تحوُّل صورة الرأي العام العالمي تجاه الكيان الصهيوني من التعاطف إلى الإدانة

شهد الرأي العام العالمي تحولاً تاريخياً ضد السياسات الإسرائيلية، حيث أظهرت استطلاعات الرأي تراجعاً غير مسبوق في الدعم الدولي للكيان. وقد تحولت النظرة تجاه إسرائيل من التعاطف إلى الإدانة، بفضل ثورة الاتصال التي نقلت الحقائق ووحشية العمليات العسكرية مباشرة إلى الهواتف والشاشات في كل أنحاء العالم.
جذور التحول وأسبابه لم تأتِ من فراغ، بل هي تراكم عبر عقود مضت، وقد تُوّجت في السنوات الأخيرة بفعل عوامل رئيسية عدة أتاحت للفلسطينيين توثيق واقعهم اليومي وما يتعرضون له مباشرة، نذكر منها منصات التواصل الاجتماعي (إنستغرام، وإكس). وباتت الشعوب ترى حجم الدمار والتهجير دون فلترة من وسائل الإعلام التقليدية.
وقد أسهمت منظمات حقوقية عالمية، مثل Human Rights Watch ومنظمة العفو الدولية، في ترسيخ مصطلح “الأبارتايد” (الفصل العنصري) في وصف ممارسات الاحتلال، مما أدى إلى تغيّر جذري في الخطاب الأكاديمي والسياسي.
كما وعزز قرار المحكمة الجنائية الدولية المتعلق بمذكرات التوقيف، واتهامات “الإبادة الجماعية”، من قناعة الشعوب بعدالة القضية الفلسطينية. وقد تجسد هذا التحول في الرأي العام في عدة خطوات وأشكال عملية، حيث تراجَع الدعم الرسمي والشعبي في الغرب،وأظهرت استطلاعات مركز Pew Research Center أن أغلبية ساحقة في العديد من الدول الغربية تحمل آراء سلبية تجاه الكيان الصهيوني، مع وجود فجوة جيلية واضحة حيث تتصدر الأجيال الشابة (مثل الجيل Z) مشهد التضامن مع فلسطين وانتقاد الصهاينة.
بالمقابل، اتسع نطاق حركة مقاطعة المنتجات والشركات الداعمة للكيان المحتل، لتشمل قطاعات واسعة حول العالم، مما أثر بشدة على مبيعات وسمعة العديد من العلامات التجارية الشهيرة. فيما شهدت الجامعات العالمية الكبرى في الولايات المتحدة وأوروبا حراكاً غير مسبوق للطلاب والأكاديميين المنددين بالحرب، والذي رافقه اعتراف عدد من الدول الأوروبية رسمياً بدولة فلسطين.
{أظهرت أرقام مؤسسة Gallup تحولاً ملموساً في تعاطف الناخبين الأميركيين الشباب لصالح الفلسطينيين}
وفي سياق متصل،أظهرت أرقام مؤسسة Gallup تحولاً ملموساً في تعاطف الناخبين الأميركيين الشباب لصالح الفلسطينيين، مسجلاً مستويات تاريخية جديدة تتجاوز الخطاب السياسي التقليدي. الأمر الذي أدى إلى فشل الدبلوماسية الإسرائيلية وحملات الدعاية (الهاسبارا) في تجميل صورة الكيان الصهيوني أمام العالم. هذا التحول في الرأي العام العالمي وضع الحكومات الغربية أمام ضغوط متزايدة، ممّا يبشر بتغييرات جوهرية طويلة الأمد في شكل التحالفات والسياسات الدولية تجاه القضية الفلسطينية.
لا شك في أن استهداف المدنيين بشكل مباشر ومنهجي في قطاع غزة، أدى لوقوع آلاف الضحايا من الأطفال والنساء، وإلى إجبار ملايين الفلسطينيين على النزوح تحت القصف، وتفريغ مناطق بأكملها (مثل شمال غزة حالياً). من هنا فإن تدمير البنية التحتية المدنية (المستشفيات، المدارس، محطات المياه) لجعل الحياة مستحيلة، ومن ثم استخدام سلاح التجويع والحصار، عبر منع دخول الغذاء والدواء والوقود كأداة ضغط سياسي وعسكري، وقصف شاحنات الإغاثة وقتل العاملين في المجال الإنساني (مثل حادثة المطبخ المركزي العالمي) وإرهاب المستوطنين (تحت حماية الجيش) شن هجمات مسلحة من قبل المستوطنين على القرى الفلسطينية (مثل حوارة وترمسعيا) لحرق المنازل والمحاصيل وطرد العائلات من منازلها في القدس والضفة الغربية بقوة السلاح وبتغطية من القوانين التمييزية، كلها أوضحت للرأي العام العالمي الطبيعة الإجرامية والإبادية للصهاينة..ناهيكم عن نظام “الأبارتايد” و جدار الفصل العنصري وتقطيع أوصال المدن الفلسطينية وتحويلها إلى سجون مفتوحة.
هذا، إلى جانب الاعتقال الإداري و احتجاز آلاف الفلسطينيين (بينهم أطفال) لسنوات دون تهمة أو محاكمة بناءً على “ملفات سرية”.
والحادثة الأخيرة التي أثارت ضجة عالمية ووقعت في أيار مايو 2026، أقدم فيها وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف، إيتمار بن غفير، على نشر مقطع فيديو “استفزازي” عبر حساباته الرسمية يوثق التنكيل بناشطين دوليين من “أسطول الصمود العالمي” (Global Sumud Flotilla) حيث أظهر الفيديو عشرات الناشطين الأجانب (من بينهم 27 إيطالياً و7 أستراليين وناشطين من 44 دولة أخرى) وهم مكبلي الأيدي ، معصوبي الأعين، ومجبرين على الجثو على رُكَبِهِم ووجوههم في الأرض.
فهل هناك صورة إجرامية سوداء قاتمة، أكثر من هذه الصورة التي وصلت اليوم إلى أعين العالم؟



