دراسات

 كمال بكداش / ما حاجتنا إلى الأخلاق؟

 كمال بكداش

يتصرّف معظم الناس، معظم الأوقات، في حياتهم اليومية بطريقة “أخلاقية”، ويحكمون على نوع من التصرفات لدى غيرهم من الناس بأنها تصرفات أخلاقية أو غير أخلاقية: إنهم، على سبيل المثل، يقولون الصدق، وهو قول الحقيقة، ويستحسنونه، ويتجنّبون الكذب، وهو تحريف الحقيقة بشكل متعمَّد، ويستهجنونه، وكذا يستحسنون صفة التواضع، وهو الشعور الصادق لدى الشخص بتساوية أخلاقياً مع الغير، ويقبِّحون التملّق، وهو صفة الشخص الذي يتصنّع تواضعاً زائفاً فيحطّ من قيمة نفسه ويتخذ من ذلك وسيلة لإكتساب رضا شخص آخر.

تنتمي هذه الحالات وأمثالها إلى ميدان الأخلاق، بعضها مفضّل من الناس لأنه يتفق مع احترام الشخص نحو نفسه و/أو نحو الآخرين، وبعضها مرذول لأنه يتناقض مع هذا الاحترام(1). ويتكوّن هذا الميدان من مجموعة من القواعد الأخلاقية القارة في العقول التي تصدر عنها الأعمال الحسنة أو السيئة، والتي نحكم انطلاقاً منها على الأعمال بأنها حسنة أو سيئة، وتحظى هذه القواعد باحترام معظم الناس بصورة شبه دائمة، وتوجّه أفعالهم، في المجالين الخاص والعام، وتحكم عليها.

والسؤال هو: ما حاجة الناس إلى هذه القواعد؟ لماذا احتاج الناس ومازالوا يحتاجون إلى هذه القواعد؟

 

الجماعة والأخلاق

بالطبع لم تنشأ القواعد الأخلاقية عبثاً. فالأخلاق، بما هي قواعد مقبولة وملزِمة للسلوك الأخلاقي لدى الأفراد، لا يمكن أن تنعدم في الجماعة، وذلك تحديداً لأن هذه القواعد هي ما يجعل الحياة الجماعية ممكنة. فالحياة الجماعية أو المشتركة تستلزم بالضرورة التعاون والثقة المتبادلة بين أفراد الجماعة، وهذان يستدعيان بالضرورة أيضاً من هؤلاء الأفراد التعاهد الضمني على جملة من القواعد المقبولة والملزِمة، الصريحة أو الضمنية، للتعامل في ما بينهم.

يتعاهد أفراد الجماعة مثلاً تعاهداً ضمنياً على مجانبة الكذب أو الغش، وذلك لأن الصدق والأمانة أو، على الأقل، عدم الكذب وعدم الغش، ضرورة للتعاون والثقة المتبادلة. وشرط نجاح هذا التعاهد هو المساواة في التبادل أو التعامل بالمثل (لا تكذب Û لن أكذب).

لقد أقامت خبرة العصور، أو ما يسمّى الحكمة، البرهان لأجيال وأجيال أن الإخلال بالقواعد الأخلاقية يخلّ بالحياة الجماعية. لذا أدانت الأجيال هذا الإخلال وعاقبت عليه.

والواضح أن الباعث على التعاهد على القواعد الأخلاقية هو تحقيق النفع المشترك. ولذا نضفي صفة الخير على المسلك الحسن لأنه نافع للحياة المشتركة، وصفة الشر على المسلك السيء لأنه ضار بالحياة المشتركة(2).

يستطيع الفكر المجرَّد أن ينظر في القواعد الأخلاقية ليؤسس الأخلاق على مبدأ شامل (“كلّي) وسابق على الخبرة (قبْلي) بحسب أنه هو مبدأ الأخلاق في مختلف الجماعات وعلى مر العصور. ويتمثّل هذا المبدأ، لدى أنصار العقل، في الإرادة الذاتية، غير المشروطة بالخبرة، التي تشرّع لذاتها، قاعدة آمرة في صيغة “يجب عليك”(3).

{ الإخلال بالقواعد الأخلاقية يخلّ بالحياة الجماعية. لذا أدانت الأجيال هذا الإخلال وعاقبت عليه.}

يصعب صعوبة بالغة، من منظور الفكر الواقعي، أن ننسب للإنسان أو أن ينسب الإنسان لنفسه إرادة خيرِّة، علّيتها تقوم في العقل، مستقلة عن الخبرة الواقعية.

هذا فيما يتمثّل المبدأ المؤسِّس للأخلاق، لدى أنصار النقل، في الإرادة الإلهية، غير المشروطة حكماً، التي تشرِّع للناس جميعاً أو لجماعة من الناس الأوامر والنواهي في صيغة “مفروض عليك”.

وعليه قرَّر أخلاقيون إسلاميون معاصرون أن “أسباب الأخلاق موصولة بأسباب الدين، حتى أنه لا حدود بيّنة مرسومة بينهما”، ولذا جعلوا هذا الجمع بين الأخلاق والدين “أصل الأصول”، وأن الدين والأخلاق شيء واحد، فلا دين بغير أخلاق، ولا أخلاق بغير دين(4). والواضح أن الشق الأول من العبارة صحيح لشمول الدين على مبادئ أخلاقية لا حصر لها، فيما الشق الثاني غير صحيح لأن القواعد الأخلاقية وُجدت قبل الأديان، ووُجدت وتوجد خارج الأديان.

نشأت القواعد الأخلاقية، إذاً، نشأة ضرورية في الاجتماع الإنساني، لأن هذا الاجتماع يحتاج إليها احتياج ضرورة ويستحيل بدونها العيش في حياة مشتركة مع الآخرين وأن تقوم لمجتمع، كائناً ما كان، قائمة. وتفرض هذه الضرورة أن يعامل كل شخص احتياجاته الخاصة مع مراعاة احتياجات الآخرين ويلتزم بالتالي بالمبدأ القائل: عامل الآخرين كما تحب أن يعاملونك.

 

الفرد والأخلاق

تتمثّل روح الأخلاق في مدى احترام الفرد لقواعدها. والسؤال هو: كيف يحترم العقل هذه القواعد؟(5)

إن القواعد الأخلاقية التي يتعلّم الأطفال الصغار احترامها يأتيهم أغلبُها من الكبار، ومعنى هذا أن هذه القواعد تأتيهم مكتملة، وغالباً ما يكون هذا الإكتمال قد تم، لا على أساس احتياجات الأطفال، بل في دائرة الأجيال المتتابعة من الراشدين.

إذن، يحترم الأطفال الصغار، أو يطبّقون القواعد الأخلاقية، كلياً أو جزئياً، بتأثير التنشئة الأخلاقية، وتنتقل هذه القواعد، كاللغة، من جيل إلى آخر وصولاً إلى الأطفال الحاليين، وينتقل الطفل الصغير (قبل 6 – 7 سنوات) من احترام هذه القواعد من جانب واحد، لأنها مفروضة من الكبار بصورة قسرية، ويتظاهر بالامتثال لما يأتيه من الخارج والإقتداء به لصدوره عن أشخاص “يجلُّهم”، إلى احترام هذه القواعد في سن البلوغ (بعد 10 – 11 سنة خاصة) بصورة متبادلة لأنها – مع تراجع تمحور الطفل على ذاته وتقدُّم تماهيه أو توحّده مع الآخرين – لا تعود قواعد قسرية أو خارجية، بل تصبح نتيجة تعاقد أو تعاهد حر نابع من ذاتية الفرد.

{ إن القواعد الأخلاقية التي يتعلّم الأطفال الصغار احترامها يأتيهم أغلبُها من الكبار، ومعنى هذا أن هذه القواعد تأتيهم مكتملة}

يميل الأطفال، لغرض تجنّب التوبيخ أو العقاب، إلى الكذب ولا يحسّون بموانع داخلية تمنعهم من قول الكذب. ويشكل هذا الميل جزءاً من تفكيرهم المتمحور حول ذواتهم: فهم يفكرون في أنفسهم أكثر من تفكيرهم فيمن حولهم. غير أنهم حين يتفوهون بعبارات يعتبرها الكبار كذباً يجدون أن هذه العبارات قد أثارت استهجان مَنْ حولهم، وبذلك يستخلصون إن هناك أموراً يستطيعون قولها، وأموراً لا يجب أن يتفوهوا بها، فيسمّون هذه الأخيرة “كذباً”. غير إن هذا التحريم للكذب يظل شيئاً خارجياً عن عقل الطفل يفرضه الراشد فرضاً ويتقبله الطفل بفعل الاحترام الذي يشعر به تجاه الكبار بوجه عام. وعلى ذلك فإن الأمر القائل له “لا تكذب” والصادر عن طريق إكراه الراشد يظهر كقاعدة خارجية مفروضة على الطفل ومستقلة عن قصده أو نيته.

