكليات. إذ بدأ الأمر بسياسة “تأمين الحاجات”، واستمرّ حتى اليوم، وما زلنا نحاول تأمين هذه الحاجات. وبلغت نسبة المعلمين المتعاقدين في التعليم الأساسي حوالي 80%. وعندما نجلب معلّماً غير مُعَدّ إلى المدرسة، فإننا نحصل على نتيجة إنتاجية ضعيفة جدّاً. فالمعلّم هو محور العمل التربوي، من حيث تطبيق المناهج وتعليم جيل من الطلاب، وتنشئتهم كمواطنين. وإذا كان غيرَ مؤهّل لهذا الدور، فمن الطبيعي أن تأتي مخرجات المدرسة ضعيفة ما ينعكس على قطاعات عدة سيعمل بها خريجوها لاحقاً.
وننتقل من المعلم إلى المتعلم، لنسأل: ما هو مستوى طلابنا في الاختبارات الدولية؟ ولماذا يحتلون المواقع الدنيا مقارنة مع أمثالهم من طلاب الدول الأخرى بما فيها الدول العربية؟ إن أداءهم يعكس مخرجات المدرسة، ومخرجات العملية التعليمية المرتكزة على ثلاث ركائز: معلم، متعلم، ومنهج. وهذه المناهج التي وُضعت كأحد عناصر الإصلاح بعد أن مرّ على سابقتها 30 سنة، هي مناهج المادة الدراسية التقليدية القديمة، في الوقت الذي كانت دول العالم قد تبّنت مناهج المخرجات التربوية، أو المناهج التكاملية، أو المناهج المستندة إلى المعايير. وعندما بدأ العمل على تعديل مناهج 1997 في العام 2016، استغرق الأمر عقداً من الزمن حتى الآن، ولم تبصر النور بعد، في الوقت الذي لا يأخذ هكذا عمل أكثر من سنتين. فالسياسي لا يتدخل هنا ويسائل المسؤولين التربويين عن هدر الوقت والمال، بل يتدخل لإدخال أحد أنصاره في لجنة حيث يستفيد من بدل الأتعاب. والمشكلة غير المتداولة أن مؤسسة لها موازنة ضخمة، ودورها الأساسي تعديل المناهج ووضع الكتب ونماذج الامتحانات، وقد صرفت مبالغ هائلة على مدى عقدين ونيف، ولم تقدم شيئاً ملموساً في إصلاح المناهج. ويحصل كل ذلك في هذه المؤسسة من دون إجراء تقييم لإنتاجيتها، ومساءلة من تولى رئاستها. وهذا يجب أن ينطبق على المؤسسات التربوية كافة.
{الجامعات الخاصّة لم تثبت تفوّقاً منذ 1989 حتى اليوم بل جمعت نسبةً عالية من الطلاب الذين بحثوا عن مؤسسة ليكملوا دراستهم}
سادساً: الإصلاح والتعليم العالي والثورة التكنولوجية:
أمّا في التعليم العالي، فقد عانت الجامعة الوطنية وما زالت خصوصاً من التدخلات السياسية في شؤونها كافة. وعلينا الاعتراف بأنها تخلفت عما كانت عليه قبل حرب 75. ويوضع اللوم على أهل السياسة الذين رجّحوا الانتساب الحزبي على الكفاءة بالنسبة لأساتذتها. كما أن الجامعات الخاصة لم تثبت تفوقاً ظاهراً منذ 1989 حتى اليوم، بل جمعت نسبةً عالية من الطلاب الذين بحثوا عن مؤسسة ليكملوا دراستهم. ولو كانت الجامعة الوطنية تقبل الطلاب في سائر الاختصاصات، لمَ كانت الجامعات الخاصة قد استحوذت على النسبة التي لديها الآن.
وحصل أن حدثت الثورة التكنولوجية خلال هذه الفترة التي نتناولها، فأين مساهمة جامعاتنا بها؟ وأين تعليم التكنولوجيا في مدارسنا الرسمية التي ما زالت تفتقد إلى الكهرباء؟ وأين إنتاجنا في الاقتصاد الرقمي كوجه لمخرجات جامعاتنا كلها؟ إذ مقابل الاموال الضخمة التي تم ضخُّها في الحقل التربوي، هل حصّلنا ما يوازيها؟ إن ما حدث في سنغافورة جراء الثورة التكنولوجيا انعكس إيجاباً على الدخل (18,6% من الدخل العام الذي قيمته 91 مليار دولار)، وكوريا الجنوبية (13% من الدخل العام)، وماليزيا (23,5% من الناتج المحلي الإجمالي). لا أستعين بأرقام من دول متقدمة، بل من دول كانت مثلنا في سبعينيات القرن العشرين. ما حدث في هذه البلدان كان ثورة تربوية قامت بها المؤسسات التربوية بدعم وتشجيع من حكوماتها في تبني التكنولوجيا وتحويلها إلى وسيلة انتاج للاقتصاد الرقمي. وبالمقابل، ما حصل عندنا؟ وأين انتاجنا في هذا النوع من الاقتصاد؟ كان همّ السياسيين تأمين خدمات لمناصريهم ومحازبيهم على حساب المصلحة العامة، ومن دون أن يخجلوا مما كانوا يفعلونه.
