
يمكن للسّلطات البلديّة أن تلعب دورًا مهمًّا في التّنمية المستدامة .إنّ من أهمّ هذه الأدوار هو وضع وتنفيذ تصميم ونظام تنظيم مدنيّ، وفقًا لأحكام قانون التّنظيم المدنيّ ولأحكام قانون البناء.
إنّ هذا التّصميم والنّظام في حال وضعه وتنفيذه بالشّكل المناسب، يسمح بتخصيص كلّ عقار وحتى كلّ جزء من عقار إلى وجهة وشروط الاستعمال المثلى، على المستوى المحليّ وعلى المستوى الوطنيّ، وتنتج عنه إيجابيّات عديدة نذكر منها:
1- إنّه ينشئ شبكة طرق وشوارع متناسقة ومتكاملة وبالمواصفات الفنيّة اللّازمة وذلك بوضعه الشّبكة المتكاملة في التّصميم،
2- وينشئ أبنية متناسقة في الشّارع، وأحياءً وقرى ومُدنًا جميلة بتحديده أحجامًا وارتفاعات
وتركيزًا للأبنية بشكل متناسق،
3- ويوفّر بيئة إجتماعية مناسبة بتحديده كثافة بناء، لا تنتج عنها كثافة سكانيّة مكتظّة تكون
بيئة خصبة للإنحرافات والمشاكل الاجتماعية، ولا كثافة منخفضة تؤدي إلى بعثرة الأبنية
وفقدان لُحمة الجوار،
4- ويؤمّن التّوازن بين المساحات المبنيّة والفسحات الخضراء وحدائق الأطفال والمنتزهات من حيث المواقع والمساحات،
5- ويضع الخدمات العامّة من مدارس وحدائق وملاعب في المواقع المناسبة للسكّان. فقد سمحت لي الظروف بزيارة بعض الأحياء السكنيّة في المدن الجديدة التي أُنشِئت بعد الحرب العالمية الثّانية في بريطانيا، حيث تمَّ تصميم الأحياء بشكل تدور السيّارة حول الحيّ وتخدمه من جميع الجهات وأنشئت مدرسة الأطفال والحديقة في وسط الحيّ، فيستطيع الطفل أن يذهب وحده إلى المدرسة ويعود إلى المنزل، ويستطيع المُسِنّ أن يذهب إلى الحديقة ويعود دون التقاطع مع أي طريق للسيارات،
{التنظيم المدني يضع الخدمات العامّة من مدارس وحدائق وملاعب في المواقع المناسبة للسكّان}
6- ويمزج النشاطات والسّكَن بشكل متوازن، فيسمح بالنّشاطات التّجاريّة والحرفيّة والصناعيّة
غير الملوّثة للبيئة التي يمكن أن يمارسها سكّان الحيّ أو القرية أو المدينة، فيوفِّر في وقت
الانتقال وفي نفقات النّقل بين مكان السّكن ومكان العمل، وما ينتج عنها من استهلاك
للمحروقات وللسيّارات والضّجيج وتلوّث هواء. كما يجتنب إنشاء أحياء للعمل فقط، يغطّيها
سكون المقابر خارج أوقات العمل، لا في حالات خاصّة كالمنطقة الصناعيّة،
-7 ويحدّد نطاق الامتداد العمرانيّ، فيوفّر في نفقات إنشاء وصيانة وتشغيل شبكات البنى
التحتيّة من طرق ومياه شرب وكهرباء وهاتف وصرف مياه مستعملة لخدمة نفس العدد
من السّكان بتكاليف أقل. وأذكر عندما كنت مديرًا عامًّا للتّجهيز المائيّ والكهربائيّ كان
يأتي الفلاّح الذي أنشأ بيتًا بعيدًا عن القرية بخمسة آلاف ليرة طالبًا إمداده بالكهرباء وبمياه
الشّرب تقدر تكاليف أشغالها بــ 55,000 ل.ل. دون احتساب تكاليف الطريق والهاتف
