ندوات ومقالات

وجيه قانصو/ لبنان وعقل الإرجاء

يوجد في التاريخ العربي الإسلامي فرقة إسمها المرجئة. المرجئة فكرة بدأت بعد حرب سفرين ضمن صراعات سياسية تحولت إلى حرب دينية، وحدثت إشكالات كثيرة وارتأت هذه الفرقة أن أفضل شيء أن لا نبحث في هذه الاشكالات وأن نرجئها ونؤجلها ونفوض أمورنا إلى الله.

عنما تترك الأمور للغيب معنى ذلك أنك تتخلى عن مسؤوليتك لمواجهة هذا الواقع، فبالتالي هي حلت مشكلة آنية ولم تحل أزمة الواقع.
هذه التجربة تنطبق علينا في لبنان، أي عقل الإرجاء والتأجيل. والمسألة اللبنانية – قبل الحديث عن الحرب – هي ليست لحظة صادمة، إنما هي إستمرارية لمسار وسياق سابق، وهي نتيجة لكل ما سبق، فلماذا نتفاجأ بما يحصل الآن؟ السبب في ذلك أننا نرجىء حل المشكلات والاستحقاقات دائما ونؤجلها إلى حين آخر، نعمل على إراحة الحاضر، ولكننا نقتل المستقبل، نريح أنفسنا ونلقي أعباء المشكلة على عاتق الاجيال القادمة. والمشكلات عندما لا يتم حلها تتصلب تماما مثل المرض الذي إن لم يعالجه صاحبه فقد يقتله. هكذا لبنان في كل سياقاته.
وقبل أن ندخل في الحديث عن حزب الله، أرى أن هنالك معضلة أهم من الحزب لا بد أن ننتبه إليها، فإذا ركزنا الاشكالية وحصرناها بحزب الله، لا نكون التفتنا إلى جوانب المشكلة وإلى التناقضات الموجودة في لبنان والتي تجعلنا نفهم ما الذي يحدث الآن ولماذا وصلنا إلى هنا وما هي الخيارات التي يمكن اتخاذها.
ما أريد قوله إن الحرب الحالية، إذا قرأنا سياقها وقرأنا الترتيبات السياسية الموجودة في البلد يجد أن هذه الحرب ستحصل. كنا نتوقع أنها ستحدث إلا أننا كنا نستبعدها من باب الأمنية، وكنا نقول لن يفعلها حزب الله. لا توجد كوابح وموانع بنيوية داخل الدولة أو الكيان أو المجتمع السياسي تمنع هذا الحدث، والغريب في الامر أنه دائما عندما تحدث أزمات في لبنان ليس فقط نؤجل حلها، بل إذا عجزنا عنها نتكيف معها، فتصبح مع الوقت هي الأصل ، والأصل الأساس يصبح هو الإستثناء. وإذا ما أردنا تعداد أداء القوى المناهضة لحزب الله، وإذا اعتبرنا أن حزب الله هو المشكلة الآن، وقرأنا كيف تعاملت هذه القوى مع مسألة سلاحه ومسألة كيانه وأدائه من البداية، نجد أنه في فترة فرض الحزب معادلة سياسية، باقي القوى صارت تتكيف معه وتُحوِّل الواقع الشاذ إلى واقع طبيعي ووُضِعتْ موازين القوى على أساسه.

{كنا متكلين على النوايا بأن الحزب لن يفعلها ولن يدخلنا في الحرب لكنه رمى بكلامه ووعوده وفعلها من غير أن يهتم برأينا}

