دراسات

المهندس محمد فواز /التّصميم والتّخطيط والمراقبة في المشاريع العامّة

{ يُعتبَر المهندس محمد فواز أحد أبرز أركان الإدارة العامّة في لبنان، حيث ارتبط اسمه لعقود بتحديث البنية التحتيّة الوطنيّة من خلال منصبه كمديرعام للموارد المائية والكهربائية ومديرعام للتنظيم المدني ورئيس مجلس تنفيذ المشاريع الانشائية. لم يقتصر دوره على القيادة الإدارية فحسب، بل كان مهندساً استراتيجياً في حقل الإنماء والإعمار ومساهماً رئيساً في صياغة القوانين الناظمة للعمران وخطط التوجيه المناطقية. وبفضل خبرته العميقة، شغل عضوية لجان فنية وطنيّة عليا، وعمل مستشاراً دولياً في شؤون التخطيط الحضري، ممّا جعله مرجعاً يدمج بين الدقة التقنية والرؤية القانونية والاجتماعية. كما ترك فواز إرثاً فكرياً غنياً من خلال مؤلفات توثّق تاريخ الأرض اللبنانية وتطور أطرها التنظيمية، وهو ما يمنح كتاباته قيمة استثنائية تجمع بين الخبرة الميدانية والتحليل الأكاديمي الرّصين}.
وقد خصّ “منصة النادي الثقافي العربي” بمجموعة من المقالات التي ستُنشَر تباعا.
_______________________________________
إن الأسلوب السليم لتحديد ودراسة وتنفيذ المشاريع العامة، يبدأ بنظرنا بوضع التصميم العام، ليكون المشروع موضوع البحث جزءاً منه وفي الموقع المناسب، مكاناً وزماناً وتكاليفاً وتلبية لحاجة.
إن لدينا في لبنان أربعة مستويات للتصاميم هي:
– الخطة الشاملة للإنماء على مستوى الوطن.
– التصميم التوجيهي على مستوى المنطقة.
– التصميم التفصيلي على مستوى المدينة او القرية.
– التصميم القطاعي لنوع معين من العمل (مياه، كهرباء)…

سنحاول في الفقرات التالية بيان ماهية كل واحدة منها وكيف تعامل لبنان معها بالفعل.
ترمي الخطة الشاملة للإنماء على الأخص إلى:
– أن تشكل الاطار العام لتصاميم وأنظمة التنظيم المدني ولاستعمال الاراضي،
– أن تكون مرشداً للإنماء ولتركيز التوظيفات العامة،
– الوصول إلى انماء متوازن بين المناطق،
– تأمين التوازن بين الانماء والمحافظة على البيئة.
تنطلق الخطة الشاملة للإنماء من:
– معرفة السكان وما يتعلق بهم من إمكانات وحاجات،
-ومعرفة إمكانات مختلف المناطق وكيفية الاستفادة من هذه الامكانات، إلى الحد الأقصى، مع احترام توفير العدالة بين الأجيال، فلا نترك للمستقبل مناطق أستُنفذت إمكاناتها الطبيعية أو أصبحت بؤراً ملوثة؛ وتشجيع مختلف القطاعات دون أن يؤدي بعضها إلى إلحاق الضرر بالبعض الآخر، فلا تؤدي الصناعة إلى إلحاق الضرر بالسياحة مثلًا.
إن العناصر الأساسية التي يتوجب على من سيضع هذه الخطة الشاملة للإنماء أخذها بالاعتبار هي:
-الموقع الجغرافي المميز للبنان الذي يؤهله لأن يكون نقطة التقاء هامة لانتقال الأشخاص والبضائع،
– الشكل الطبيعي الشديد الاختلاف من الساحل إلى الجبل إلى السهل الداخلي إلى سلسلة جبال لبنان الشرقية والذي ينتج عنه مناخات مختلفة وامكانات متنوعة للزراعة،
– الثروة الاثرية والتاريخية الغنية والتي تشكل عنصراً هاماً للسياحة،
يتحدث لبنان عن هذه الخطة الشاملة للإنماء منذ حوالي 75 سنة دون الوصول إلى وضعها بعد. فقد أُنشئت وزارة التصميم العام في الخمسينات من القرن العشرين ومن مهامها الاساسية وضع هذه الخطة. ثم ألغيت وازرة التصميم العام سنة 1977. وأُنشئ مجلس الانماء والاعمار ومن مهامه الأساسية وضع هذه الخطة ولكنه لم يضعها بعد.