والمجرور. وهو مبلغ كان يكفي لإمداد عشرين منزلًا على الأقلّ بالماء والكهرباء داخل القرية،
-8 ويمكّن من حماية المواقع الأثرية والمواقع الطبيعيّة والأبنية التراثيّة التي تشكّل رأس مال
وحرش حريصا ووادي نهر الكلب لإنماء السياحة بالإضافة إلى قيمتها الثقافيّة،
-9 ويمكّن على المستوى الوطنيّ من حماية صخور فيترون ووادي قاديشا ووادي نهر الجوز وقمم لبنان العالية،
-10 ويمكّن من حماية السكّان من الأخطار الطبيعيّة، فيحدّد الأراضي المعرّضة للفيضانات أو التربة المعرضة للإنزلاق ويمنع البناء فيها، ويحدّد شروطًا للبناء تُمكّن الأبنية المنشأة في الأماكن القريبة من الفوالق النشطة من تحمّل اهتزازات الزلازل،
{الأرض هي الثروة الوطنيّة الأهمّ، وهي قاعدة الوطن، وهي لا تتجدّد ولا تتمدّد ولا يمكن استيرادها من الخارج}
-11 ويحافظ على الأراضي الزراعيّة لتأمين استدامة العمل للعاملين في هذا القطاع ولاستدامة
قطاع الزّراعة نفسه، كعنصر أساسيّ في تعزيز الاقتصاد الوطني، علمًا بأن مساحة الأراضي
الزراعيّة الخصبة المرويّة أو القابلة للريّ لا تتجاوز %12 من مساحة الأراضي اللبنانية،
وفي حال فقدانها لن تكون هناك إمكانية للإنماء الزراعي بالمعنى الاقتصاديّ، ويحافظ
على الأراضي الحرجيّة رئة طبيعيّة لتنفُّس السّكان،
-12 ويسمح أخيرًا لا آخرًا بحسن استعمال الأرض. فهي الثروة الوطنيّة الأهمّ، وهي قاعدة
الوطن، وهي لا تتجدّد ولا تتمدّد ولا يمكن استيرادها من الخارج. ونطلب منها أن تلبّي حاجاتنا الحاضرة وحاجات أولادنا وحاجات أحفادنا ومن سيرثهم في المستقبل البعيد.
ونطلب منها تأمين المكان لإنشاء مساكننا وأمكنة عملنا وطرق انتقالنا والبنى التحتية لتأمين خدماتنا، ونطلب منها إنتاج غذائنا وما نأكل، ونطلب منها أن تختزن لنا المياه التي نشرب، وأن تنبت لنا الشّجر الأخضر لتنقية الهواء الذي نتنفّس. ونطلب منها أخيرًا أن تحتضن رفاتنا إلى الأبد بعد أن نكون قد صرفنا العمر في استغلالها وتشويهها. إنّنا نبذّر هذه الثروة الوطنية باستهتار منقطع النّظير، ونبيعها سلعة تجاريّة لمن يدفع الرقم الأعلى من الدولارات، ونرفض تخصيصها لوجهات الإستعمال المناسبة للمستقبل، ونريدها بكاملها أراضي مفتوحة للعمران وللمضاربات العقاريّة، ونريد عوامل استثمار مرتفعة لرفع ثمنها البيعيّ.
وأذكر على سبيل المثال أن %65 من مساحة الأراضي الفرنسيّة هي مخصّصة للزّراعة يمنع فيها البناء، و %25 هي مساحات حرجيّة يمنع البناء فيها أيضًا، و %5 يُسمح فيها نظريًّا إلّا أنه لا يرّخص فعليًّا بالبناء فيها في الوقت الحاضر، لأنّها غير مجهّزة بالخدمات بعد، وتُرفض رخصة البناء إذا لم يكن العقار مخدومًا بالطريق ومياه الشّرب والكهرباء والهاتف والمجرور.