ما أن يبدأ الطفل في مرحلة متقدمة (عند البلوغ خاصة) يفكّر ويعمل في جماعة تقوم على التعاون والثقة المتبادلة (أثناء اللعب مع الآخرين مثلاً) حتى يرى الحاجة الذاتية إلى قول الصدق أو على الأقل ألاّ يقول الكذب. فالتعاون يضطره إلى أن يخرج من محور التفكير في ذاته وإلى التفكير فيمن حوله، وأن يثق بالآخرين كيما يثقون به. وبذلك يتحوّل الإلزام الخارجي بالقاعدة الأخلاقية إلى التزام داخلي مبني على القصد أو النية، ويمتلك الطفل بالتالي فهماً صحيحاً للصدق وهو أن “نتعمّد قول الحقيقة وأن نقصد إلى ذلك” وكذلك فهماً صحيحاً للكذب بما هو “كل عبارة الخطأ فيها مقصود”.

يكتشف الطفل إذاً خلال التعاون أن الصدق ضروري للثقة المتبادلة وأن الكذب يهدم هذه الثقة، ولا يعود الصدق بالتالي واجباً يفرضه الغير بل يصبح تصوراً يدركه الوعي الذاتي للطفل بأنه عمل حسن.

 

الأخلاق في حيّز الضمير

تنفذُ قواعد السلوك الأخلاقي المقبولة لدى الجماعة إلى الضمير الفردي من طريق التنشئة. لذا يبدو هذا الضمير حريصاً حرصاً شديداً (وأحياناً حرصاً وسواسياً) على أن ينال طيب السمعة بالتقيد بما تراه الجماعة أخلاقاً حسنة. وبذلك الحرص يستجيب الضمير لنداء الحس السليم بالإقلاع عن رغبات وأمنيات تتعارض مع قواعده الأخلاقية وبالخضوع بالتالي لآلام الكبت وقمع الشهوات.

{ التحريم للكذب يظل شيئاً خارجياً عن عقل الطفل يفرضه الراشد فرضاً ويتقبله الطفل بفعل الاحترام الذي يشعر به تجاه الكبار بوجه عام}

القواعد الأخلاقية الأساسية قواعد مقبولة ومحمودة في كافة الديانات والثقافات والمجتمعات وعبر الحقب الزمنية، ولذا تبدو كقواعد كونية وعابرة للزمن. ومع ذلك فإنها تتفاوت وزناً أو أهمية أو قيمة من جماعة لأخرى، ومن حقبة زمنية لأخرى، ولذا تنتظم هذه القواعد لدى جماعة من الناس في حقبة زمنية معينة في سُلَّم تتدَّرج فيه تبعاً لقيمة كل منها. ومن هنا الحديث عن القيم الأخلاقية.

القاعدة الأخلاقية إذاً ثابتة (“لا تكذب”)، فيما قيمتها في المكان والزمان متغيّرة على سلم القيم. وتتغيّر القيم الأخلاقية أو، بكلمة أدق، سلم القيم الأخلاقية تبعاً للتغير في طبيعة السلطة في الأسرة وفي المجتمع. فكلّما زاد تعقّد المجتمع وتعدّدت العلاقات التي يتيحها خارج الأسرة كلما سَهُل على المراهق أن يتهرّب من القسر المباشر أو السلطة المباشرة في علاقاته الأسرية وأن يستقل بذاته ويعيد النظر في ضوء علاقاته المتوسّعة في سلم القيم المحمولة إليه من أسرته.

هل يحمل هذا التغيّر الاجتماعي تراجعاً أو إنحساراً في القيم الأخلاقية؟ هل بات أفراد الجيل الجديد أقل صدقاً وأمانة عن الجيل الذي سبقه؟

الأرجح أن قيماً تراجعت وقيماً تقدّمت على سُلَّم القيم الأخلاقية. إلا أننا نزعم أن هذا التغير الاجتماعي من مجتمع إشراف الجماعة إلى مجتمع الاستقلال الفردي حَمل تحولاً في طبيعة المسؤولية الأخلاقية: من مسؤولية خارجية تتمثل في إستجابات الجماعة إلى مسؤولية داخلية تتمثّل في إحساسات الضمير. وينطوي هذا التحوّل على انتقال من أخلاق الواجب المبنية على الانقياد لسلطة الجماعة إلى أخلاق الخير المبنية على ذاتية الضمير.

الأخلاق إذاً جملة من القواعد الملزِمة للسلوك الأخلاقي المقبول والضمير هو الأخلاق في حيّز التطبيق. إنه ركن من أركان حياتنا الداخلية الذي يميّز، وفق القواعد القارة فيه، بين الحسن والسيء، وبين الخير والشر، ويراقب الذات ويحاكمها ويحاسبها. ومع نشأة الضمير يزدوج الإنسان فيراقب نفسه بنفسه (إفعل / لا تفعل) ويحاكم نفسه بنفسه (يدين، أو يقرّ) ومن ثم يحاسب نفسه بنفسه (يثيب، أو يعاقب). ويتمظهر الثواب في الضمير في رضى الذات عن الذات، والعقاب في التأنيب واللوم والندم ومشاعر الذنب.

{ القاعدة الأخلاقية إذاً ثابتة “لا تكذب”، فيما قيمتها في المكان والزمان متغيّرة على سلم القيم.}

يعسر تهذيب الأخلاق بغير فحص الضمير، وهو انكفاء الوعي على النوايا والأعمال الصادرة عنه لوضعهما على محك القواعد الأخلاقية التي نؤمن بها. يزدوج الوعي في هذا الفحص ويصبح شاهداً ومشاهَداً، حاكماً ومتهماً. يجدد فحص الضمير وينشّط الإرادة الحسنة التي تعمل على المطابقة بين النية والعمل، ويفسح في المجال، إذا ما اقترن بالاعتراف الذاتي، لتخلية النفس من الشر وتحليتها بالخير.

 

الأخلاق في مواجهة الرغبات

يرى الأخلاقيون الصارمون أن الأخلق، بكل شخص أن يقاوم ميوله الطبيعية، ولاسيما الجنسية منها، وأن يراعي فقط لا غير الأمر الأخلاقي الخالص(6). ولكن، وبما أن هذه الميول ملحّة وأن مقاومتها أمر شاق، فقد ظهر أنه من غير المحتمل أن يقتنع معظم الناس من ضرورة التغلّب عليها.

يفترض إشباع رغبات الفرد الجنسية وجود الآخر، وجوداً واقعياً كما في المجامعة، أو وجوداً متوهّماً كما في الشبقية الذاتية. ويعني هذا الوجود للآخر أن هذا الإشباع لا ينحصر بالفرد نفسه بل يتعلق نفعه أو ضرره بآخرين، لذا يستحضر هذا الإشباع القواعد الأخلاقية التي استدخلها الفرد في نفسه، بما فيها من موانع وأحكام أخلاقية.

على ذلك إذا ما تصوَّر الفرد أن إشباع رغباته الجنسية قد يفضي إلى حالة من العقاب أو إلى بعض العواقب المؤذية فمن الممكن – تجنباً للألم النفسي – إبقاء هذه الرغبات غير مشبعة أو تحوّلها نحو إشباعات بديلة أو خيالية كما في الأحلام وأحلام اليقظة، وذلك من غير أن يجد الفرد نفسه مهدَّداً بوجوده.

وبالمحصلة فإن الفرد – بإدراكه لهذا الواقع – لا يفسح في المجال إلا للرغبات الجنسية التي لا يؤدي إشباعها إلى آثار مؤذية، وبذلك يتجنَّب إستياء الضمير الأخلاقي الذي يمارس، من جانب، الرقابة والضبط على الرغبات قبل أن يجيز أو لا يجيز إشباعها، ويمارس، من جانب آخر، الحكم والإتهام وإنزال العقاب بالذات إذا ما تعارض هذا الإشباع مع القواعد الأخلاقية(7).

