سليدرفنون

ثلاث حكايات من قلب واحد معرض تشكيلي ثلاثي ماتِع

إستضاف “النّادي الثقافيّ العربيّ” في مقرّه في شارع الحمراء، معرض الفنّانات التّشكيليّات اللبنانيات أسيمة دمشقية ورانيا الأسطة وميرنا الأسطة،المندرج تحت عنوان مؤثّر وجميل هو:” ثلاث حكايات من قلب واحد”. وتكمن مؤثّرات هذا العنوان في الرّابط العلائقيّ الوثيق الذي يجمع بين الفنّانات، فالفنّانة أسيمة هي والدة رانيا وميرنا. من هنا يأخذ المعرض أهميّة مضاعفة، حيث يجد المتلقّي نفسه فعليًّا أمام ثلاثة معارض متداخلة ومختلفة في الوقت عينه، ولكلّ معرض حكاية، ولكلّ حكاية لوحة بصريّة- حسيّة- ذاتُ مِلْونَةٍ لغويّة مجازيّة،تسبر أعماق الجماليّة، وتستمدّ من آفاق المشهديّات العالية، ما لا يراه العقل بالعين المجرّدة، بل تراه البصيرة. كما وتستمدّ من البيئة الخضراء انبلاجات الضّوء المتدرِّج بالألوان، وصورَ التّراث العمرانيّ والبيئيّ اللبنانيّ الماتِع.

واللّافت أنّ معظم لوحات الفنّانات مشغولة بالميكس – ميديا، (الوسائط المتعدّدة) حيث تتميّز هذه الوسائط بقدرتها العالية على الدّمج بين خامات وتقنيّات متنوّعة (رسم، كولاج، نحت، مواد مُعاد تدويرها) في عمل فنّي واحد، ممّا يمنح الفنّان مساحة مهمّة للعمق البصريّ والتعبيريّ واللّمْسيّ في آنٍ معًا. أمّا لوحاتهنّ الأخرى المشغولة بالإكليريك، فتتميّز بالشفافيّة والوضوح البصريّ من جهة، وبالأسطح النّاعمة واللّامعة التي يوفّرها الإكليريك ناشرًا فيها بريقًا مستدامًا، من جهة ثانية.
بالوقوف أمام لوحات الفنّانة أسيمة، تشدّنا لوحة “هدير النّهر” المشغولة بالوسائط المتعدّدة، فكأنّنا نرى في تموّجات الخط واللّون صوتَ النّهر المتدّفق، ونسمع شكلَ دوائر المياه المرتفعة بفرح قرب جذوع الشّجر. نعم نسمع الشكل، ونرى الصوت، هكذا تنقلب الأدوار مجازيًّا في عمليّة التلقّي، حين تتكامل عناصر الجمال في اللّوحة، وتخطف حواس المتلقّي من الخيال الواقعيّ إلى واقع الخيال. وفي هذا المسار تبرز لوحاتها الأخرى” غريبة في الحديقة” و”بحيرة الذكريات” و” نساء الصّحراء” لتكرّس مواصفات الرّيشة الذكيّة في عالم الفنّ التشكيليّ.
وفي لوحات أخرى لأسيمة، نجد إختلافًا في دِلالات التّصوير والتّعبير والمضمون، إذْ يقوم هذا الاختلاف على ثنائيّة جندريّة لإمرأتين، فيحتار المتلقّي في قراءة خلفيّة تلك الثنائيّة، هل هما تحت الضّغط والضّعف، أم إنّهما تتوخّيان القوّة سويّةً، أم هما صديقتان تنشدان الرّاحة النّفسيّة في واحة الصداقة، في رحلةِ حياةٍ مُتعِبة؟
بالنسبة لأعمال رانيا الأسطة، المشغول بعضها بالميكس ميديا و البعض الآخر بالإكليريك، فهي تصوّر بشفافية عالية اللّونِ والحسِّ والرؤية، تراث عدد من مباني بيروت البهيّة، بقناطرها وقراميدها وشبابيكها وسمائها وبحرها، وذلك في توليفة بصرية تتغنّى بالملونة الخضراء في مياه الشّاطىء، وتتباهى بالنّورس “الفرحان” في طيرانه الزّاهي. ويَظهر أسلوبُها المِلْوَنيّ بقوّة كونها تعتمد أقلامًا مُلوّنة بتقنيّة كلاسيكيّة تتطلّب وقتًا وجهدًا كبيريْن، الأمر الذي يُظِهر درجةَ الاخلاص الفنيّ والجماليّ التي تتمتّع به رانيا للفنّ التشكيليّ المعاصر.
إلى ذلك، يجد المتلقّي خلفيّة هندسيّة ظاهرة في ريشة رانيا، لا سيّما في اللّوحة التي تتضمّن قصرًا من قصور العاصمة، ولا تخلو هذه الخلفيّة من دقّة شديدة في الخطوط، ورقّة مرهفة في الألوان والأبعاد التكوينية للصّورة.
وتتبدّى هذه الرقّة جليًّا في لوحاتها الأخرى التي تخطّها بشغافِ القلب وتُصوّر بها مرئيّات الورود والطيور، كطير الحسّون والقرقف، فلا يدري المتلقّي أيّهما الأجمل، الشّكل أم اللون أم البعد التكاملي للوحة أم الأحاسيس أم الهسيس الذي توحي به هذه المرئيات.
بالمقابل، نأتي إلى أعمال ميرنا الأسطة المختلفة عن أعمال أسيمة ورانيا، من حيث اختيار المذهب الفنيّ، فهي تنحو المنحى التجريديّ الذي يحمل في طبيعته إمتحانًا لثقافة المتلقّي البصريّة والحسيّة والفكريّة معًا. إذْ ثمّة غموض ملتبس يحدث للرّائي عند التقاطه النّظرة الأولى للّوحة التجريدية. حيث تغيب في لوحتها” أشعر بالسّعادة” الملامح والمشهديّات الواضحة، لتحضر بخفاء وتحت طبقات الالوان والخطوط، رحلةً فكريّة بالسيّارة إلى أمداء رمزية يغطيّها الفرح.
وتبرز مهارة ميرنا بالرسم التجريديّ في “سلسلة الصحراء”، حيث ترنو ريشتها من هضاب سرابيّة الخيال، يتماوج فيها اللون الأصفر والأحمر، كأنّما الصحراء هي أرض جاهزة للنّماء الأخضر.
لا شكّ في أنّ أعمال هذا المعرض المتميز، تعكس المستويات الجماليّة التي يرتقي إليها الفنّ التّشكيلي المعاصر في لبنان. وقد أكّدت الفنّانات الثلاث بمعرضهنّ الماتع هذا، بالرغم من اختلاف المذاهب الفنية فيه، وتعدُّد المواضيع، وتباعُد الخبرة العمريّة، أنّ الارتقاء التشكيليّ الابداعيّ آخذٌ في الرِّفعة والسموّ.

 

زر الذهاب إلى الأعلى