{إذا كانت فرنسا الواسعة تحرص بهذا الشكل على استعمال أراضيها، فكيف يجب أن يكون حرصنا نحن على أرضنا الضيّقة؟}
أي أنه يُسمح في الوقت الحاضر بالبناء في مساحة حوالي 5%من مساحة الأراضي الفرنسيّة. وعندما أقول ذلك أُجابَهُ فورًا وعلى جميع المستويات، بأنّ مساحة فرنسا كبيرة. فأستهجن الجواب: فإذا كانت فرنسا الواسعة تحرص بهذا الشكل على استعمال أراضيها، فكيف يجب أن يكون حرصنا نحن على أرضنا الضيّقة؟
أمّا الخطوة التّالية فهي تنفيذ التّصميم وإلّا بقي حبرًا على ورق.
هناك طريقتان لتنفيذ التّصميم من قبل البلديّة هما:
أ- السّهر على تطبيق القوانين والأنظمة، أي أنّ البلديّة لا تأخذ أي مبادرة للقيام بعمل مباشر
من قبلها، ولكنّها تنتظر مالك العقار للقيام بعمل ما كفرز العقار أو البناء فتفرض عليه
التقيّد بالتّصميم والنّظام في العمل الذي يقوم به.
ب- تتدخّل البلديّة مباشرة أي أنّها تأخذ المبادرة وتقوم بأعمال تنفيذيّة على الأرض.
وسنعطي في الفقرات التّالية أمثلة لكلّ من نوعيّ العمل المذكوريْن.
-أولا بالنّسبة لتطبيق القانون، فإنّ أيّ عمل يقوم به مالك العقار، سواء كان لإنشاء بناء جديد،
أو لإضافة بناء على بناء موجود، أو لترميم بناء موجود يخضع لترخيص مسبق، يعطيه رئيس
السلطة التنفيذيّة في البلديّة. كما يخضع العمل عند إنتهائه للحصول على شهاده تثبت بأنّ العمل تمَّ وفقا للتّرخيص. إلّا أنّ العمل الفعليّ بهذه الطريقة في لبنان لا يعطي النّتيجة المرجوّة منه إذ إنّ الرّخصة تُعطى لمجرد دخول هيكل البناء المطلوب، ضمن خطوط غلافيّة وهميّة (كاباري) دون التطلّع إلى شكل البناء وموقعه وانسجامه مع ما يحيط به. ولم أسمع مرّة رفض رخصة بناء تقع في منطقة معرّضة للفيضان أو لإنزلاق التّربة، ولا لبناء بعيد عن المجموعة السكّانيّة ويفرض على السّلطة العامّة تكاليف كبيرة لإمداده بالخدمات العامّة. ولا لبناء لا ينسجم مع البيئة المحيطة به.
{بإمكان البلدية القيام بضمّ وفرز عامّ لمناطق الامتداد العمرانيّ، ينتج عنه ترتيب المنطقة والحصول على شبكة طرق مناسبة}
وقد سمحت لي الظروف بزيارة أحياء في ضواحي باريس، حدّدت البلديّة فيها الخط الأفقيّ لإرتفاع الأبنية في الشّارع والخطّ الأفقيّ لمستوى الشّبابيك على الشّارع لتأتي الأبنية متناسقة.
وأعتقد أنّ الدولة الفرنسيّة حدّدت منذ منتصف السبعينات من القرن الماضي عدد الطوابق الأقصى الذي يمكن السّماح به بسبعة طوابق في المدن، وأربعة طوابق في القرى على كامل الأراضي الفرنسيّة، ومنعت إنشاء الأبراج نتيجة فشل سياسة بناء الأبراج العالية بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك باستثناء منطقة La Defence في ضواحي باريس والتي كان المسؤولون عنها يقولون لي بأنّهم يريدونها في أوروبا مقابل منهاتن في الولايات المتّحدة الأميركيّة على الضّفة الاخرى للأطلنطي. وكنت أشعر خلال الحديث بعدم اقتناعهم بهذا التّبرير، وإنّما تقدَّم المشروع لدرجة يصعب الرجوع عنه. ولقد تعلمتُ شخصيًّا من تجربتهم، فلم أوافق خلال تسعة عشرعامًا مديرًا عامًّا للتنظيم المدنيّ على التّرخيص بإنشاء أي برج وسلّمت الإدارة كما استلمتها بوجود برج المرّ وبرج رزق في بيروت. ثم نبتت الابراج كالفطر بعد مغادرتي.