لقد تولّى تطور الوعي بالحرية الفردية وتزعزع السلطة على أنواعها، الأبوية والسياسية والأخلاقية، في العالم الحديث والمعاصر، الحد، جزئياً، من الضبط الأخلاقي للميول الجنسية، وذلك من خلال تليين الأخلاق وتعطيل بعض ضوابطها، والتوسع بالتالي في نطاق إشباع هذه الميول، لاسيما في التسامح أو التساهل الأخلاقي مع العلاقات الجنسية. ولكن السعي المحموم نحو الحرية الفردية في المجال الجنسي أفضى – كما هو معلوم – إلى تداعيات اجتماعية مؤذية. ولذا نشهد في أيامنا ما يبدو أنه أزمة أخلاقية عامة تدفع إلى إعادة استشعار “الحاجة إلى الأخلاق” بما في ذلك الأخلاق الدينية، وإعادة اكتشاف دور ما لها في مواجهة التداعيات المؤذية للتساهل الأخلاقي في المجال الجنسي.

أمّا في المجتمعات المحافظة التي يهيمن عليها ضوابط “أخلاقية” متشدّدة منسوبة إلى الدين فإن النزاع الأخلاقي الفردي المتفاقم مع الميول الجنسية تسبَّب بما لا حصر له من آلام فردية، لدى الإناث خاصة، وتداعيات اجتماعية مؤذية ومفارقات أخلاقية مخجلة. ولذا نشهد في بعض هذه المجتمعات في أيامنا محاولات لتليين هذه الضوابط، لاسيما الحد من الرقابة الخارجية المفرطة على الإلتزام بها.

*  *  *  *  *

يحتاج الفرد، إذاً، في حياته الخاصة، احتياجاً عملياً إلى القواعد الأخلاقية، وذلك لصيانة علاقاته مع الآخرين وعلاقته مع نفسه، ولتوجيه أفعاله والحكم على صوابيتها وصوابية أفعال غيره من الناس، ولضبط ميوله الطبيعية، ولاسيما الجنسية منها، وبذلك يحقّق ما يصبو إليه من مقبولية اجتماعية ويتجنَّب، في الأقل، النبذ الاجتماعي.

{السعي المحموم نحو الحرية الفردية في المجال الجنسي أفضى إلى تداعيات اجتماعية مؤذية}

وبالرغم من مكافآت الأخلاق الخارجية والذاتية، فمن المؤكد أن تقيُّد الفرد بها، في ميدانه الخاص، قد تسبِّب له منازعات مؤلمة مع ميوله الطبيعية ورغباته. ومع ذلك نراه يتمسك بها، لأن القواعد الأخلاقية لا تتعلّق به فقط، ووفقاً لأحواله المتغيرة، بل تنطوي على حاجة علائقية ضرورية تصير بها هذه القواعد ملزِمة لكل كائن عاقل، وصادقة بالنسبة لجميع أحواله. ولذا تحظى هذه القواعد باحترام الناس وتتصف بقابلية مسلماتها للتعميم بوصفها قواعد كلية أو شاملة، أي كمرتكزات معيارية ثابتة أو شبه ثابتة يرجع إليها الفرد لتوجيه أفعاله في حياته الخاصة.

ولكن ما أن تنتقل الأخلاق من الحياة الخاصة، حيث تمارس فعالية ملموسة، إلى الحياة العامة، حتى يتبادر التساؤل حول مدى فعاليتها في ميادين كالسياسة والحرب واللامساواة والفساد وغيرها.

يرتاب الواقعيون – الذين يحصرون اهتمامهم، بما هو كائن لا بما يجب أن يكون – بصلاحية الأخلاق في الشؤون العامة، وينفون صلة هذه الشؤون بالمبادئ الأخلاقية ويستدلون على ذلك أن سلوك معظم الفاعلين العامين لا يخضع، في الواقع، للمعايير الأخلاقية، وقد يبلغ هذا السلوك حدّاً، كما في الحروب، يتحرَّر فيه بصورة شبه تامة من الضوابط الأخلاقية.

هذا فيما يثابر المعياريون على إيلاء اهتمامهم، في المسائل العامة، بالمبادئ الأخلاقية، لأن أحكامهم، في ميدان السياسة مثلاً، لابد، كيما تكون مقبولة، أن تستند إلى معايير أخلاقية شاملة، وحجتهم في ذلك أن المبادئ الأخلاقية لم تفتقر في حالات عديدة من الصلاحية العملية في الميدان العام، ومنها حرص جميع الدول تقريباً على أن تنص في دساتيرها على احترام الحقوق الأساسية للإنسان التي يستند إليها الناشطون عند الإحتجاج ضد التعدّي عليها، وهي حقوق يفترض المعياريون أنها مشتقّة من المبادئ الأخلاقية الشاملة(8).

{ثمة ميل قوي لدى العديد من الناس لوضع السياسة  في مدار الحكم الأخلاقي}

فإذا كان للقواعد الأخلاقية دورٌ ما، مختَلف عليه، في حياتنا العامة، فكيف يتجلّى هذا الدور في بعض المجالات؟

 

السياسة في مدار الأخلاق

هل تخضع السياسة – أو يجب أن تخضع – للمبادئ الأخلاقية وللحكم الأخلاقي؟ أم أن الأخلاق والسياسة مداران مستقلاّن أحدهما عن الآخر يخضع كلٌّ منهما لشروطه الخاصة؟

ثمة ميل قوي لدى العديد من الناس لوضع السياسة في مدار الحكم الأخلاقي، فيحكمون على نوع من الأفعال والأقوال لدى الساسة، وحتى على نوع من السياسات، أحكاماً أخلاقية.

وقد جارى النقّاد الأخلاقيون للسياسة هذا الميل، وأدانوا غياب الأخلاق عن السياسات الواقعية، التي تنبني على أن الغاية السياسية، أو داعي المصلحة العليا، تبرّر كل شيء، لأن همها الوحيد هو إدراك السلطة أو الحفاظ عليها والدفاع عنها(9).

يردّ المدافعون عن الواقعية السياسية توضيحاً وتبريراً لمبدأ “الغاية تبرّر الوسيلة” باعتباره الحالة الواقعية لسلوك الدول بوجه عام والممارسة السياسية كيفما كانت، وكل ما عملت الواقعية السياسية على إبرازه يعرفه التاريخ ويألفه السياسيون، فقط أماط الواقعيون اللثام عن وجه السياسة.

لذا أبدى الواقعيون شكوكاً حول إمكان الجمع بين منظور أخلاقي وإنشاء حكم قوي والمحافظة عليه الذي يتطلّب، من بين ما يتطلّب، القدرة على التصرف بقسوة وانعدام الضمير حينما يستدعي ذلك “منطق” الدولة. وبذلك فكّكوا عُرى العلاقة بين الأخلاق والسياسة، و”حرّروا” السياسة من الضغوطات الأخلاقية(10).

تبدو الحجج والأدلّة التاريخية المقدّمة عن استقلال السياسة عن الأخلاق الفردية شديدة الإقناع من الزاوية الواقعية. فالمصالح العليا للدول قد تجيز الكذب وتلفيق الحقائق لشن الحروب، والمصالح الآنية أو البعيدة المدى للسياسي قد تدفعه إلى الغدر بــــ “أصدقائه” و “حلفائه” وخيانتهم، وتدبير الدسائس لخصومه، ثم التظاهر بالأخلاقية المزيّفة لمنفعته أمام الجمهور العام.

{ يردّ المدافعون عن الواقعية السياسية توضيحاً وتبريراً لمبدأ “الغاية تبرّر الوسيلة” باعتباره الحالة الواقعية لسلوك الدول بوجه عام}

ومع ذلك لا يكفّ العديد من الناس من الحكم على السياسة والسياسيين من منطلق أخلاقي، ويقوّمون حتى السياسات والنظم السياسية تقويمات أخلاقية أكثر منها سياسية.

