دراساتسليدر

محمد فواز/إقتراح تنظيم وقوف السيارات في الشّوارع العامّة كجزء أساسي من خطة حل مشكلة السير في العاصمة

تعاني مدينة بيروت من اختناقات سير كبيرة في مختلف ساعات النهار، ترهق مستعملي السيّارات، وتبذر وقتاً ثميناً كان بإمكانهم استعماله للإنتاج أو للراحة، وتعذِّب المشاة الذين لم يبق لهم في كثير من أحياء العاصمة رصيفاً يمشون عليه، بعد أن تحولت الأرصفة في هذه الأحياء إلى مواقف للسيارات والدرّاجات النّارية أو إلى أمكنة لعرض البضاعة أو الخضار والفواكه أو حتى مكاناً لإستراحة صاحب الدكان وتدخين نرجيلة.

وقد ساهمت البلدية في الوصول إلى هذا الواقع حين قامت بتضييق الرّصيف واعطاء فسحة إضافية للسيارات في كورنيش المزرعة مثلًا، أو قامت بزرع أوتاد معدنية على جوانب الأرصفة لحمايتها من وقوف السيارات، فلم يبق من الرّصيف أحياناً عرضاً يزيد عن النصف متر للمشاة. وبالنتيجة يتنقل المشاة بين السيارات والدراجات الناريّة كالأرنب المذعور. وتُبيِّن الاحصاءات ارتفاع نسبة الإصابات من بين المشاة نتيجة حوادث السّير. هذا بالإضافة إلى تلوُّث الهواء الذي نتنفس مُسمَّمًا بالغازات الناتجة عن عوادم السيّارات التي تسير ببطء، ثمّ تقف وتنطلق مجدّداً ببطء نافثةً سمومها في الهواء.
إنّ حلّ أزمة السير في العاصمة يحتاج إلى وضع وتنفيذ خطة متكاملة وطويلة الأمد، تشمل
سياسة قطاع البناء وقانون البناء والنقل العام ووقوف السيارات وتسعيرة المحروقات والضرائب على استيراد السيارات وغيرها. ثم إنّ وضع وتنفيذ هذه الخطة المتكاملة يحتاج إلى الوقت الكافي، كما أنّ بعض عناصرها يخرج عن صلاحيّة البلديّة ويحتاج إلى تدخُّل الدّولة كسياسة تسعير المحروقات، أو الضرائب على استيراد السيارات. ولكنّه ليس من الضروري ولا من المناسب انتظار وضع هذه الخطة بكاملها للمباشرة بتنفيذها. بل يمكن لبلدية مدينة بيروت ضمن صلاحياتها المباشرة فوراً بتنفيذ بعض أقسامها الهامّة جدّاً، كتنظيم وقوف السيارات في الشوارع العامّة والتي ستكون بالضرورة جزءًا من الخطة المتكاملة لحل أزمة السّير مهما كان شكل هذه الخطّة.

{بعض الأساليب المعتمدة لا يساعد على حلّ المشكلة بل على العكس، تفاقمها كالسماح بوقوف السيارات مجّاناً في الشوارع العامة}

إنّ بعض الأساليب المعتمدة حتى الآن لا يساعد على حلّ المشكلة بل على العكس، إنه يزيد في
تفاقمها كالسماح بوقوف السيارات مجّاناً في الشوارع العامّة فتشغل قسماً كبيراً من المساحة
المخصصة لسير السيارات. وقد تبقى السيّارة نفسها متوقفة في نفس المكان لبضعة أشهر، وقد تكون معروضة للبيع. فتُحوِّل القسم الأكبر من مساحة شوارع العاصمة فعلياً موقفاً للسيارات.
إنّ فرض البدل للوقوف في جميع الشوارع والطرق العامّة، يسهّل حركة السير لأنه يبعد السيّارات غير المضطرة للوقوف أو التي لديها أماكن للوقوف خارج المُلك العام، ويؤمّن العدالة بين المواطنين، فلا يسمح لمواطن باحتلال الطريق مجّاناً ربّما لأشهر، بينما لا يجد مواطن آخر مكاناً للوقوف بضع دقائق للقيام بعمل اضطراريّ، ويؤمّن دخلًا إضافياً للبلدية يمكنها استعماله لصيانة الطرق وإشارات السير.
بموجب أحكام القانون (القرار 144 الصادر بتاريخ 10 حزيران 1925 ): تُعتبر الشوارع ضمن نطاق مدينة بيروت من الملك البلدي العام أي أن البلدية هي القيِّمة عليها ويعود لها أن تفرض وأن تستوفي بدل الوقوف في هذه الشوارع العامة كما سنبيّن فيما يلي:
-1 حدّدت المادة الأولى من القرار 144 المذكور الأملاك العمومية “بأنها جميع الأشياء المعدة بسبب طبيعتها لإستعمال الجميع … أي ان استعمالها هو حق متساوٍ للجميع بغض النظر عن الجنس أو اللون أو المركز الاجتماعي أو السياسي أو الوظيفي…