-ثانيا بالنّسبة للتّدخّل المباشر، هناك إمكانات عديدة يمكن للبلديّة اختيار الطريقة المناسبة في
كلّ حالة على ضوء الواقع نذكر منها ما يلي:
-1 القيام بضم وفرز عامّ1 لمناطق الامتداد العمرانيّ، ينتج عنه ترتيب المنطقة والحصول على شبكة طرق مناسبة وتحويل القطع المخصّصة للبناء بأشكال ومساحات مناسبة للبناء، وتعطي البلديّة مجّانًا %25 من مساحة العقارات الخاصّة ضمن نطاق المشروع لإنشاء الطرق والحدائق والخدمات العامّة (دار بلديّة، مدرسة، مستوصف، ملعب بلديّ.)…
وهي تقضي بتخمين الأملاك قبل إجراء الضّمّ والفرز، ثم تُضَّم العقارات ويُعاد فرزها وفقًا لنظام المنطقة. تُخمَّن القطع الجديدة النّاتجة عن الفرز، ويُصار إلى توزيعها على المالكين السّابقين كلٌّ بنسبة حقوقه وفي مكان ملكيّته السّابقة بالافضليّة. وهي عمليّة سهلة وسريعة في حال المتابعة الجديّة، ولا تحتاج إلى محاسبات ماليّة معقّدة لأنّ الدولة (المديريّة العامّة للتّنظيم
المدنيّ) تقوم بالأعمال الإداريّة وبتأمين تكاليف الأعمال الفنيّة وتعويضات لجان الضّم والفرز. وهي لا تنزع الملكيّة لأنها تعيد القطع الجديدة النّاتجة عند الفرز إلى المالكين السّابقين، وليس
لها صفة الإستمراريّة لأنها تنتهي بإنتهاء توزيع القطع الجديدة. وهو عمل جيّد حصل في
بعض البلديّات كبساتين طرابلس الجنوبيّة، وبساتين صيدا الشماليّة والجنوبيّة.
-2 إنشاء شركة عقاريّة لأجل ترتيب المنطقة2 تضمّ الشّركة جميع أصحاب الحقوق (ملاّكين، مستأجرين، مستثمرين)… وكذلك الإدارة (البلديّة أو الدولة مجتمعة أو منفردة.) يجري تخمين الحقوق ويقدّم أصحاب الحقوق جميع حقوقهم إلى الشّركة ويحصلون على أسهم مقابل هذه الخدمات. يتمّ تأسيس الشّركة ثمّ إدارتها وفقا لقانون التّجارة كشركة ش م ل.
ترتّب الشّركة المنطقة وفقًا لأحكام التّصميم والنّظام العائدين لها ويمكن للشّركة أن تبيع
الأراضي المرتّبة، كما يمكنها إنشاء أبنية عليها وبيعها أو تأجيرها أو استثمارها ويوزّع صافي الأموال النّاتجة على المساهمين بالنّسبة إلى الأسهم التي يحوزونها.
تقتطع البلديّة مجّانًا لإنشاء الطرق والحدائق وسائر الخدمات العامّة مساحة تعادل %25 من
مساحة كامل العقارات الخاصّة المقدمة إلى الشركة.
-3 يحقّ للبلديّة أن تستملك كامل المساحات موضوع التّصميم أو تلك العائدة لمنطقة منه3.
والأملاك المكتسبة على هذه الصّورة يمكن بيعها بالمزاد العلنيّ، إذا اقتقضى الأمر، بعد تنفيذ
أشغال الترتيب، كما يمكن استثمارها مباشرة من قبل البلديّة أو إنشاء أبنية عليها وبيعها أو
تأجيرها بصورة دائمة أو العودة إلى بيعها بعد ذلك.