فقطاع واسع من الناس يعترض، مثلاً، على التعديات على الحريات أو القضاء عليها في ظل النظم الاستبدادية، وذلك لأن الحرية باتت، على الأرجح، بالنسبة إليهم قيمة أخلاقية وليس فقط مطلباً سياسياً. ونصادف هذا المزج بين ما هو سياسي وما هو أخلاقي في تقويماتنا للديمقراطية والعدالة الاجتماعية واللامساواة والحروب وسياسات الاحتلال والمقاومة والفساد والتعذيب والتهجير وغيرها.

لا أحد يملك، بالطبع، مفكّراً كان أو شخصية عامة، أن يعيد الحياة السياسية إلى جادة الصواب الأخلاقي، فأقصى ما هو ممكن أن لا يكفَّ الناس – أو بعض الناس – عن إطلاق أحكامهم على الشؤون العامة من منطلق أخلاقي، فقد يحدث في حالات غير قليلة أن أقل السياسيين أخلاقية يضطّر أحياناً إلى مراعاة مواقف الناس الأخلاقية.

ذلك أن مخاطر السماح بتطبيق معايير مختلفة كلياً على الحياة العامة والخاصة واضحة تماماً، فقد كان المجرمون الرئيسيون في القرن العشرين – المسؤولون عن موت ملايين عديدة من الأبرياء – قادة سياسيين اعتقدوا أن القيود العادية للأخلاقيات لا تنطبق عليهم.

 

 

الحروب في مرمى الأخلاق

تسبّب الحروب بين الدول والحروب الأهلية معاناة بشرية هائلة، لذا بدا من البديهي أن تكون موضع اهتمام أخلاقي. ولكن السؤال الذي برز هو: على أي أساس يمكن تبرير الحكم أخلاقياً على الحروب، عادلة أو غير عادلة؟

ها هنا ينتصب الواقعيون مجدّداً ليتعاملوا مع العلاقات الدولية بوجه عام، والعلاقات العسكرية بوجه خاص، باعتبارها منطقة خارج مدار الأخلاق أو خالية من الأخلاق، وليؤكدوا أن “المقترب القانوني – الأخلاقي للمشاكل الدولية” أخفق في معظم الحالات في منع صعود القوى الإستبدادية ونزوعها نحو العدوان والتوسّع، ولذا لزِم وجود مقترب يستند إلى اعتراف واضح بأن القوة – سواء مثلّث غاية في حد ذاتها أو وسيلة لبقاء الدول – كانت وستبقى العامل الثابت لفهم سلوك الدول. وعلى ذلك لا توجد صلة بين الأخلاق والحرب ولا يوجد أساس موضوعي لوصف أي حرب على أنها عادلة وإدانة أخرى باعتبارها غير عادلة.

لذا، ورداً على هؤلاء الواقعيين المتشكّكين في الأخلاقيات الذين ينجرفون بنا باتجاه نسبية شاملة تجوز فيها أي وجهة نظر أخلاقية ويرتابون حتى بالتساؤل حول “لماذا يجب أن أكون عادلاً؟، وضع أنصار الأخلاقيات “مبادئ الحرب العادلة” التي تنص على المعايير التي يلزم الالتزام بها – سواء في الدخول في الحرب أو خلالها أو بعد انتهائها – حتى تُعتبر الحرب مسموحاً بها أخلاقياً.

وتوجَز معايير الحرب العادلة بما يلي:

“يوضّح تقليد الحرب العادلة أنه لكي تكون الحرب كذلك يلزم توافر جميع الشروط التالية: أن يجري خوضها من سلطة مخوَّلة، لمصلحة قضية عادلة، بنيّة حسنة، كملاذ أخير، وإذا كان الأذى المرجّح حدوثه لا يفوق المصلحة التي تتحقق، مع الأخذ بالاعتبار احتمالات النجاح، أن يكون هناك تناغم مع كل من مبدأ التناسب وحصانة غير المقاتلين خلال الحرب؛ وأن تنتهي الحرب بإقامة سلام عادل”(11).

وفي المقابل يُقرُّ تقليد الحرب العادلة بأن اللجوء إلى القوة قد يكون في بعض الأحيان ليس فقط مسموحاً به أخلاقياً ولكن قد يكون أمراً مطلوباً أيضاً. فالأعمال المتصلة بالقتل الجماعي والتطهير العرقي يلزم إيقافها لمنع وقوع إنتهاكات ضخمة بحق البشر، في أي وقت وأي مكان، وهو ما يسمّى حق التدخل الإنساني(12).

من الواضح إذاً، وبالرغم من نفور معظم الناس الأخلاقي من الحروب، فإن الحروب تحدث ولا تقف قواعدنا الأخلاقية الفردية عائقاً دون حدوثها ولا تخفّف حتى من شدّتها، لذا، وإذا كان من المرجّح أن يستمر اللجوء إلى الحرب في المستقبل المنظور، عادلة أو غير عادلة، وأن يظل استخدام القوة ضرورياً أحياناً لكبح جماح المحرّضين على القتل الجماعي والتطهير العرقي، فإن ثمة حاجة لمعايير عالمية تزوّد الناس بمرتكز أخلاقي عام لإعتراضاتهم وإحتجاجاتهم الأخلاقية – السياسية ضد الحروب غير العادلة ولضغوطاتهم التي قد تسهم في تقييد سلوك الدول قبل وأثناء وبعد الحرب، وربما، في إعاقة أشياء كالحروب والإبادات من الحدوث مرة أخرى.

{ الحروب تحدث ولا تقف قواعدنا الأخلاقية الفردية عائقاً دون حدوثها ولا تخفّف حتى من شدّتها}

 

الإعتراض الأخلاقي على اللامساواة

تثير اللامساواة على أنواعها اعتراضنا الأخلاقي، وتقف ميولنا الأخلاقية التلقائية إلى جانب المساواة، ولكن أسباب هذا الاعتراض تظل غير واضحة، ولا هو واضح تماماً ما تقوله الدعوة إلى المساواة ولا ما تدعونا بالتحديد إلى فعله. فلماذا يكون من المثير للاعتراض أخلاقياً أن يكون بعض الناس أسوء حالاً من غيرهم؟ ولماذا هذا الاهتمام الأخلاقي بالتفاوت بين ما يملكه البعض وما يملكه الآخرون، بين الأغنياء والفقراء؟(13)

من الصعب، على ما يبدو، تبيُّن أساس أخلاقي واحد للاعتراضات على اللامساواة، كما من الصعب استخلاص مبدأ توجيهي واقعي للحد من اللامساواة.

تنبّهنا هذه التساؤلات المرتابة إلى أن ثمة خطراً يكمن في جعل إيماننا بالمساواة وغيرها من الغايات العامة يرتكز فقط على القناعة الأخلاقية أو على الميول الأخلاقية التلقائية. ويتمثَّل هذا الخطر في إضعاف تفكيرنا السياسي بالسبب الذي يدعونا إلى مثل هذا الإيمان. وكيما نفكر ونبرهن على هذا السبب يتوجب علينا في المقام الأول أن ننظر إلى الحقائق التاريخية التي تجعلنا نعتقد بأن المساواة (أو غيرها من الغايات العامة) أمر جيد، ومن ثم تأتي قناعتنا الأخلاقية لاحقاً(14).

وعلى هذا الأساس يرى السياسي الواقعي في سياسة إعادة توزيع الثروة عبر الضرائب، مثلاً، وسيلة لتحسين أحوال الفقراء في مجالات الصحة والتعليم والسكن وغيرها(15). وهو ما يحقّق غايتين أساسيتين: صيانة الاستقرار الاجتماعي في البلاد، وهي غاية سياسية، وإشاعة التضامن الاجتماعي بين الناس، وما يتولّد عنه من سلوكيات أخلاقية في المجتمع، وهي غاية أخلاقية. وهو ما يؤكّد، في مسألة اللامساواة، على صعوبة الفصل بين ما هو سياسي وما هو أخلاقي.

 

العقوبة الأخلاقية للفساد

يركز المفهوم الحديث للفساد على أعمال الرشوة، وسوء التصرّف وتحقيق مكاسب شخصية غير مشروعة من المنصب. وأصبح هذا المفهوم مهماً في التفكير السياسي والأخلاقي المعاصر لتنظيم الحدود بين المجالين العام والخاص ومجابهة التعارض بينهما عن طريق مكافحة الفساد لإبقاء مجال النشاط العام، والسياسة، والدولة والإدارة، منفصلة عن المصلحة الخاصة.