فإذًا ما حصل اليوم هو جزء من سياق، وهذا السياق ليس سياقا على السطح، بل له تكوين بنيوي عميق، بمعنى أنه أصبح لدينا وضعية بنيوية صار يتسم بها الواقع اللبناني، ويجعل هذه الحرب محتملة وممكنة جدا جدا، فهذه الهشاشة الداخلية مع الضعف البنيوي الموجود طالت مستوى السلطة بمؤسساتها، مستوى المجتمع السياسي، ومستوى المكونات الاجتماعية نفسها. وطالما أن التكيف موجود مع الوضع الشاذ، فإن هذا التكيف يصبح له طبيعة تكوينية يمشي فيها البلد من جهة، وتسود هي من جهة مقابلة، على مستوى البلد ومستوى السياسة ومستوى الدولة.
من هنا نرى أن قرار الحرب لم يكن مفاجئا، كنا متكلين على النوايا بأن الحزب لن يفعلها ولن يدخلنا في الحرب. لكنه رمى بكلامه ووعوده وفعلها من غير أن يهتم برأينا. لقد كذب علينا.
لا شك في أن مشهد الحكومة التي تشكلت قبل كل هذه الفترة، بنينا عليها وعودا وآمالا، وهذه السلطة كانت وعودها بمجملها جيدة، وقد أخذت قرارات، ولكن هل هي قرارات أم هي كشف عن الواقع؟ عندما قالت الدولة بحصرية السلاح، فإن ما قالته لا يعد قرارا أصلا، فهذه طبيعة لازمة للدولة، هي ليست بحاجة إلى اتخاذ قرارًا بحصرية السلاح بيد الدولة. فهذا الأمر هو جزء من طبيعة الدولة، إنهم يطرحون أقوالا طبيعية جدا في بنية الدولة ويعتبرونها قرارات تاريخية، في حين أنها أقوال تكشف عن واقع . ولكن ما بين القول وبين التنفيذ هناك مشكلة عميقة أثرت على مستويين: المستوى الأول، أثرت على اقتدار الدولة، فهناك نوع من الانفصام ما بين الشرعية والقوة، أي بين مشروعية الفعل المعطاة للدولة، وبين الاقتدار بتنفيذه.

{مشكلة حزب الله ليس فقط السلاح، بل المشكلة ضاربة عميقا في المنظومة القيمية، وفي معنى الدولة والوطن}

الدولة تملك المشروعية لكنها عاجزة وغير مقتدرة لأسباب كثيرة، والامر يتطلب استفاضة في تشخيصها، منها إختراق داخلي، تردد، الكلام عن الوفاق الوطني، حفظ السلم الأهلي،… المشكلة أننا نحاول مرات أن نهرب من مشكلة بنيوية من خلال التخفيف من طبيعتها. تكون الحالة على سبيل مثال ” سرطان” ويقولون عنه ” أنفلونزا”، وفي الحقيقة إن طرق التعاطي تكون هي المشكلة. إن أكبر معضلة في لبنان في الأداء السياسي تكمن في وجود مشكلة بنيوية تتصل بعمقها( وهي تظهر الآن) ليس بحدود معنى الدولة فقط، بل تتصل بهوية الكيان. فمشكلة حزب الله ليس فقط السلاح، بل المشكلة ضاربة عميقا في المنظومة القيمية، وفي معنى الدولة والوطن وفي أساس مشروعية الحقوق. للحقيقة هنالك منظومتان مختلفتان، الحزب قائم على منظومة مكتملة بذاتها لها معاييرها ومرجعيتها، وهي لم تتردد في أن تفرض هذه المنظومة التي هي بطبيعة قيمها ومبادئها وذهنيتها، تمَّ مأسستُها. مأسسة تربوية، مأسسة فكرية، مأسسة ثقافية، مأسسة مجتمعية، حتى المذهب الشيعي الذي كان طوال عمره مفتوحا على التأويلات والاجتهاد الذي كان الشيعة يتفاخرون به، قد تم تأطير هذا المذهب ووضعوه في قفص ايديولوجي، حتى النص الديني خنقوه، حتى المضمون الشيعي تم التلاعب به تلاعبا ايديولوجيا.
لقد تم العبث بالمضمون الشيعي بحد ذاته كي ينحصر في اتجاه معين وينقطع عن مسار التشيّع الذي استمر ألف ومائة عام. فجأة جماعة حزب الله أصبحوا متمايزين مختلفين معزولين ولهم خصوصية لا تجتمع مع الخصوصيات الأخرى، وأصبح يتميز باللباس والعادات والمفاهيم التي أنتجت معضلة أقوى من معضلة السلاح. من هنا أؤكد أن الإشكالية ليست إشكالية السلاح فقط، فمن اعتقد ذلك يكون متوقفا عند جزء من المشكلة، لا عند المشكلة كلها.
بالمقابل، لا شك في وجود حالة ضعف لدى الدولة، ولكن هناك شيء كشف عجز الدولة، وهناك شيء آخر كشف عن عدم صدقية الدولة، وهي مسألة حصرية السلاح في جنوب الليطاني، فقد تبين أنها مسرحية. أنا هنا لا أحاكم النوايا، فالمشهد طعن في صدقية الدولة بالقول إنها حصرت السلاح في جنوب الليطاني. وأرى أن البنية العسكرية إذا بقيت بتكوينها الكامل موجودة، وهي لا تزال موجودة، فلن تكون المقاربة صحيحة، أي بأن تكتفي الدولة بمصادرة سلاح من هنا أو صاروخ من هناك، فستكون المقاربة خاطئة. لقد خسرت الدولة صدقيتها في هذا المضمار وفقدت ثقة الخارج بها.