{إنّ مجرّد تسمية الأرض صناعية، ترفع ثمنها البيعيّ أربعة أضعاف وتزداد ثروة مالك الأرض أربعة أضعاف}
يمكن للبلديّة استعمال هذه الطريقة لأهداف إجتماعية، كمساعدة في سكن ذوي الدّخل المحدود،
أو لأسباب إقتصادية كإنشاء سوق للخضار أو منطقة صناعيّة تجتذب الصناعيّين وتؤمّن
فرص عمل للسكّان وتساعد على حماية البيئة بعدم بعثرة المصانع وتسهيل جمع ومعالجة
نفاياتها الصّلبة والسّائلة قبل إرسالها إلى المصرف النهائيّ. كما يمكن للبلدية القيام باستملاكها
قبل تصنيفها صناعيّةً ثم ترتيبها وبيعها بالمزاد العلنيّ فتكسب البلدية أموالًا تساعدها على
تأمين الخدمات العامّة للسّكّان لأنّ مجرّد تسمية الأرض صناعية، ترفع ثمنها البيعيّ عادة
حوالي أربعة أضعاف وتزداد ثروة مالك الأرض أربعة أضعاف دون أي جهد منه، بل نتيجة
قرار إداريّ مؤلَّف من ثلاث كلمات “تصنّف المنطقة صناعية.” علمًا أنّني شخصيًّا ضدّ هذا
الواقع وأعتبر المضاربات العقاريّة كارثة على الوطن وعلى المواطنين بدءًا بالسلطة العامّة
المرهقة بدفع تكاليف الإستملاك والتي قد تزيد عن تكاليف الأشغال أحيانا . كما قد تؤدّي إلى صرف النظر عن المشروع كما حصل بالنسبة لخط السّير السّريع خلدة – انطلياس والذي كان
بإمكانه تأمين الإتصال بين الجنوب والجبل والشمال دون المرور بالعاصمة المختنقة بأزمة
السّير. كما تتحمّل جميع القطاعات من صناعة وتجارة وزراعة وإسكان النّتائج السلبيّة لإرتفاع
ثمن الأرض على كلّ واحد منها. ولكن بما أنّ هذا هو الأسلوب السّائد في لبنان وترفض
الدولة البحث بأية سياسة عقارية تحد من المضاربات العقاريّة وارتفاع ثمن الأرض، بل إن
رئيس جمهوريّته سأل المجلس الأعلى للتنظيم المدني باستغراب بأيّ حقٍّ يجوز للمجلس أن
يمنع مالك عقار أن ينشئ فيه ما يشاء. أمام هذا الواقع، وبانتظار أن يستفيق لبنان من غيبوبته
وأن يسير إلى الأمام بدلا من الوقوف جامدا في مكانه ومتطلعا إلى الوراء، وأن يستفيد من
تجارب البلدان المتقدّمة كهولندا والبلدان الإسكندنافية وإسبانيا وفرنسا وأرى أن يستفيد
جميع سكّان البلدة من إرتفاع ثمن الأرض بواسطة البلديّة بدلا من إستفادة مالك الأرض وحده ويجني ثروة نتيجة قرار إداري دون أي جهد منه.
