ندوات ومقالات

تحيّة إلى وليد الخالدي

خسرت القضيّة الفلسطينيّة بوفاة أحد كبارها د. وليد الخالدي علَمًا مميّزًا من أعلامها، ومُدافِعًا قويًّا عن حقوقها الطبيعيّة، بالكلمة والكتاب وبفكر عقلانيّ لطالما فنّد به إدّعاءات إسرائيل والصهيونيّة العالميّة، وحتّى من داخل مواقعها في الجامعات ومؤسّسات الإعلام الغربيّ، فاضحًا كذِب الرِّوايات الصهيونيّة، ومؤكِّدًا على حقوق الشّعب الفلسطينيّ في أرضه وفي إقامة دولتِه المستقلّة.

والدكتور وليد الخالدي الذي توفّيّ عن عمر يناهز المئة عام، تولّى رئاسة “النادي الثقافي العربي” في بيروت سنة 1958-1959،كما عُرف بدوره على المستوى العالميّ والعربيّ من خلال عمله كأستاذ في جامعة إكسفورد والجامعة الأميركية في بيروت وجامعة هارفرد. كما كان باحثًا بجامعة برنستون ومركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة هارفرد.
وهو عضو منتخب في الأكاديميّة الأميركيّة للآداب والعلوم. كما إنّه عضو مؤسِّس في مؤسّسة الدّراسات الفلسطينيّة وأمين سرّها منذ تأسيسها سنة 1963. كما أسّس د. الخالدي مجلس أمناء أصدقاء المكتبة الخالديّة في القدس، وهو أحد مؤسِّسي الجمعيّة الملَكية العلميّة في عمّان، وجمعية التّعاون الفلسطينية.
كتب د. الخالدي كثيرًا بالعربيّة والإنكليزيّة في الشّؤون العربيّة والدوليّة. وقد ظهرت مقالاته في العديد من أهمّ الصّحف والمجلّات العالمّية، وكذلك في كبريات الصّحف العربيّة، ونال العديد من الجوائز على مساهماته الأكاديميّة المتميّزة.
وبهذه المناسبة نعيد نشر مقالة د. يوسف الحسن الدبلوماسي والمثقف الإماراتي وصديق

الرّاحل الكبير، والتي نشرها في صحيفة “الخليج” الإماراتية قبل أسبوع من وفاة الخالدي، بمناسبة بلوغه المئة عام من عمره:
د. يوسف الحسن /” تحية إلى الخالدي في عامه المئة”
وليد الخالدي، المقدسي العتيق، والعالم الجليل، المفكر والمؤرخ، الذي مثَّل في عطائه البحثي والفكري والمعرفي الرصين، العذاب الجمعي لشعبه، ووفر بعمله التوثيقي الفذ مرجعية ثقة للقضية الفلسطينية كقضية إنسانية وأخلاقية وحقوقية عادلة، وأعطى معنى لما يقوله ويكتبه عن فلسطين.
وليد الخالدي، المولود في عام 1925، بلغ في يوليو الماضي من العمر مئة عام، عاشها ملتزماً بهذه القضية العادلة في مؤلفاته، كما في حياته الشخصية، ومفكراً عربياً مهموماً بقضايا أمته، يربط التاريخ بالجغرافيا، بدقة التوثيق وكثافته، ويفكك السرديات المزيفة والمضللة للحركة الصهيونية السياسية، واكتشف مبكراً أن مواجهة الغزوة الاستيطانية لا تستقيم من دون معرفة علمية ودقيقة، وبناء وعي عربي عميق.
أسس وقاد حتى اليوم مؤسسة الدراسات الفلسطينية، في بيروت وواشنطن وباريس وفلسطين المحتلة عام 1963، وعالجت هذه المؤسسة في دراساتها وكتبها، القضية الفلسطينية بموضوعية تامة، وحرصت على عدم الانخراط في الصراعات البينية الفلسطينية أو العربية، وظل الخالدي حارساً أميناً لاستقلالها، وصون حرية العمل الفكري الجاد من التدخلات السياسية والمصالح الفئوية.
التقيت الخالدي، لأول مرة، في واشنطن، إثر الهجوم الإسرائيلي على لبنان في يونيو 1982، ووصول الجيش الإسرائيلي إلى بيروت، وقد جمعنا هذا الحدث في ورشة عصف ذهني، دعا إليها أكاديميون عرب، من أمثال إدوارد سعيد وهشام شرابي ونصير عروري وإبراهيم أبولغد وكلوفيس مقصود، وشارك فيها دبلوماسيون في سفارات عربية بواشنطن، للنظر في ما يمكن عمله في الساحة الأمريكية للدفاع عن لبنان.
سمعت وليد الخالدي القادم من جامعة هارفارد، وهو يتحدث كمؤرخ وسياسي، ويقدم إضافة نوعية وعملية وأفكاراً ومقترحات. بدا لي هذا الأكاديمي، بقامته الممشوقة وأناقته وملامح وجهه الأرستقراطي، واحداً من «اللوردات الإنجليز».بهرتني سعة ذاكرته وعمق حديثه، و«طعم» الدبلوماسية الرصينة والذكية في رؤيته.