{تعتبر الاستراتيجيّة التربويّة العمودَ الفقريّ للعمل التربويّ كما هي عنصر أساسيّ في عملية الإصلاح التربويّ}
سابعاً: قرارات وخطط لا يتم تنفيذها:
اتخذت قرارات كثيرة، ووضعت خطط للتطوير التربوي، لكن لم ينفذ منها شيء. يأخذ أحدهم قراراً أو يتبنى خطة لكن لا يتم تنفيذها، وما تلبث أن تضمحل كما حدث لوثيقة : التوجهات الاستراتيجية للتربية والتعليم في لبنان حتى العام 2015، والتي وضعت عام 2000، ولاستراتيجية أخرى وضعها االوزير منيمنة 2010 بعنوان: “جودة التعليم من أجل التنمية”، فأين هما؟ ولمن توضع الاستراتيجية إذا كان رأس الهرم التربوي وباقي المسؤولين والمؤسسات التربوية لا يكترثون بها؟ تعتبر الاستراتيجية التربوية العمودَ الفقري للعمل التربوي، كما هي عنصر أساسي في عملية الإصلاح التربوي، وعندما لا يتم الأخذ بها، فعلى أي أساس يعمل أصحاب القرار؟ وأين البوصلة التي يعتمدون عليها في عملهم؟ وأين الادعاءات المتكررة بالإصلاحات التربوية؟ إذ مع كل تعيين جديد، نسمع أن العمل سيكون على إصلاح الواقع، ومازال هذا الواقع المأزوم يراوح مكانه أو يتفاقم، ولا أحد يسائل أحداً.
وبعد اثنتين وثلاثين سنة على بداية عملية الإصلاح التربوي، نسأل: هل ما قمنا به كان إصلاحاً تربوياً؟ نجيب أنه ليس كل ما يسمى إصلاحاً يكون أفضل من الحالة السابقة. إذ إن تلميذ الخامس أساسي في المدرسة الحكومية مثلاَ، كان يحسن الكتابة والقراءة قبل بداية عملية الإصلاح، أما اليوم فهو في ضعف واضح وقريب من الأمية. فمن عليه الاهتمام بهكذا موضوع؟ إذ إن المسؤول عن القطاع التربوي هو الدولة، أو بتعبير أدق الحكومة، ومنذ القدم حتى اليوم. وهذا ما عبر عنه أرسطو منذ ألفين وثلاثمئة عام: “إن النظام التربوي من موجبات الدولة.. وأن تأمينه يجب أن يكون مسألة من مسائل النشاط الرسمي”. فكيف تقوم دولتنا الكريمة بدورها إذا كانت تمتنع حتى عن مراقبة ما يجري في مدارسها؟ أليس أهل السياسة هم من لا يشجع، أو حتى يعرقل، هذا الأمر؟
هذه العلاقة بين السياسة والتربية في لبنان سلبية ومؤذية لبناء أجيال الوطن، وتطغى عليها قوة السياسة. وإذا أردنا اقتراح توصية، نقول إن على السياسيين أن يكونوا صادقين بالنسبة للتربية: إما ألا يتدخلوا بشؤونها أبداً، أو أن يعتبروها أهم وسيلة لبناء الوطن، ويتعاملوا معها على هذا الأساس.
إذ لا ننسى أن المؤسسات التربوية هي التي تعد مواطني الغد، ومن سيصبحون مسؤولين سياسيين. فكلما ارتقت التربية بأخلاقيات الأجيال التي تنشئهم، كلما استطاع هؤلاء أن يرتقوا بأدائهم السياسي، وتمتين أخلاقيات العمل في هذا الحقل الهام والحساس الذي يجب ألا يبقى قائماً على تبادل المصالح، بل على رؤية وقناعة والتزام بالمصلحة العامة أي مصلحة الشعب. وهذا التفاعل يتطلب وقتاً، لكنه ضروري للرقي بالأداء السياسي في بلدنا ضمن ما يسمى “الثقافة السياسية”. وإذا كان هناك من اتجاه لإصلاح تربوي حقيقي، فلتطلق السلطة يد المتخصصين في هذا الحقل والعارفين بواطن الأمور فيه ومكامن ضعفه، وإلا سيبقى وضعُنا التربوي يراوح مكانه من حيث المستوى الضعيف والمخرجات الأضعف. وستبقى السياسة تستعمل التربية لمصالح ضيقة تساهم في تخلف هذا القطاع.
*نصّ المحاضرة التي ألقاها الدكتور نمر فريحة في النّدوة التي نظّمها “النادي الثقافي العربيّ في مقرّه في منطقة الحمراء بعنوان ” جدل الإصلاح التّربويّ والإصلاح السياسيّ”، بتاريخ30/1/2026