{إنّ موازنة أكثر من نصف بلديّات لبنان لا تكفي لتعيين شرطيّ بلديّ واحد.}
إنني أكاد أسمع السؤال: إذا كان قانون التنظيم المدني الذي يمكن من وضع التصميم والنظام
موجود منذ سنة 1962، وإذا كان قانون البناء الذي يمكن من تنفيذ هذا التصميم والنظام موجود منذ سنة 1940، فلماذا لا تستعمل البلديات هذه الوسائل لبناء المستقبل أسوة بالبلدان
المتقدمة؟ فنسمع الجواب أعذارًا متعدّدة:
-1 إنّ الأكثريّة السّاحقة من البلديات ليس لديها المال الكافي للقيام بأية أعمال مهمّة. وهي حقيقة مع الأسف، بل إنّ موازنة أكثر من نصف بلديّات لبنان لا تكفي لتعيين شرطيّ بلديّ واحد. ولكنّني أذكر بأنّ وضع التّصميم والنظام، لا يطلب من البلديّة دفع أية مساهمة ماليّة لأنّ تكاليف هذا العمل تقع على عاتق الدولة بموجب أحكام قانون التّنظيم المدنيّ. ولا أذكر أنّ
هناك بلديّة طلبت وضع تصميم ونظام التنظيم المدني ولم تلبّي الإدارة طلبها. كما أنّ الوسيلة
الأساسيّة لتنفيذ التّصميم والنّظام لجهة المحافظة على البيئة وعلى جمال المدينة أو القرية أو
إمتداد العمران، أعني التّرخيص بالبناء، هي حصرًا بيد رئيس البلديّة. ولا يجوز قانونًا لأحد
تجاوزه أو الحلول محلّه أو إعطائه أمرًا لأنه ليس له رئيس بمفهوم التّسلسل الإداريّ وقانون
الموظفين. كما أن إعطاء رخصة البناء لا يحتاج إلى دفع أيّ مبلغ من صندوق البلديّة. فالعجز الماليّ لدى البلديّات على الرّغم من وجوده، لا يشكّل سببًا مقنعًا يمكن التذرّع به.
-2 أمّا المبرّرات الأخرى التي نسمعها، فهي ليست محصورة في العمل البلديّ. ولكننا نسمعها في كافّة المجالات. فقد تعوّدنا في لبنان في كلّ مرة تتعثّر فيها الأمور، أن نحمّل المسؤولية فورًا إلى الآخرين دون تحليل الأسباب الحقيقيّة لهذا التعثّر:
أ- فتارةً نحمّل القانون مسؤولية التعثّر، فنستصدر قوانين جديدة ونُفاجأ بأنّ الأمور لم
تتحسّن بشكل ملموس كما حصل بالنّسبة لموضوع السّير أو المقالع والكسّارات على
سبيل المثال، والأمثلة كثيرة. فنستنتج بأنّ القانون لم يكن السّبب الحقيقي.
ب- أو نحمّل المسؤوليّة إلى عدم وجود العدد الكافي من الموظفين، ونُفاجأ أيضًا بعد تعيين الموظفين الجدد بأنّ النتيجة لم تكن بحجم الآمال التي كنّا ننتظر وأنّ النّقص في عدد الموظفين لم يكن السبب الأساسي.
ج- أو نقول إنّ الصّلاحيّات الممنوحة هي غير كافية، فتُمنح الصّلاحيات الواسعة جدًّا كما حصل في قطاع المياه،على سبيل المثال، حيث تمّ في بداية القرن الحادي والعشرين إنشاء
أربع مؤسّسات عامّة للمياه أعطيت صلاحية الدراسة والإنشاء والتشغيل والصيانة والإستثمار لمياه الشرب ولمياه الرّيّ ولصرف المياه المستعملة (المجاري) على كافة الأراضي اللبنانيّة ولتحلَّ محلّ جميع من يهتم ّبأمور المياه ضمن نطاقها، وأعطيت مهلة محدّدة لإنهاء الأوضاع المتردّية في هذا القطاع. والآن وبعد أن تجاوز عمرها الزّمنيّ عدّة أضعاف المهلة الأساسيّة المحدّدة لها للنهوض في قطاع المياه لا أرى أيّ تحسّن في هذا القطاع عمّا كان عليه قبل إنشاء هذه المؤسسات العامّة واعطائها هذه الصلاحيات الواسعة.
فعدم وجود “الصلاحيّات” لم يكن إذن هو السبب لتردّي القطاع المذكور.
ليس النّقص في الصلاحيات المعطاة بل في عدم ممارسة هذه الصلاحيّات.