{كانت المحاولة الوحيدة الجدّية لخطة شاملة للإنماء خلال فترة رئاسة فؤاد شهاب
1958 –1964 حين استعان بمؤسسة أرفد لوضع خطة شاملة}

وكانت المحاولة الوحيدة الجدية خلال فترة رئاسة فؤاد شهاب 1958 –1964 حين استعان بمؤسسة أرفد لوضع هذه الخطة. وقد قامت المؤسسة بالمرحلة الأولى منها أي الإحصاءات وبيان الإمكانات وتحديد الأهداف. ولكن مهمتها انتهت مع انتهاء فترة رئاسة فؤاد شهاب وانتقلت الدراسة إلى جوارير مقفلة.
على الرغم من عدم شعور المواطن العادي بالحاجة إلى هذه الخطة فإنني أعتبر وضعها من المهام العاجلة للسلطة العامة في لبنان، لأنها تؤدي إلى وضع الخطوط الكبرى لتوزيع النشاطات الاقتصادية، وللمشاريع العامة الوطنية، ولمشاريع البنية التحتية الأساسية، وتنعكس على توزيع السكان وعلى حياة المواطنين.
* أما التصميم والنظام التوجيهي لمنطقة متجانسة (منطقة بيروت المدينية، منطقة عكار…) فإنه يحدد ضمن نطاق الخطة الشاملة للإنماء في حال وجودها، النطاق العام للترتيب ويحدد القواعد والاتجاهات الأساسية لتنظيم المنطقة وعلى الأخص امتداد المناطق السكنية، وهو يأخذ بعين الاعتبار العلاقة بين التجمعات السكنية والمناطق المجاورة ثم التوازن الذي يتوجب المحافظة عليه بين تطور مناطق امتداد العمران من جهة والمحافظة على المواقع الطبيعية والنشاطات الزراعية والمناطق الحرجية من جهة ثانية. كما يحدد هذا التصميم وجهة استعمال الأرض بصورة إجمالية على ضوء المصلحة العامة، ومواقع الخدمات العامة والبنية الأساسية والتنظيم العام للنقل داخل المنطقة وخارجها، ومواقع النشاطات الانتاجية وكذلك مناطق امتداد السكن المناسبة والأحياء القديمة التي يتوجب تصحيح محيطها.
إن التصميم التوجيهي يوجه وينسق مشاريع الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات.”

{%75 تقريباً من الأراضي اللبنانية لا تزال بدون تصاميم ويشكل هذا الواقع أحد الأسباب الرئيسية لبعثرة العمران}