{هذه الكلمات القليلة كما يقول الخالدي أوقعت آلاماً كبيرة ودماراً شديداً وحروباً لا تنتهي}

أتذكر أنه زودني وقتها بنسخة من مقال له نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية، في صيف عام 1978، عنوانه على ما أذكر «دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة» وقد أثار نقاشاً واسعاً في أمريكا والعالم العربي، وتحول فيما بعد إلى «ورقة إرشادية» فلسطينية وعربية.
سمعته بعد ذلك، في محاضرات له في جامعات ومنتديات أمريكية، وهو يتحدث عن «وعد بلفور» في رسالة لم تزد كلماتها على ثمانٍ وستين كلمة، إلّا أن هذه الكلمات القليلة، كما يقول الخالدي، «أوقعت آلاماً كبيرة ودماراً شديداً وحروباً لا تنتهي».
التقيته بعد ذلك عدة مرات، إحداها حينما استضفته في منزلي، بعد انتهائه من إلقاء محاضرة له في المجمع الثقافي في أبوظبي في أواخر الثمانينيات، وكانت ترافقه زوجته رشا سلام، شقيقة صائب سلام، رئيس وزراء لبنان الأسبق وعمة رئيس الوزراء الحالي نواف سلام.
في تلك الليلة تعلمت منه الكثير عن القدس، المدينة التي يحملها في قلبه، وأهداني كتابه التوثيقي «كي لا ننسى» عن القرى التي هدمها الاحتلال وأزالها من الوجود، كما حدثنا عن تجربته الدبلوماسية، حينما طلبت منه الحكومة العراقية في عام 1967، الالتحاق بوفد العراق في الأمم المتحدة، الذي كان يرأسه عدنان الباجي جي. وشارك الخالدي بصفته مستشاراً في شؤون
القدس، في مناقشات الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي سبقت صدور قرار مجلس الأمن الشهير رقم 242، وردَّ الخالدي بقوة توثيقية وعلمية على أكاذيب الإسرائيلي أبا إيبان في الاجتماعات الأممية.
في عام 1983 مثّل فلسطين في الوفد العربي الذي أرسلته القمة العربية في فاس، لشرح القرارات الصادرة عن هذه القمة إلى الحكومة البريطانية، والتقى خلال الزيارة ملكة بريطانيا ورئيسة الوزراء، كما عمل مستشاراً للوفد الأردني – الفلسطيني إلى مؤتمر مدريد عام 1991.
كان آخر لقاء لي مع الخالدي في صيف عام 2013، حينما كنت أحضر حفل تخرج ابنتي ربى في جامعة هارفارد، وحرصت على زيارته في منزله الكائن في كيمبرج القريبة من الجامعة، وعلمت منه أنه نجح في إدخال مقرر تعليمي في منهاج جامعة هارفارد عنوانه «القضية الفلسطينية» وأنه ألقى محاضرات لجماهير عريضة في أمريكا، وفي جامعاتها الكبرى، وأسهم في إنشاء «مركز التفاهم الإسلامي المسيحي» في جامعة جورج تاون في واشنطن.

{لقد نجح في إدخال مقرّر تعليميّ في منهاج جامعة هارفارد عنوانه «القضيّة الفلسطينيّة»}

أتذكر، في هذا اللقاء، قدرة الخالدي على طرح الأسئلة وعلى الإصغاء، كما أتذكر حماسه وحيويته، والتزامه الأكاديمي الصارم، ودقة ذاكرته، ودفء ترحابه، وسمعت منه في هذا اللقاء حديثاً عن المتصوفة في القدس، وفوجئت بأن دراسته للماجستير كانت عن المتصوفة في القرنين ال 17 و18.
أتذكر الآن تلك الزيارة إلى ذلك المنزل الصغير والأنيق في بلدة كيمبرج، مقابل النهر الذي يفصلها عن بوسطن، ورأيت في الأستاذ وليد الخالدي، في هذه المرة، شيئاً من الحزن، وهو يراقبني أثناء مشاهدتي صوراً معلقة على جدران ومقاعد، تذكرت أنه فقد رفيقة عمره رشا

سلام قبل تسع سنوات، حينما انتقلت إلى دار البقاء.
…….
مازال وليد الخالدي يقرأ ويتأمل ويمسك القلم، ويعود إلى أشعار محمود درويش: «لم تذهب منافينا سُدى، والأرض توُرَّث كاللغة».

زر الذهاب إلى الأعلى