-2 وبموجب المادّة الثانية من القرار المذكور تشتمل الأملاك العمومية على الأخص على
“الطرقات والشوارع والممرّات.”
-3 وبموجب المادّة 14 منه “يمكن للدولة أو للبلديات أن ترخص على أملاكها العمومية
بصفة مؤقتة ومقابل رسم ما بإشغال قطعة من الأملاك العموميّة إشغالًا شخصياً مانعاً.”
-4 وبموجب المادّة 16 منه “تُعطى إجازات الإشغال المؤقت على الأملاك العموميّة خاصة
البلديات وفقاً للقوانين المتعلقة بالبلديات.”
-5 وبموجب المادّة 17 منه “يعين في القرارات التي تُمنح بموجبها الإجازات الرسوم الواجب أداؤها بسبب الإشغال المؤقت. تُدفع الرسوم مسبقاً.”

{وقوف السيارة مجاناً في الملك العام البلدي هو عمل مخالف للقانون. ونرى بالتّالي تعميم استيفاء بدل الوقوف}

إنّ وقوف السيارة على الملك العام هو إشغال مؤقت لأنّ المساحة التي تشغلها السيارة أثناء فترة وقوفها لم تعد قابلة لاستعمال الجميع بل تصبح “إشغالًا شخصياً مانعاً” للسيارة الواقفة ويجب أن يكون هذا الوقوف “مقابل رسم” وفقاً لأحكام المادة 14 من القرار 144 1925/ يدفع مسبقاً وفقاً للمادة 17 من القرار المذكور. وعلى ضوء ذلك نرى بأن وقوف السيارة مجاناً في الملك العام البلدي هو عمل مخالف للقانون. ونرى بالتّالي تعميم استيفاء بدل وقوف السيارات في الملك البلدي العام ويعود للبلدية حصراً السماح بهذا الإشغال المؤقت وتحديد البدل:
-1 فبموجب المادّة 74 من قانون البلديات يتولى رئيس السلطة التنفيذية “كل ما يتعلق بتأمين السير وتسهيل التجول في الشوارع والساحات والطرق العمومية.”
-2 وبموجب المادة 75 من قانون البلديات “يجوز لرئيس السلطة التنفيذية أن يرخص بالإشغال المؤقت في الطرق والأماكن العامة” ويكون ذلك وفقاً للمادة 17 من القرار1925/144
أي أن قرار السماح بالإشغال المؤقت يعين حكماً الرسوم الواجب دفعها لقاء الإشغال، وتُدفع
هذه الرسوم مسبقاً والًا فإن قرار الترخيص ي عتبر مخالفاً للقانون.
-3 بما أنّ محافظ بيروت هو رئيس السلطة التنفيذية في البلدية، فإنه يعود له حصراً الترخيص بالإشغال المؤقت في الطرق البلدية العامة في العاصمة.
إنّ هذا لا يعني بنظرنا إصدار قرار منفرد لوقوف كلّ سيارة على حدة، بل يكون ذلك بموجب قرار إجمالي يحدّد البدل على ضوء فترة الوقوف، إذا كانت البلدية ستقوم بهذا العمل بنفسها، أو قرار تصديق التزام جباية هذه الرسوم، إذا كانت البلدية ستقوم بتلزيم أعمال الجباية. ونرى في الحالتين إنّ الترخيص بالوقوف يمكن أن يكون بواسطة العدّاد بالنسبة للقادم إلى الحيّ للقيام بعمل خلال فترة وجيزة تُعد بالسّاعات. أمّا بالنسبة للمقيم في الحيّ، فإنه ليس من الممكن عملياً الذهاب إلى العدّاد باستمرار لدفع بدل الساعات التالية. لذلك نقترح ما يلي:
-1 تعميم فرض البدل لقاء الوقوف في جميع شوارع المدينة بموجب العدّاد.
-2 أن يكون بدل الإشغال في جميع الأوقات، فالقانون لم يفرّق بين الليل والنهار بالنسبة لإستعمال الملك العام أو لإشغاله المؤقت.
-3 عدم تحديد المدة القصوى بساعتين بالنسبة للعابرين، إذ قد يحتاج إلى الوقوف لأكثر من ساعتين كحضور اجتماع أو مؤتمر مثلًا. فليدفع الاشغال بدل الوقت الذي يحتاج إليه لغاية خمس ساعات مثلًا بدلًا من اضطراره إلى الخروج من الإجتماع بعد ساعتين لدفع بدل الفترة اللاحقة.
-4 بالنسبة للمقيمين: يمكن تقسيم المدينة إلى أحياء، واعطاء ساكني الحي إمكانية الحصول على بطاقة وقوف شهرية أو فصلية أو سنوية لقاء بدل محدد ومدفوع سلفاً. تستطيع السيارة الوقوف ضمن نطاق الحي بموجب هذه البطاقة، ولكنها تدفع بدل الوقوف بموجب العدّاد في الأحياء الأخرى من العاصمة عندما تحتاج إلى الوقوف خارج الحي.
إننا نرى بأن التطبيق العملي لتدبير من هذا النوع ليس صعباً. ويمكن تقسيم المدينة إلى أحياء متجانسة تستوحى قياساتها من المسافة التي يستطيع المرء إجتيازها سيراً على الأقدام عادة (م1200في مدينة باريس و 500م في المدن الفرنسية الأخرى.)
-5 مع إمكانية الحصول على بطاقة واحدة للوقوف في أي شارع في المدينة وفي أي وقت لقاء بدل مدفوع سلفاً (شهري أو فصلي أو سنوي.)
علماً بأننا لا ندّعي بأن هذه الطريقة هي الحل الوحيد لجباية الرسوم.