لقد وضع لبنان مشروعاً واحداً يمكن ان تنطبق عليه هذه التسمية وهو التصميم التوجيهي لمنطقة بيروت المدينية الممتدة من نهر الدامور جنوباً إلى نهر الكلب شمالًا ومن البحر غرباً إلى400 منسوب متراً شرقاً ، والذي تم وضعه بين سنتي1983و1987 ويضم 53 بلدية ليكون أساساً لإعادة الإعمار بعد الحرب. إلا أن هذا التصميم بقي بدون أي تطبيق عملي وتجري الدراسات التفصيلية وتنفيذ المشاريع ضمن منطقة بيروت المدينية وكأن هذا التصميم غير موجود.
* إن التصميم والنظام التفصيلي يُحدّد ضمن إطار التصميم التوجيهي في حال وجوده، القواعد والشروط لأستعمال الارض ومنها:
– وجهة الاستعمال الأساسية للأراضي أو النشاطات الأنتاجية في كل منطقة؛
– حدود المنطقة الآهلة بعد الأخذ بالاعتبار القيمة الزراعية للأرض وامكانية وجود تجهيزات هامة للزراعة المكثفة او للري؛
– حدود ووجهة استعمال شبكة الطرق التي يجب الإبقاء عليها او تعديلها أوانشاءها؛
– المواقع التي يجب الاحتفاظ بها للأبنية والمصالح العامة وللإنشاءات التي تقتضيها.
الحياة الاجتماعية
كما يحدد التصميم والنظام التفصيلي “الارتفاقات لصالح السلامة العامة والصحة والسير والبيئة.” لقد وضع لبنان بموجب هذا النص التصاميم والأنظمة التفصيلية لجميع المدن والمجموعات السكانية الكبيرة وهي تشمل القسم الأكبر من السكان، إلا إنها تغطي حوالي 25 % فقط من مساحة الأراضي اللبنانية، أي إن %75 تقريباً من الأراضي اللبنانية لا تزال بدون تصاميم توجيهية وتفصيلية، ويشكل هذا الواقع أحد الأسباب الرئيسية لبعثرة العمران في لبنان. بالاضافة إلى ذلك ارى ضرورة إعادةالنظر بالأكثرية الساحقة من التصاميم السابقة وتطويرها بعد انقضاء عشرات السنين على وضع بعضها موضع التنفيذ، ولم تعد مناسبة للمتطلبات الحالية.
* لم يعتمد لبنان فعلياً أي من مستويات التصاميم الثلاثة المذكورة على الرغم من وجود بعضها كالمخطط التوجيهي لمنطقة بيروت المدينية. بل كانت أفضلية المشروع على ضوء “أهمية” المدافع عنه أحياناً كثيرة باستثناء فترة رئاسة فؤاد شهاب الذي اعتمد التصميم القطاعي في غياب الخطة الشاملة للإنماء (مشروع طرق القرى المحرومة، مشروع الكهرباء، مشروع مياه الشرب، والتي ترمي إلى إيصال الطريق والكهرباء ومياه الشرب إلى جميع القرى اللبنانية وقد نُفذ المشروع بكفاءة عالية، ومشروع تجمع المدارس، .)… إن التصميم القطاعي هو الأقرب إلى المواطن وحاجاته اليومية، وأقرب إلى واقع السلطات العامة (الإدارات العامة والمؤسسات العامة والبلديات)، وأقرب إلى ما ينتظره المواطن من السلطة العامة في حقل الخدمات وما يحصل عليه بالفعل، وهو النقص الذي يعاني المواطن من نتائجه انخفاضاً في مستوى الخدمات ولعل قطاع المياه يمثل الصورة الأكثر وضوحاً في هذا المجال:
-فوزارة الطاقة والمياه تصمم وتنفذ مشاريعاً لمياه الشرب على كامل الأراضي اللبنانية، – ومجلس الإنماء والإعمار يصمم وينفذ مشاريعاً لمياه الشرب،