وأتوقف هنا لأقول بأنّ المشكلة الحقيقيّة:
-1 ليست في العجز الماليّ لدى البلديّات، على الرغم من الضّرورة القصوى لتحسين مداخيلها
بتعديل قانون الرسوم البلديّة وإعطاء البلدية رسومًا تأخذها الدّولة أراها حقّا للبلديّة كالرّسوم
العقاريّة ضمن النّطاق البلدي.
{ليس النّقص في عدد الموظفين هو العائق، بل في الكفاءة للوظيفة وفي شعور الموظف بالمسؤولية}
-2 ولا يشكّل القانون العائق الحقيقيّ على الرّغم من أنّ أيّ قانون يبقى قابلًا للتّحسين مع
الملاحظة أنّ القانون لم يقف يومًا عائقًا أمامي للقيام بأيّ عمل جيّد في الإدارة.
-3 وليس النّقص في عدد الموظفين هو العائق، بل في الكفاءة للوظيفة وفي شعور الموظف
بالمسؤولية،
-4 وليس النّقص في الصلاحيات المعطاة بل في عدم ممارسة هذه الصلاحيّات. وأذكر، على
سبيل المثال، كيف كان رئيس بلديّة يحمل قرارًا ويطلب مني رفضه، لأنه غير مقتنع به، ولكنه
اضّطر إلى الموافقة عليه. وأذكر للمقارنة موقفا لرئيس بلديّة باريس جاك شيراك في بداية
ثمانينات القرن الماضي بالنّسبة لمعهد العالم العربي. فقد اتفقت الحكومة الفرنسيّة والجامعة
العربيّة على إنشاء معهد العالم العربي في الدائرة الخامسة عشرة في مدينة باريس، ولم يوافق
جاك شيراك على ذلك. وعندما قيل له بأن مجلس الوزراء الفرنسي برئاسة رئيس الجمهورية فرنسوا ميتران قرر الموافقة، أجاب: فليعطهم مجلس الوزراء والرئيس ميتران رخصة البناء. أنا رئيس بلديّة باريس لا أوافق على إنشاء هذا المشروع في الدائرة الخامسة عشر ولن أعطي رخصة البناء. وبالفعل لم يعط رخصة البناء، ممّا اضّطر القائمين على المشروع إلى نقل الموقع إلى حيث هو الآن بموافقة رئيس البلديّة.
ولكنّها- أي الصّلاحيّات- تنبعث جميعها عن جوّ عامّ مبنيّ على التّرضيات والتّسويات والخدمات الآنيّة وإنْ على حساب القانون وعلى حساب المصلحة العامّة دون التطلّع إلى نتائجها في المستقبل. وأتذكّر في هذا المجال نقاشا حادًّا حصل مع بعض النوّاب الأصدقاء خلال إجتماع تم بناءً على طلب من الرئيس الراحل الياس سركيس، في أواخر السبعينات من القرن الماضي، حول مستقبل صخور فيطرون وحرش حريصا ووادي نهر الكلب وشاطئ كسروان، عندما قلت لهم: إنّنا نبذّر ثروة لبنان من الأرض بكاملها في الوقت الحاضر، فماذا سنترك لأولادنا وأحفادنا، فأجابني أحدهم: “نحن نريد أن نعيش، أمّا أولادنا فليتفزّروا”، فأتذكّر
للمقارنة قول الأديب الفرنسي سان اكزوبري: “نحن لا نرث الأرض عن آبائنا وأجدادنا، ولكنّنا نستعيرها من أولادنا وأحفادنا.”
فهناك يضحّون ببعض مكاسب الحاضر في سبيل بناء المستقبل، ونحن نبدّد المستقبل في سبيل
منافع آنيّة تنحصر بحفنة من الدولارات. والنّتيجة الطبيعيّة لذلك، وجودهم حيث هم ووجودنا حيث نحن.
—————————————————————————————————————————————–
1 المرسوم الإشتراعي رقم70 /1983 (ضم الأراضي وفرزها في الأماكن الآهلة.)
2 المادة 21 من قانون التنظيم المدني.
3 المادة 18 من قانون التنظيم المدني والمرسوم .55/1977