أُقترحت – لتلبية توقعات ثقافات سياسية ذات نزعة أخلاقية متزايدة – نماذج تكنوقراطية لمكافحة الفساد تقوم على فصل جهود هذه المكافحة عن المصالح السياسية، وذلك بعزل الحكومة عن السياسة وحصرها في “اختصاصيين تكنوقراط”. غير أن تطبيق هذه النماذج، في بعض البلدان، لم يفضِ إلى نتائج ملموسة.

هذا فيما تبيّن، في بلدان أخرى، أن إجراءات عملية ضد الفساد تدعمها مجموعة من المصالح السياسية ومواكبة أخلاقية من الرأي العام كانت فعّالة في مكافحته والوقاية منه على الأمد الطويل. وتتمثّل هذه الإجراءات، بصورة أساسية، في فضح الفساد علانية كشكل من أشكال العقوبة الأخلاقية للمتورطين فيه، وإيجاد حل عملي (براغماتي) لإغلاق قضية فساد يراعي المصالح الأساسية للقوى السياسية(16). فلا يمكن اختزال مكافحة الفساد إلى قوانين لمكافحة الرشوة وفي تشديد تدابير الملاحقة القضائية، بل لابد لها أيضاً من المناقشة العلنية والمكثّفة لقضية الفساد وعدم التغطية عليها، والتعامل معها بإعتبارها قضية خطيرة سياسياً، واستخدامها في الوقت نفسه كفرصة لمزاولة طقوس للتطهير الأخلاقي التي قد تؤدي دوراً في التنظيف والصيانة المستمرة للحياة السياسية العامة. يمكن إذاً لفضح العار الأخلاقي لفضائح الفساد أن يكون له تأثير محمود.

{ يركز المفهوم الحديث للفساد على أعمال الرشوة، وسوء التصرّف وتحقيق مكاسب شخصية غير مشروعة من المنصب}

ثمة إذاً في كل الأحوال دورٌ، مختَلف على حجمه، للقواعد الأخلاقية في الحياة العامة، لاسيما في تقييد سلوك الفاعلين السياسيين والتأثير على قراراتهم، في الاحتجاج ضد الحروب غير العادلة، في الاعتراض على اللامساواة، في التشهير بحالات الفساد، وفي غيرها من المجالات كالدفاع عن الحريات، والاحتجاج على سياسات الاحتلال والتهجير والتعذيب. غير أن هذا الدور العام المنسوب إلى الأخلاق سوف يتراجع، بل قد يتلاشى إذا ما فُصِل ما هو أخلاقي عما هو سياسي.

فمن الخطورة جعل مواقفنا في الشؤون العامة ترتكز فقط على القناعة الأخلاقية أو على الميول الأخلاقية التلقائية، وتتمثّل هذه الخطورة في إضعاف تفكيرنا السياسي بالسبب الذي يدعونا إلى مثل هذه القناعة. وكيما نفكّر ونبرهن على هذا السبب يتوجب علينا في المقام الأول أن ننظر إلى الحقائق التاريخية التي تجعلنا نعتقد بأن سياسات بعينها سيئة أو جيدة، وأن حرباً ما مشروعة أو غير مشروعة، وأن المساواة أمر جيد، وأن الفساد أمر مشين، ومن ثم تأتي قناعتنا الأخلاقية لاحقاً.

الأخلاق في مواجهة حرب غزة

أدانت معظم حكومات العالم بتعابير سياسية متنوعة عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر (ت1) 2023، والتي بادرت إليها حركة حماس في جنوب إسرائيل وأسفرت عن قتل 1200 إسرائيلي وأسر العشرات من عسكريين ومدنيين. وفي إثر هذه العملية أطلقت الحكومة الإسرائيلية حرباً إنتقامية واسعة ضد قطاع غزة، ولا سيما في شماله، وأنزلت به دماراً واسعاً وأعداداً هائلة من القتلى والجرحى المدنيين ونزوحاً غير مسبوق.

بعد إستمرار الحرب وإتساع فظائعها لأشهر عديدة تحرّكت مؤسستان للقانون الدولي – محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية – فأصدرت الأولى حكماً يصف الحرب الإسرائيلية بأنها ترقى إلى “جريمة الحرب” و “جريمة ضد الإنسانية”، فيما أصدرت الثانية حكماً باعتقال رئيس الحكومة الإسرائيلية ووزير دفاعه. كما أطلقت الحرب حركة إحتجاجات شعبية واسعة في مدن عديدة من العالم، ولا سيما في غرب أوروبا وشمالها، وفي أستراليا، وحتى في الولايات المتحدة الأميركية وغيرها.

{تجلّى هذا الحافز الأخلاقي للاحتجاج داخل إسرائيل نفسها، في المقالات المناهضة للحرب “الحقيرة” وللفظائع “الوحشية” ضد الفلسطينيين}

   من المعلوم أن القوانين التي تستند إليها المحكمتان الدوليتان هي قوانين مستمدة في أصولها العميقة، ومن بين مصادر أخرى، من “مبادئ أخلاقية كونية أو شاملة”، ولذا بالرغم من الحؤول عملياً دون تنفيذ الأحكام القانونية للمحكمتين فأن مجرد صدورها مثّل في أعين العديد من الناس في أرجاء عديدة من العالم “إدانة أخلاقية” للحرب الإسرائيلية بوصفها حرباً غير عادلة وغير مشروعة، بل إجرامية، ولا ريب أن هذه الأدانة الأخلاقية أسهمت، بين أمور أخرى، في تغذية الاحتجاجات الشعبية الدولية ضد “الإبادة الجماعية” في غزة.

والواقع أن هذه الاحتجاجات نفسها التي بادرت إليها من تلقاء نفسها المجتمعات المدنية في عدة بلدان، حفّزتها “دوافع أخلاقية” أكثر منها سياسية صرفة، والدليل على ذلك أن اليسار واليمين في اسبانيا مثلاً – على اختلاف رؤاهما السياسية في أمور عديدة – شاركا في هذه التحركات، ولا يُعرف عن منظمي أساطيل الحرية لكسر الحصار عن غزة ولا عن مشاهير الفنانيين والفنانات الذين دعموها انتماءات سياسية واضحة. وقد تجلّى هذا الحافز الأخلاقي للاحتجاج داخل إسرائيل نفسها، وعلى وجه الخصوص في المقالات المناهضة للحرب “الحقيرة” وللفظائع “الوحشية” ضد الفلسطينيين الصادرة في جريدة هارتس الإسرائيلية، ولا سيما في مقالات جدعون ليفي، وكذلك في بعض الأفلام المتعاطفة بصدق مع الفلسطينيين التي أخرجها إسرائيليون منشقّون عن الإجماع.

بالطبع لم تفضِ الإدانات القانونية ذات الجذر الأخلاقي ولا الاحتجاجات الشعبية ذات الحافز الأخلاقي إلى وقف الحرب ولا إلى وضع حد للفظاعات التي تنزلها بسكان غزة، وذلك لأن استمرار هذه الحرب تحكمه إعتبارات سياسية صرفة تتعلق بالحكومة الإسرائيلية ورعاتها وداعميها الدوليين، ومنها على الأرجح تصميم إسرائيل على إستعادة قوة ردعها التي اهتزت بعد عملية طوفان الأقصى، وتلبية رغبة الإنتقام من حماس وغزة لدى الإسرائيليين بعد صدمة هذه العملية، ومنها استثمار الحرب لتعزيز حركة الاستيطان في الضفة الغربية والتحضير – إذا أمكن – لضمها إلى السيادة الإسرائيلية، وكذلك استثمارها – إذا أمكن أيضاً – لتحقيق أمنية لا تبارح مخيلة الإسرائيليين لتهجير سكان غزة وتحويلها – بعد إفراغها من سكانها – إلى مشروع عقاري مغرٍ…الخ.

وبالطبع فإن هذه الاعتبارات السياسية وغيرها لها قوة تأثير على قرارات الحكومة الإسرائيلية يفوق بأشواط ما لدى التأثير الأخلاقي من قوة، ولكن هذا التأثير الأخير ليس معدوم النفوذ بالمرة، فلا ريب أن الادانات والاحتجاجات ذات الطابع الأخلاقي الواسعة الانتشار على امتداد المجتمعات المدنية التي تتمتع بمستوى متقدّم من الحيوية (ومعظمها والحق يقال يقع في “الغرب”)، أسهمت إسهامات ملموسة في الضغط كل مواقف حكومات الدول ودفعتها إلى مواقف أكثر تقدماً ووضوحاً في التنديد بالحرب الإسرائيلية ضد غزة، وإلى دفع الولايات المتحدة نفسها، بعد طول إسناد لإسرائيل، وبتاثير عوامل عديدة أخرى، إلى فرض وقف الحرب ضد غزة على الحكومة الإسرائيلية “المعزولة” و”المنبوذة” دولياً.