– والمصالح المستقلة تصمم وتنفذ مشاريعاً لمياه الشرب كل ضمن نطاقها، – ومجلس الجنوب يصمم وينفذ مشاريعاً لمياه الشرب في جنوبي لبنان،
– ولجان الاستثمار تُعد بالعشرات على الرغم من صدور قانون دمجها في خمس مصالح لمياه الشرب سنة 1972 ولكنه لم يُنفّذ ثم صدور قانون مجددا في أوائل القرن الحادي والعشرين لدمجها وتكليفها بمياه الشرب ومياه الري وصرف المياه المستعملة (المجارير).
ومع ذلك لا تزال أجهزة توزيع المياه مبعثرة ولا أعرف مدينة ولا قرية واحدة في لبنان لا تعاني مشكلة مياه شرب لديها. فالأكثرية الساحقة من بينها تعاني النقص في المياه بينما لا يزال قسم كبير من مياه لبنان ينصرف إلى البحر، والبلدات القليلة النادرة من بينها التي لا تعاني نقصاً في المياه كبلدة فاريا مثلًا تعاني خطر تلوث مياه الشرب. اما صرف المياه المستعملة فيمكن وصفه بأنه كارثة بكل معنى الكلمة ونهر الليطاني الذي أصبح مجروراً يعبر عن الواقع. وتمثل منطقة بيروت المدينية النموذج الصارخ لغياب التصميم في قطاع المياه، فالعاصمة تعاني العطش المزمن منذ خمسين سنة أو أكثر ولا يزال الخلاف مستمراً بين مختلف المراجع حول مصدر المياه الذي سيغطي نقص المياه للعاصمة وجوارها التي تضم أكثر من 40 % من سكان لبنان. فليس هناك مرجع مسؤول عن تصميم قطاع المياه استطاع تعيين مصدر المياه المناسب للعاصمة واقرار المشروع المناسب لتزويدها لمياه الشرب منذ سنة1972 وأزمة المياه تشتد والمياه اللبنانية التي يمكنها تأمين حاجات العاصمة تتابع انسيابها إلى البحر.
ولبنان الجنوبي يعاني النقص في مياه الشرب منذ ستين سنة،والسكان ينتظرون مشروع الليطاني للشرب والري الذي لا أحد يعرف متى سينتهي، وليس هناك مرجع مسؤول عن تصميم قطاع المياه يقرر فصل مياه الشرب الذي يشكل ضرورة حياتية للسكان عن مشروع الري الذي ينتظره المواطنون عبثا منذ عشرات السنين.
* وصرف المياه المستعملة في آبار عميقة وفي حُفر ذات القعر المفقود يلوث المياه الجوفية وفي مجاري الأنهر فتشوّه البيئة وتلوّث مياه الري أو في الأودية والينابيع، وتعرّض الصحة العامة للخطر، يعطي نموذجاً آخر:
– فوزارة الطاقة والمياه تحمل ولا تحمل مسؤولية هذا القطاع،
– ومجلس الإنماء والإعمار يصمم وينفذ مشاريع صرف ومعالجة للمياه المبتذلة والكثير منها لم يتم وضعه قيد التشغيل،
– والبلديات مسؤولة وغير مسؤولة عن هذا القطاع،
– وكان هذا الموضوع ضمن مسؤوليات وزارة الإسكان والتعاونيات.
والنتيجة العملية معروفة للجميع من تشويه للبيئة وتلويث للمياه الجوفية والسطحية، ولا يوجد فعلياً مرجع مسؤول يمكن الرجوع إليه.
* ولا يختلف الأمر كثيراً في حقل الطرق، فتصميم دراسة الطرق في لبنان موزع بين وزارة الأشغال العامة والنقل ومجلس الإنماء والإعمار ومجلس تنفيذ المشاريع الإنشائية ومجلس تنفيذ المشاريع الكبرى لمدينة بيروت سابقاً والمشروع الأخضر ومجلس الجنوب و…
وسأعطي طريق بيروت – شتوره نموذجاً على سبيل المثال:
– فوزارة الأشغال العامة والنقل تهتم بالطريق الدولية الحالية وتوسيعها،
– ومجلس تنفيذ المشاريع الإنشائية يهتم بالأوتوستراد وبمداخل عاليه ضمن الطريق الدولية وذلك قبل إلغاءه وضمه إلى مجلس الإنماء والإعمار.
– ومجلس الإنماء والإعمار يهتم بنفس الموضوع.
– وعندما قامت بعض الاعتراضات على مرور الأوتوستراد في منطقة الكحالة تدخل مجلس الوزراء وكلَّف مجلس الإنماء والإعمار بدراسة أوتوستراد جديد للشاحنات يمر في وادي نهر بيروت إلى المديرج ناسياً أن أزمة السير والحاجة الحقيقية للأوتوستراد في الوقت الحاضر وفي المستقبل هي من بيروت إلى عاليه وبحمدون وصوفر، وأن نسبة الشاحنات تقل عن 10 % من عدد السيارات التي تسلك الطريق الدولية؛ أي أن إنشاء اوتوستراد جديد للشاحنات يمر في وادي نهر بيروت لن يحل مشكلة السير الحقيقية (بين بيروت وصوفر) بالإضافة إلى تكاليف انشائه وزيادة طوله.
ولن أستمر في هذا السرد لأستنتج بأنه لا يوجد في لبنان مراجع قطاعية مسؤولة عن التصميم تضع برامج الأفضليات واختيار الحلول الأفضل ليصار بعد ذلك إلى تنفيذ هذه الأفضليات على ضوء الإمكانات المالية؛ وأنه من الضروري وجود مثل هذه المراجع.
*وتمثل المراقبة والإشراف على تنفيذ الأشغال والصيانة والتشغيل مهمة أساسية لسلامة المشاريع العامة. فلو نظرنا إلى قطاع الطرق على سبيل المثال وكلنا يعاني منها، قلت مرة لأحد خبراء البنك الدولي الذي يهتم بهذا القطاع أن وضع الخزينة اللبنانية لا يسمح بتخصيص المبالغ اللازمة لصيانة الطرق أجابني بأن أساس المشكلة لا يعود إلى نقص في الاعتمادات فلبنان ينفق على صيانة الطرق ضعفي ما تنفقه البلدان الغنية على هذا العمل، فيجب البحث عن المشكلة في التنفيذ لأن طريقاً منفذة (أو مؤهلة) بالشكل المناسب تخدم بشكل مقبول لمدة عشرين سنة تقريباً.
أمّا الرقابة من قبل التفتيش المركزي فإنها تقتصر عادة على التحقيق في الخطاء الحاصل والبحث عن المسؤول عن هذا الخطاء دون البحث عن التقصير بالقيام بالعمل، أي أن الذي يعمل هو المعرض للخطاء وبالتالي إلى الملاحقة، أما الذي لا يعمل فإنه لا يخطئ ويبقي بالتالي بعيدا عن أية مساءلة. وهذا يشكل برأيي أحد أسباب ارتفاع عدد المستخدمين في القطاع العام وانخفاض الإنتاج. وأذكر بالمناسبة مصلحة ري القاسمية (قبل دمجها في المصلحة الوطنية لنهر الليطاني) كانت مسؤولة عن ري 5000 هكتارا تقريباً وكان لديها 120 موظفاً تقريباً وتستهلك ما يقارب20000م3 من المياه للهكتار الواحد سنوياً (بدلًا من7000م3 هكتارا اللازمة فعلا) والمزارعون يطالبون باستمرار لتأمين حاجاتهم. وأتيحت لي الفرصة في ذلك الحين بزيارة مؤسسة الري في كاليفورنيا توزع مياه الري لمساحة 70000 هكتارا تقريبا أي 14مرة مساحة نطاق القاسمية)،كما توزع الكهرباء ومياه الشرب لمدينة يبلغ عدد سكانها60000 نسمة ولديها 60 مستخدماً تقريباً (أي نصف عدد مستخدمي مصلحة ري القاسمية) والعمل يسير فيها بشكل طبيعي، وتتأمن الخدمات للمستفيدين بدقة.