{ما الذي تغير في مشهد الحرب اليوم؟ أنا برأيي الحرب الحالية ليست تكرارا لحرب الاسناد ولا تكرارا لحرب العام 2006}

قبل أن تنشب الحرب، كنا أمام معركة حقيقية بين الحزب والحكومة، أخذت الحكومة قرارا بحصرية السلاح فسارع الحزب إلى شن” غزوة الروشة” مؤكدا بأنه لا يلتزم بمقررات الدولة وأنه هو صاحب المرجعية الخاصة به. كان الحزب يتقصد عدم الالتزام بقرار الحكومة، فإذًا نحن كنا أمام دولة تريد أن تنتقل إلى واقع معين، كان لديها نية ورغبة، ولكن بدون قدرة، وحزب الله كان يريد الابقاء على واقع معين، هو فاقد الشرعية لكنه يملك الكثير من الأوراق على الأرض.
ما الذي تغير في مشهد الحرب اليوم؟ أنا برأيي الحرب الحالية ليست تكرارا لحرب الاسناد ولا تكرارا لحرب العام 2006 أبدا. هناك شيء أُضيف. فحزب الله كان في السابق يسعى لأن يكتسب مشروعيته في الداخل، من خلال تأمين غطاء سياسيا لنفسه، وجلب حلفاء، وتأمين العمق الإقليمي وخط الإمداد من سوريا. وبما أن هذه الاوراق خسرها كلها، فظهره أصبح مكشوفا، لم يعد الغطاء الداخلي يكفيه، أصبح في العراء، لذلك أخذ يبحث لنفسه عن ملاذ آخر وهو أن يحظى وينتزع إعترافا دوليا بهذا السلاح، من أين سيأتي بهذا الاعتراف؟ من لعبة المفاوضات الجارية بين أميركا وإيران ، وإلا ما معنى هذه الحرب التي أطلقها والتي أساسا لم تنجز شيئا؟ هو مشهد شبك ذاته فيه ولم يحرز أي شيء في هذه الحرب، بل بالعكس تولّد منها كوارث ومصائب، ذلك لأنه العمق الذي أراده كان العمق السياسي، إنه يبحث لنفسه كما قلت
عن غطاء بدل الذي انكشف، لذلك هو تقصّد أن يشبك نفسه في الحرب الإقليمية ليكون ورقة في الملف الإيراني يفاوض عليها الاميركي ضمن تسويات وصفقات. والأميركيون فعلوها قبل اليوم مع السوريين ولديهم سوابق. والحزب يعرف أن انتزاع غطاء دولي لنفسه أقوى من خلال الاعتراف المتبادل بين الايرانيين والأميركيين.
لقد تم أخْذ الملف اللبناني إلى إيران، وهنا تكمن الخطورة، هذا هو الأمر الجديد في هذه الحرب، فمشكلة السلاح لم تعد مشكلة داخلية، بل أصبحت مشكلة الدولة أين هي، أين الشعب اللبناني؟ لبنان أصبح أسير صفقة يراهن عليها الايرانيون وحزب الله شبكهُ فيها،بالرغم من أنه لم يحرز أي إنجاز عسكري، بل بالعكس الآثار الكارثية على هذه المعركة كانت واضحة. لقد ضحى حزب الله بأهل الجنوب وبلبنان وبالشعب اللبناني لأجل أن يحفظ سلاحه ويكسب مشروعية لسلاحه على المستوى الإقليمي.
أكثر ما أذاني كلبناني في هذه الحرب وكشيعي أننا جُررنا إلى هذه الحرب انتقاما لمقتل الخامنئي، وهذه خسارة كبرى ومرارة أكبر.
في الختام ينبغي أن لا نقلل من خطورة المشهد، بل أن نقيّمه على حقيقته لا أكثر ولا أقل. نحن اليوم وصلنا إلى مشهدية واضحة، نحن أمام مشروع دولة، ومشروع دولة أخرى. لبنان اليوم “وبالطحشة” الإيرانية عليه واستخدامه كجزء من المفاوضات، هو أمام وصاية إيرانية مباشرة.
نحن اليوم أمام دولة نؤمن بها، ووطن نؤمن به، وأمام دولة من نوع آخر، بقيم أخرى بمبادىء أخرى وبمرجعية أخرى. هذه اللحظة ينبغي أن تُشاهَد على حقيقتها.

زر الذهاب إلى الأعلى