والخلاصة أن الأثر الأخلاقي للأحكام القانونية الصادرة عن المحاكم الدولية ضد إسرائيل، والاحتجاجات الشعبية ذات الحافز الأخلاقي على الحرب والسياسات الإسرائيلية، وخاصةً حينما يعبّر عنها مزيد من الناس في العالم، قد يكون لها أثر على الحياة والسياسات العامة للدول، غير أن هذا الأثر لن يكون له أثر ما لم يُترجم إلى عمل سياسي قادر على أن يضع حداً لإقتراف الشر، لا سيما الإبادة الجماعية للسكان الأصليين، حتى ولو كان ذلك عن طريق اللجوء إلى أفعال “شريرة”، كالعقوبات وحتى العنف المشروع، والتي قد لا تستحسنها الأخلاق الخاصة، إلا أنها أفعال قد تقرّها السياسة وتبررها الأخلاق العامة تبريراً مستحقاً.

خاتمة:

يشعر الفرد، في حياته ضمن الجماعة، بالحاجة إلى مرتكز معياري يوجّه أفعاله ويحكم استناداً إليه على صوابية أو خطأ هذه الأفعال وأفعال غيره من الناس. وتلبّي الأخلاق هذه الحاجة، بما هي مجموعة من القواعد القارة في العقول التي تأمر بالسلوك الحسن وتُنهي عن السلوك السيء، ويحترمها معظم الناس بصورة شبه دائمة.

غير أن شعوراً بالشك يعتريه، من وقت إلى آخر، حول مدى ثبات أو شبه ثبات هذه القواعد، وتغويه فكرة نسبيتها القائلة بأن المواقف الأخلاقية تتغيّر من عصر إلى آخر، وتختلف من جماعة إلى أخرى.

لكنه يدرك – عاجلاً أم آجلاً في مسار إرتقائه – أن القواعد الأخلاقية لا تتعلّق به فقط، ووفقاً لأحواله الذاتية المتغيّرة، بل تنطوي على حاجة علائقية ضرورية تصير بها هذه القواعد ملزِمة لكل كائن عاقل وصادقة لجميع أحواله.

ولذا يتمسك بها الفرد بوصفها قواعد كلية أو شاملة، تحظى باحترام الناس في معظم الحالات، ونراه يقبل بلا تردّد الصدق كمبدأ عام يسري على جميع الناس، فإذا أمكنه أن يريد الكذب، لسبب من الأسباب، فلا يدّعي أبداً بأنه يريد قاعدة كلّية تأمر بالكذب، وكذا نراه يقرُّ بأن الوفاء بالوعود مبدأ شامل، فإذا اضطر أن يبذل وعداً زائفاً لتجنُّب وقوعه في مأزق، فلا يزعم أبداً أنه يريد أن يتحوّل ذلك إلى قاعدة عامة.

وعليه فإن كل إنسان – حتى أكثر الناس كذباً ونكثاً بالوعود – يقرُّ بسمو فضائل الصدق والوفاء بالوعود، وهذا يدلُّ على أن في عقله فكرة تختلف عن أفعاله وميوله ورغباته، وتنتقل هذه الفكرة من جيل إلى جيل، وتنمو بالتنشئة الأخلاقية.

تمارس القواعد الأخلاقية إذاً فعالية ملموسة في توجيه حياتنا الخاصة والحُكم عليها. ولكن ما أن تنتقل الأخلاق من الحياة الخاصة إلى الحياة العامة، حتى تفقد الكثير من هذه الفعالية وتقع في أحيان غير قليلة في إخفاقات مروّعة. ولعل ما يفسِّر ذلك، جزئياً على الأقل، أن الشعور بالمسؤولية الأخلاقية ينشط في الحياة الخاصة ويضيع إلى حد كبير في الحياة العامة: فقد تولّد الرغبة الفردية في إلحاق الأذى بأفراد آخرين نزاعاً أخلاقياً داخلياً، أما الكراهيات الجماعية فتسوِّغ إنزال الأذى بالجماعات المكروهة دون أدنى شعور بالذنب، إلى حد إثارة حماسة الناس أو مشاركتهم في حملات إبادة أو إضطهاد أو حروب ضدها، ولا تُستعاد الأخلاق على صورة شعور بالذنب إلا بعد فوات الأوان، بعد إنزال الأذى بالغير وإنكشاف هوله، وانعقاد الاجماع على إدانته.

لذا تعيَّن على التدخل الأخلاقي في الشؤون العامة، ليكتسب نوعاً من الفعالية، أن يؤدي دوراً في المواكبة للجهود السياسية التي تتولّى مثلاً مسؤولية المواجهة لسياسات القمع والاحتلال والتعدّي على الحريات، والإحتجاج ضد الحروب غير العادلة، والاعتراض على اللامساواة، ومكافحة الفساد وغيرها.

إن محور اهتمام الأخلاق الفردية يتركز على الذات أكثر من اهتمامها بمصير العالم وما يرتبط به من واجبات. هذا في حين أن العالم لا الذات هو محور اهتمام القائد السياسي. فهذا الأخير لا يهمه، من الوجهة السياسية، أن يعرف ما إذا كان هذا الفرد أم ذاك “حسن السلوك”، بل ما إذا كان سلوكه يلائم ظروف العالم الذي يحيا فيه.

{الشعور بالمسؤولية الأخلاقية ينشط في الحياة الخاصة ويضيع إلى حد كبير في الحياة العامة}

ويضربون مثالاً افتراضياً على هذا التمييز بين الأخلاق الفردية و”الأخلاق” السياسية: فالأخلاقي يقول “أفضّلُ أن أتعرّض للظلم من أن أرتكبه”، ويبرّر ذلك بالقول أيضاً “أفضّلُ أن أكون في نزاع مع العالم من أن أكون في نزاع مع نفسي”، وهكذا ينقل الأخلاقي مبدأ عدم التناقض من المنطق إلى الأخلاق وكأن الأمر القائل “لا تناقض نفسك” يصح للمنطق وللأخلاق في آن معاً (وهذا ما يبدو حجة الأمر القطعي لدى كانط). وهذا يفترض بأنني أحيا لا مع الآخرين فقط، بل أحيا مع نفسي أيضاً. وأن النفس لها الأرجحية على الآخرين.

أما السياسي فيردُّ على تبريرات الأخلاقي الفردي أو الذاتي فيقول: “ما يهم في العالم هو أن لا يكون هناك ظلم، وعليه فإن معاناة الظلم وارتكاب الظلم هما أمران كلاهما سيء. لذا قليلاً ما يهم من صَبَرَ على الظلم، لأن الواجب، من الوجهة السياسية، هو تجنّبه قبل وقوعه أو مقاومته بعد وقوعه. وعليه فإن مقاومة الشر (الظلم) قد يستدعي الإتيان بالشر (العنف). وهذا ما يتناقض مع الأخلاق الذاتية، إلا أنه مبرّر من الوجهة السياسية(17).

 

 

 

 

الهوامش

 

  • يميّز إمانويل كانط في الأخلاق بين:
  • واجبات احترام الإنسان نحو ذاته، ومنها الصدق، والكرامة، والتواضع؛ فيما الرذائل التي تنتهك هذا الاحترام فمنها: الكذب، والبخل (التقتير)، والتملّق (التواضع الزائف)؛
  • وواجبات الاحترام نحو الآخرين، ومنها الحب (ومنه الإحسان، وعرفان الجميل، والتعاطف)، والاحترام (ومنه التواضع)؛ أمّا الرذائل التي تنتهك هذا الاحترام فمنها: الحسد، والجحود (نكران الجميل)، والسرور بمصائب الآخرين، والكبرياء، والغيبة.

(أمانويل كنت، ميتافيزيقا الأخلاق، غير مترجم إلى العربية، ونجد عرضاً وافياً له في: عبد الرحمن بدوي، الأخلاق عند كنت (مذهب الفضيلة ص ص. 171 – 230)، وكالة المطبوعات، الكويت، 1979).