{هذا الأسلوب “الإرتجالي” في التصميم والتخطيط لا يليق ببلد يدعي التقدم}

*إن هذا الأسلوب “الإرتجالي” في التصميم والتخطيط لا يليق ببلد يدعي التقدم. فإذا كان بناء غرفة واحدة مثلًا يحتاج إلى مهندس وخريطة ورخصة بناء والى رخصة إسكان موقعة من المهندس قبل استعمال الغرفة. فهل يجوز الاستمرار ببناء وطن بدون خطة؟
إنني أرى للمستقبل اعتماد المركزية في التصميم واللامركزية مع حصر المسؤولية في الدراسات التفصيلية والتنفيذ والاشراف. كما ارى الفصل بين التصميم من جهة والدراسات التفصيلية والتنفيذ من جهة ثانية، لأن الموضوعين مختلفين أولًا، ولأن تجربة قيام نفس المرجع (مجلس الإنماء والإعمار) بالمهمتين معاً قد فشلت إذ أدت إلى قيام المجلس المذكور بالدراسات التفصيلية والتنفيذ وعدم الاهتمام الكافي بالتصميم العام على مدى حوالي خمسين سنة إذ ليس هناك من يسأل عنه.
وللوصول إلى هذه الغاية أرى:
-1 إعادة النظر بالجزء الثاني (المجالس) من القانون رقم 2000/247 تاريخ 7 أب 2000 (دمج والغاء وانشاء وزارات ومجالس) وانشاء مجلسين:
أ- مجلس للتصميم تنحصر صلاحياته بالتصميم العام وبمواضيع التمويل والقروض ودرس مشروع موازنة الدولة…، وأن تكون الكفاءة مبررَّ اختيار أعضائه وليس المحاصصة.
ب- مجلس لتنفيذ مشاريع كبرى تنحصر مهمته بالدراسات التفصيلية وتنفيذ المشاريع الكبرى التي تزيد فعلًا عن طاقة الوزارات الفنية كوزارة الأشغال العامة والنقل أوالمشاريع العائدة لوزارات ليس لديها إدارة فنية وتريد إنشاء مشروع معين كوزارة المالية عند انشاء مصرف لبنان أو وزارة الداخلية عند انشاء سجن رومية أو وزارة الاقتصاد عند إنشاء معرض طرابلس الدولي.
-2إعادة تفعيل عمل الوزارات لتقوم بالأعمال العادية والمهام التي لها الصفة الدائمة كصيانة الطرق وصيانة الأبنية الحكومية في وزارة الأشغال العامة والنقل، ودراسة مصادر المياه السطحية والجوفية وتطورها كمّاً ونوعاً في وزارة الطاقة والمياه.
-3 تفعيل المؤسسات العامة واعطائها فعلًا لا قولًا، الصفة التجارية والاستقلال المالي والإداري،لأنها تخضع بالفعل لرقابات إدارية ومالية تفوق أحياناً ما هو معمول به في الإدارات العامة فتعوق عملها من جهة وتسمح لها بالتهرب من المسؤولية من جهة ثانية.
-4 التوجه نحو الخصخصة حيث يمكن ذلك، مشروطاً بوجود إدارة كفوءة وقادرة وتتمتع بالصلاحيات الكافية لإجراء الرقابة على القطاعات المُخصخصة للتأكد من حسن التجهيزوالتشغيل والصيانة وظبط التعرفات… فإن هذا الشرط هو أساسي وملازم للخصخصة،
وبغيابه ستكون النتيجة كارثة على الوطن وعلى المواطن.

