ندوات ومقالات

ظاهرة ترجمة الأعمال الادبية العربية والمسكوت عنه

 تعتمد كواليس “صناعة الترجمة” على شبكات ظلّ ومصالح لا تظهر عادةً في البيانات الصحفية الرسمية، وهي “غير معلنة” بمعنى أنها مسكوت عنها بخصوص الجهات التي تقرر الأعمال الأدبية العربية التي يقع عليها خيار الترجمة. إذْ ثمة عناصر أساسية تؤدي دورا حاسما في هذا المضمار،يمكن حصرها في النقاط الآتية:

1. دور الأكاديمي والمترجم والمستشار الخفي، فإنّ كبرى دور النشر (مثل دار بنغوين) لا تملك محررين يتقنون العربية. لذا، تعتمد كلياً على “مستشار” واحد غالباً ما يكون أستاذا معتمدا في جامعة كبرى، حيث يمارس هذا المستشار سلطة “الفيتو”، إذا لم يعجبه كاتب معين لأسباب شخصية أو فكرية.
2. دور معيار القابلية في الترجمة”، فالجهات المموِّلة تفضّل النصوص “السهلة” لغوياً التي لا تفقد بلاغتها عند النقل، لذلك فإن الأعمال العربية التي تعتمد على التلاعب باللغة أو التراث البلاغي المعقّد تُستبعَد غالباً، لأن المترجم يخشى الفشل في نقلها، والناشر يخشى عدم فهم القارئ الأجنبي لها.
3. “الفوز بالجوائز”، أصبحت دور النشر الأجنبية “كسولة”؛ فهي لا تبحث عن الإبداع في المجلات الأدبية العربية، بل تنتظر القوائم القصيرة لـ “الجائزة العالمية للرواية العربية” (البوكر). ممّا يؤدي بمئات المبدعين الذين لا تستهويهم المسابقات، إلى البقاء خارج خارطة الترجمة العالمية تماماً.
4. المقايضة: بعض الجهات العربية تبرم اتفاقات غير معلنة مع دور نشر غربية: “نحن نموّل ترجمة 10 كتب من لغتكم إلى العربية، مقابل أن تترجموا كتاباً واحداً لنا”.
وأحياناً يكون القرار مدفوعاً برغبة مؤسسة رسمية في “تصدير” كاتب معيّن يمثّل وجهة نظرها السياسية أو الثقافية، بغض النظر عن جودة العمل.
5. دور “الوكيل الأدبي” وهو مفقود في غياب وكالات أدبية عربية محترفة، حيث يتحول المترجم إلى “سمسار” (بالمعنى الإيجابي)، فهو من يطرق الأبواب ويقنع الناشر، مما يجعل القرار رهناً بعلاقات المترجم الشخصية ومدى نشاطه الاجتماعي في بلده الأمّ.

{هناك دور نشر أجنبية تُنصِف الأدب العربي كونها لا تبحث عن “الغرائبية” فقط، بل تهتم بالقيمة الفنية}

إنّ المترجمين ليسوا مجرد ناقلين للغة، بل هم مستشارون أدبيون لدور النشر الكبرى، وكلمتهم مسموعة جداً، نذكر أمثلة على البعض منهم:
-همفري ديفيز (Humphrey Davies): (قبل رحيله) كان المرجع الأول للأدب المصري واللبناني.
-مارلين بوث (Marilyn Booth): متخصصة في أدب المرأة، ولها ثقل كبير في اختيار النصوص التي تُترجم للإنجليزية.
-مارسيا لينكس كوالي (Marcia Lynx Qualey): مؤسسة موقع (ArabLit)، وهي المحرك الفعلي للترشيحات في الوسط الأنكلوفوني.
بالمقابل هناك دور نشر أجنبية تُنصِفُ الأدب العربي كونها لا تبحث عن “الغرائبية” فقط، بل تهتم بالقيمة الفنية، نذكر منها:
-Actes Sud (فرنسا)، فهي تمتلك سلسلة “سندباد”، وهي الأهم أوروبياً في احتضان الأدب العربي بجدية.
And Other Stories– (بريطانيا): دار مستقلة تبحث عن النصوص التجريبية والبعيدة عن النمطية.
– Hanser (ألمانيا): دار عريقة تختار بعناية فائقة وتصنع نجوماً في السوق الألماني.
Interlink Books- (أمريكا): تركز على الأدب المعاصر وتقدم ترجمات رصينة بعيداً عن التسييس.

{المترجمون لا يقرؤون 400 صفحة ليقرروا، لذلك ينبغي للكاتب الذكي أن يجهز 20 صفحة مترجمة باحترافية عالية}

والسؤال الأبرز هو، كيف يصل الكاتب المستقل إلى هذه الدُّور؟
إذا كان الكاتب يتوق للفوز بجائزة “البوكر”، فعليه أن يدرك أن الترجمة الجزئية (The Sample) هي الأمثل للتدليل عن عمله، فالمترجمون لا يقرؤون 400 صفحة ليقرروا، لذلك ينبغي للكاتب الذكي أن يجهز 20 صفحة مترجمة باحترافية عالية مع ملخص (Pitch) يوضح لماذا هذا الكتاب يتميز بالمقدرة على النجاح وبارتفاع نسبة مبيعه في الخارج. ويمكن له أن يعرض نشرها على بعض المجلات الأدبية العالمية، مثل مجلات Banipal أو Words Without Borders ، فهي تعتبر “صك المرور” أمام الناشر الأجنبي الذي يراقب هذه المجلات ليعرف من هو الكاتب القادم.
والجدير بالذكر أن دور النشر الأجنبية غالباً لا تدفع تكاليف المترجم من جيبها. هي تبحث عن كتب مدعومة من جهات مثل (مؤسسة المورد الثقافي) أو (مِنح معرض الشارقة للكتاب). إذْ إنّ سر نجاح الكاتب يكمن في امتلاكه “منحة ترجمة” جاهزة، لتزيد فرص قبوله لدى الناشر الأجنبي بنسبة 70%.
وكم من كاتب على درجة عالية من الإبداع، مغمور في بلده، لا يتقن فنّ الوصول إلى ضفاف العالمية، وكم من مسارات للفساد المالي والمصالح الشخصية، تحُول دون اكتشاف النقاد الأجانب أسماءَ عربية مهمة في مدار الكتابة، ومهملة في مدار الشهرة.

زر الذهاب إلى الأعلى