  • لأبي الحسن علي بن محمد الماوردي (المتوفي 450 هـــ) حديث عن “الصدق والكذب” في كتابه “أدب الدنيا والدين”، يؤسِّسُه بأوضح العبارات على “المنفعة”: “فالصدق هو الإخبار عن الشيء على ما هو عليه، والكذب هو الإخبار عن الشيء خلاف ما هو عليه”، و”دواعي الصدق يجوز أن يتفق الجمع الكثير عليها،… لأن الدواعي إليه نافعة،.. والدواعي إلى الكذب غير نافعة، وربما كانت ضارة”، و”ليس في جاري العادة أن يتفق الجمع الكثير على دواعٍ غير نافعة، ولذلك جاز اتفاق الناس على الصدق…، ولم يُجز أن يتفقوا على الكذب”.

(مختارات من “أدب الدنيا والدين” للماوردي أوردها مترجم كتاب: مابوت، مقدّمة في الأخلاق، ترجمة: ماهر عبد القادر محمد علي، دار النهضة العربية، بيروت، 1985، في مقدّمته للترجمة تحت عنوان: موقف المسلمين من الأخلاق وقضاياها، ص ص. 23 – 82).

  • اقترنت المحاولة الكبرى لتأسيس الأخلاق على العقل باسم أمانويل كانط الذي نشر في هذا المجال:
  • تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق (1785)، ترجمة وتقديم: عبد الغفار مكاوي، مراجعة: عبد الرحمن بدوي، منشورات الجمل، ألمانيا، 2002.

نقد العقل العملي (1788)، ترجمة غانم هنا، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2008.

  • تلك باختصار شديد أطروحة المفكّر الإسلامي المغربي طه عبد الرحمن في كتابه: سؤال الأخلاق، مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، الطبعة الرابعة، 2001.
  • لهذه الغاية أجرى عالم النفس جان بياجيه ومساعدوه عام 1932 بحثهم التجريبي عن النمو الأخلاقي عند الأطفال متبعين طريقتين: الأولى هي مراقبة الأطفال يمارسون “لعبة البلي” أو “الكلّي” ذات القواعد، والثانية إجراء مقابلات مع الأطفال تتضمّن معضلات أخلاقية تشمل الكذب والطاعة والمسؤولية والعقاب، ولاحظوا كيف اتخذ الأطفال قراراتهم أو أحكامهم الأخلاقية بشأن الصواب والخطأ في مواقف مختلفة.

(جان بياجية، الحكم الخلقي عند الأطفال، ترجمة: محمد خيري حربي، مراجعة: محمد ثابت العندي، مكتبة مصر، 1956).       

  • تجلّت خصومة الأخلاقيين الصارمين مع اللذة لدى كتّاب مسلمين في الأخلاق في العصر الوسيط ولدى فيلسوف الحداثة الأوروبية، إمانويل كانط: فالفيلسوف والطبيب أبو بكر محمد بن زكريا الرازي (توفي في حدود عام 313 هـــ) يرى في كتابه “الطب الروحاني” أن السعي إلى اللذة إذا ما جاوز حدود الخروج حصراً من حالة الألم والأذى بات عارضاً له مساوئ، كما في “العشق وخساسته”. أمّا العلاّمة فخر الدين الرازي (445هـــ – 506هـــ) في “كتاب النفس والروح” فيفنّد مذهب اللذة، ويبيّن ما في اللذات الحسية من وجوه الذمّ والنقصان، وكيف أن اللذات العقلية أشرف وأكمل من اللذات الحسية. ويعلمنا حجة الإسلام أبي حامد الغزالي (450 هـــ – 505هـــ) في مؤلَّفه “ميزان العمل أن “جميع لذّات الدنيا” من مأكل ومشرب ومنكح من وجوه إزالة الألم، وهي “بجملتها خسيسة”، وفي بيان ما يُحمد ويُذم من أفعال الشهوة يميّز بين “المحمود” من شهوة الفرج وهو “المقدار الذي لا بد منه لحفظ النوع”، و”المكروه” هو ما “يقصد التمتع وقضاء الشهوة فقط”.

(مختارات من كتب المؤلّفين أوردها مترجم كتاب مابوت السابق ذكره في الهامش (2) في مقدمته للترجمة).

وهذا عين ما ذهب إليه كانط في العصر الحديث في كتابه “ميتافيزيقا الأخلاق” الذي لا يخامره أي شك أن “الشهوة الجنسية” الطبيعية وُضعت فينا من أجل المحافظة على النوع أو التكاثر، ولذا تعدّ الشهوة الجنسية لمجرد اللذة الجسدية “رذيلة” لأنها منافية لغرض الطبيعة وتجعل الإنسان في الوقت نفسه موضوع إستمتاع، سالبة منه احترامه لنفسه، ومثيرة للاشمئزاز.

(نقلاً عن: عبد الرحمن بدوي، الأخلاق عند كنت، وكالة المطبوعات، الكويت، 1979).

  • هذا ما تولّى التنظير له ديكارت (1596 – 1650) في القرن السابع عشر في كتابه “الانفعالات” (رينه ديكارت، انفعالات النفس، ترجمة وتقديم: جورج زيناتي، دار المنتخب العربي، بيروت، 1993) الذي حلّل فيه، كعالم نفس، أنواعاً من الانفعالات والأهواء والعواطف ليسمح بعد ذلك، كفيلسوف أخلاق، للعقل أن يسيطر عليها ويروّضها ويوجهها عن طريق ممارسة الفضيلة التي هي عمل الأشياء التي يحكم العقل بأنها الأفضل.

وفي الخط نفسه تقريباً وبطريقة فلسفية معقّدة يعالج سبينوزا (1632 – 1677) مسألة “كبح الشهوات” في كتابه “علم الأخلاق” (باروخ سبينوزا، علم الأخلاق، ترجمة: جلال الدين سعيد، مراجعة: جورج كتورة، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2009)، والذي يقرُّ الغاية منه في القضية (42) الأخيرة في الباب الخامس الأخير من الكتاب (أي آخر قضية وردت في الكتاب) جاء فيها ما نصّه: “ليست الغبطة جزاءاً للفضيلة، بل هي الفضيلة عينها، ولا ينشرح صدرنا لكوننا نكبح شهواتنا، بل على العكس، إن إنشراحنا هو ما يسمح بكبح شهواتنا”، ويلحظ سبينوزا أن السبيل الذي أشار إليه لكبح الشهوات “وعرٌ جداً” ومع ذلك، “فإنه لا يتعذّر الإهتداء إليه”، “وكل ما يكون نفيساً يكون صعب المنال بقدر ما يكون نادراً”.

إن نظرةً أقل مثالية وأكثر واقعية للعقل الموجِّه أو الضابط في مجال الأخلاق نجدها – لدهشتنا – في القرن العاشر لدى المترجم والفيلسوف العربي المسيحي اليعقوبي يحيى بن عدي (893 – 973م) في كتابه “تهذيب الأخلاق” (يحيى بن عدي، تهذيب الأخلاق، دراسة ونص بقلم جاد حاتم، دار المشرق، بيروت، 1986. والكتاب يسبق كتاب مسكويه الذي يحمل الإسم نفسه). يؤكد بن عدي أن “الإنسان التام هو أشبه بالملاك منه بالإنسان”، لذا نجده عند استعراض الأخلاق الحسنة والأخلاق الرديئة متسامحاً معتدلاً في أحكامه، فهو يتسامح عند الضرورة مع إرضاء الرغبة، ولا يدعو مثلاً إلى العفة المطلقة لأنها حالة لا تصلح لجميع الناس.

  • وردت هذه الحجة في حوار مع الفيلسوف الألماني هابرماس (الأخلاق، والقانون، والعصيان المدني، والحداثة، حوار مع يورجين هابرماس، في: ثمن التنوير، حوارات مع فلاسفة ألمان، ترجمة وتقديم: كرم أبو سُحلي، مدارات، مصر، 2019) بأنه “كاد ألاّ يوجد دستور اليوم… (لا) يحدّد الحقوق الأساسية… (وهي) ثمينة وعزيزة علينا عندما يتعرّض شيء حيوي ومهم للخطر”، مفترضاً أن هذه الحقوق مشتقّة من المبادئ الأخلاقية الكونية.
  • ما يثير الدهشة أن يعبّر هذا الميل عن نفسه لدى ملك بروسيا فردريك الثاني (1712 – 1786) الذي حَكَم بين (1740 – 1786) واشتهر بدهائه في الحملات العسكرية وصار يُعرف بفردريك العظيم، وكان من دعاة الحكم المطلق المستنير والتسامح الديني.