{إن الحل الجيد يحتاج إلى جهاز بشري قادر وكفوء والى نصوص مناسبة بنفس الوقت}

-5 تحميل المواطن رسوماً لقاء استفادته من بعض الخدمات كالمرور على الأوتوستراد مثلًا، وارى عدلًا ان يتحمل مستعملوا الطريق أنفسهم نفقات إنشاء الطريق. ففي فرنسا مثلًا يوجد ما يقارب 9000 كلم من الأوتوسترادات منها ما يقارب 8000 كلم تُستعمل لقاء جعالات مرور. وفي الأرجنتين، وبسبب أوضاعها المالية، عمدت الدولة إلى إعطاء امتياز صيانة للطرق لقاء رسم مرور على هذه الطرق.
-6 إعطاء السلطة البلدية المحلية صلاحيات فعلية، وتحميلها مسؤولياتها الكاملة، فعلًا لا قولًا، لأن أفضل تأمين لخدمات المواطن يبداء من السلطة القريبة منه أي البلدية، وهو موضوع واسع يستدعي إعادة النظر به كلياً للخروج من مفهوم “الدولة الأب” المسؤولة عن كل شيء إلى مفهوم الوطن حيث يقوم المواطن بواجباته ثم يطالب بحقوقه بعد ذلك.
-7 وأخيراً، أو بالأحرى أولًا وقبل كل شئ، الاهتمام بالعنصر البشري، كفاءته وخبرته ومقدرته على القيام بالعمل لأن قيمة المؤسسات هي من قيمة العاملين فيها. إن الفشل في أكثرية محاولات الإصلاح الإداري كان، بنظري، ناتجاً عن التركيز على النصوص وتدبيج مشاريع القوانين والأنظمة والتعاميم والمذكرات الإدارية، اعتقاداً من المسؤول عن الإصلاح بأن هذه النصوص ستعطي النتيجة المطلوبة؛ وتكون النتيجة الفعلية كما هو معروف لدى الجميع ولا ضرورة للبحث فيه. إن الحل الجيد يحتاج إلى جهاز بشري قادر وكفوء والى نصوص مناسبة بنفس الوقت. أمّا إذا لم يتوفر هذان العنصران معاً فإنني أستطيع أن أبني إدارة جيدة بأشخاص قادرين وكفوئين وبدون نصوص ولكنني لا أستطيع بناء إدارة جيدة بالنصوص وحدها مهما كانت ممتازة إذا كان الجهاز البشري غير كفوء.

وعلى ضوء واقع الإدارة اللبنانية بعد الحرب أتوقف بإمعان أمام ما هو المطلوب: “تطوير في أداء المؤسسات القائمة أو مأسسة جديدة للشأن العام” ونتيجة خبرة أربعين سنة في القطاع العام ومتابعة محاولات التطوير في أداء المؤسسات القائمة أقول بأننا بحاجة إلى مأسسة جديدة للشأن العام في لبنان.
وأرى أن قطاع الكهرباء خلال السنوات الثلاثين الأخيرة على سبيل المثال يقدم أوضح برهان على ما أقول. فإنني أعتبر قطاع الكهرباء أسهل أعمال المهندس إذ يمكن إنشاء المعمل بالطاقة التي نشاء، وتوسيعه عند الحاجة، ونقل الطاقة إلى أي مكان نزولًا أو صعوداً دون أية صعوبة. ولكن لبنان ومنذ ثلاثين سنة، وأقولها عن معرفة لأنني كنت مديراً عاماً للتجهيز المائي والكهربائي1965 –1974 أي في فترة عز الإدارة،بدلًا من إيجاد حل للمشكلة فإنه يخلف مشكلة في وجه الحل عندما تلوح في الأفق إمكانية للحل.
إستشارني صديق كان قد باشر بالعمل لإنشاء مبنى جديد في منطقة عين المريسة في بيروت وصادف تدفق مياه مالحة في موقع الأساسات، فاستعان المهندس بمضخة للمياه ووجدها غير كافية فاستعان بمضخة أكبر منها، ثم الأكبر فالأكبر والوضع على حاله. فسألني الصديق عن الحل فقلت له: إن الحل يبدأ بتغيير المهندس الذي يضخ مياه البحر ويلقيها في البحر لتتسرب مجدداً إلى موقع الأساسات فيضخها إلى البحر من جديد. وهو عمل يمكن أن يستمر إلى آخرالزمن. ثم تكليف مهندس قادر على إيجاد الحل والذي يمكن أن يكون سهلًا باستعمال الاسمنت المقاوم لملوحة مياه البحر بدلًا من الاسمنت العادي، ثم صب الباطون في المياه الراكدة وانتظار يباسها لإستئناف العمل.

زر الذهاب إلى الأعلى