{يجد سائق السيارة سهولة الوقوف مجاناً في الشارع العام بدلًا من الدخول إلى المرآب بين الأعمدة أو في الطوابق السفلية من البناء}

إن تدبيراً من هذا النوع:

أ- يؤمن استعمالًا عادلًا للملك البلدي العام إذ يصبح استعمال الملك البلدي العام بكامله لقاء البدل المدفوع سلفاً.
ب- يسهّل مهمّة سكّان الحيّ إذ يدفعون بدل الوقوف ضمن نطاق الحيّ مرة في الشهر أو مرة كل ثلاثة أشهر أو كل سنة.
ج- سيجيز لمن لديه موقف خارج الطريق العام إلى استعماله بالفعل خلافاً لما يحصل في الوقت الحاضر، حيث يجد سائق السيارة سهولة الوقوف مجاناً في الشارع العام، بدلًا من الدخول إلى المرآب بين الأعمدة أو في الطوابق السفلية من البناء.
د- قد يدفع الذين قاموا بإلغاء المرآب داخل البناء وحولوه إلى استعمالات أخرى (مستودع، نادي رياضي، مكان لتصليح السيارات، )… إلى استرداد هذا المرآب واعادة استعماله موقفاً للسيارات بدلًا من دفع بدل الوقوف في الشارع العام.
ه- سيوقف استعمال الملك البلدي العام حصراً من قبل البعض وبدون وجه حق، كحجز المكان بسلسلة حديدية أو بوضع برميل أو أي عائق آخر أو بوضع إشارة “معوق” قد تكون غير صحيحة.
و- قد يدفع العاملين في حقل البناء إلى إنشاء مواقف إضافية في الأبنية أو حتى إلى إنشاء أبنية مخصصة لمواقف السيارات وبيعها أو تأجيرها بعد أن يختفي الوقوف المجاني في الشارع.
ز- سيؤمن دخلًا للبلدية هي بأشد الحاجة إليه لتنفيذ الخدمات العامة.
وأخيراً لا آخراً إن هذا التدبير ينفذ قانوناً موجوداً منذ قرن من الزمن.

زر الذهاب إلى الأعلى