ألّف الملك عام 1739، وبتأثير من فولتير فيما يبدو الذي جمعته بالملك صداقة حميمة، كتيّباً بعنوان “الرد على ماكيافيل” ينتقد فيه مفهوم السياسة لدى ماكيافيل نقداً أخلاقياً (فردريك الثاني – (ملك بروسيا)، الرد على ماكيافيل، ترجمة: الحسن اللحية: أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، بيروت، 1998).

يباشر فردريك الثاني نقده الأخلاقي لمكيافيل بأن هذا الأخير “أفسد السياسة ودمّر مبادئ الأخلاق” ويعرض “… سياسةً تستند للترقيع واستحسان الرعب والخيانة… بسفاهة كبيرة”.

  • تنتسب الواقعية السياسية الحديثة إلى ماكيافيل في كتابة “الأمير” (نيقولا ماكيافيلي، الأمير، ترجمة: محمد لطفي جمعة، تقديم: ياسر عبد الحسين، دار الرافدين، بيروت، 2017) ويعدُّ “أباً للمفهوم الحديث للسياسة… ومحرّرها من الضغوطات الأخلاقية للفلسفة الكلاسيكية”، حسب تعبير لفوكوياما، (فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ والإنسان الأخير، ترجمة: فريق من المترجمين بإشراف: مطاع صفدي، مركز الإنماء العربي، بيروت، 1993).

ولعلّ أشهر المدافعين، في القرن الماضي، عن مبدأ “الغاية تبرّر الوسيلة”، وعن مفهوم السياسة المحرّرة من “الضغوطات الأخلاقية” كان ليون تروتسكي في مقاله: “أخلاقهم وأخلاقنا” الذي ظهر عام 1938 في نشرة “نيو أنترناشيونال” الأميركية (ليون تروتسكي، أخلاقهم وأخلاقنا، ترجمة: سمير عبده، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت).

يدافع تروتسكي في المقالة عن البلشفية (وعن نفسه ضمناً) في وجه الإدانات الموجهة إليها من أوساط يسارية في العالم حول المسائل المتعلقة بالأخلاق في أثر المحاكمات وعمليات التطهير الدموية التي طالت ملايين الناس في الاتحاد السوفياتي في عهد ستالين بين عامي 1936
و 1938.

يسلّم تروتسكي أن “الأخلاق هي إحدى الوظائف الإيديولوجية في الصراع الطبقي”، ولكن ألا توجد قواعد خُلقية مبدئية لا غنى عنها لوجود الجماعة نفسها؟ “لا شك أن مثل هذه القواعد موجودة، ألا أن مدى فعاليتها محدودة جداً وغير ثابت”، وأعلى شكل للصراع الطبقي هو الحرب الأهلية التي “تفجّر في الهواء جميع الإرتباطات الخلقية بين الطبقات المتصارعة”.

ويسأل تروتسكي: “وهل هذا يعني أن جميع الوسائل مباحة في الصراع الطبقي ضد الرأسماليين، أي الكذب والتلفيق والخيانة والقتل وهكذا؟”، ثم يجيب بشيء من الإلتواء: “إن الوسائل المباحة والتي لا غنى عنها هي تلك التي توحِّد البروليتاريا الثورية… ومن هذا بالذات يُمنع قولنا بأنه ليست جميع الوسائل مباحة”، أي أن جميع الوسائل مباحة.

وبالنتيجة فإن القواعد الأخلاقية الثابتة يثبت بطلانها وأن التقويمات الأخلاقية للسياسة تنبع من الحاجات الداخلية للصراع الطبقي. والواقع أن أي استنتاج يعتمد على الصراع الطبقي كقانون للتغيير التاريخي “يجعل جميع المسائل الخلقية، أي جميع مسائل الغاية المتوخاة (كتحرير الجنس البشري مثلاً) لا معنى لها” (جون ديوي، الوسائل والغايات، تعليق ملحق بمقالة تروتسكي).

  • ديفيد فيشر، الأخلاقيات والحرب، هل يمكن أن تكون الحرب عادلة في القرن الحادي والعشرين؟ ترجمة: عماد عوّاد، سلسلة عالم المعرفة، عدد 414، يوليو/تموز 2014. عمل فيشر مدرّساً في مجال دراسات الحرب في كينغ كوليج بلندن، وفي مناصب رفيعة بوزارتي الدفاع والخارجية البريطانيتيْن وحاز كتابه على جائزة دراسات الحروب في العام 2013.

ويعقد الكاتب، في ضوء معايير الحرب العادلة، مقارنة مستفيضة ومعمّقة بين حربيّ الخليج الأولى في العام 1991 والثانية في العام 2003، ويخلص إلى أن حرب الخليج الأولى كانت حرباً عادلة لأنها جرت دفاعاً عن قضية عادلة (تحرير الكويت) وبنية حسنة (دعم مبدأ عدم الإعتداء) وبترخيص من السلطة المخوّلة (القرار 678 الصادر عن مجلس الأمن) وشُنَّت باعتبارها الملاذ الأخير (فشل الجهود الدبلوماسية لإقناع العراق بالانسحاب)، وأن مبدأ التناسب جرى احترامه (عدد قتلى الحرب غير مبالغ فيه)، فيما أعتبر أن حرب الخليج الثانية كانت حرباً غير عادلة لأنها عجزت عن تلبية أي من معايير الحرب العادلة، لاسيما أنه لم يتوافر لها قضية عادلة، “وإذا كانت عدالة القضية لا تضمن أن تكون الحرب عادلة، ففي المقابل لا يمكن أن تُعتبر الحرب عادلة من دون توافر قضية عادلة”.

  • في العام 1994 فشل المجتمع الدولي في التدخل لمنع المذبحة الجماعية في رواندا عندما قُتل ما يزيد عن 800.000 توتسي بناءً على حملة تحريضية أدارتها حكومة هيمن عليها الهوتو، في حين أن التدخل على مستوى فرقة مشكّلة من القوات العسكرية الحديثة كان بمقدوره منع وقوع هذه المذبحة.

وفي المقابل شنَّت قوات حلف شمالي الأطلسي في العام 1999 عمليات عسكرية هدفت إلى إثناء الحكومة الصربية عن القيام بعملية تطهير عرقي لألبان كوسوفو، وقد جرى تبرير هذه العمليات باعتبارها عمليات إنسانية.

  • عالج الفيلسوف السياسي والأخلاقي الأميركي تي. أم سكانلون الأشكال المختلفة من اللامساواة في كتابه: لماذا اللامساواة ذات أهمية؟ ترجمة: أشرف محمد كيلاني، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، العدد 48، ديسمبر / كانون الأول 2021.

تشمل اللامساواة، حسب المؤلِّف، أشكالاً مختلفة من الفوارق أو التفاوتات منها: التفاوت في الدخل والثروة، الفوارق في المكانة الاجتماعية على أساس الطبقة أو العرق أو الجندر، عدم التكافؤ في الفرص الاقتصادية، عدم الانصاف السياسي.

  • ر.م. هير، أخلاق السياسة، ترجمة: إبراهيم العريس، دار الساقي، بيروت، 1993.

ويضيف فيلسوف الأخلاق البريطاني أنه قد يحدث، داخل المساواة نفسها، تعارض بين التساوي في الثروة والتساوي في السلطة: فالرغبة في الوصول إلى التساوي في توزيع الثروة، أي المساواة الاقتصادية، قد يؤدّي، وقد أدّى بالفعل، إلى تركيز السلطات الهائلة بين أيدي عدد ضئيل من الناس، أي إلى اللامساواة السياسية.

  • يُطبّق في عدد من البلدان، كفلندا، السويد، النرويج الدانمارك، وهولندا، نوع من العدالة الاجتماعية التي تترجم نفسها في مساواة معتدلة في امتلاك الثروة وفي توزيع الخدمات العامة، وخاصة في مجالات الصحة والتعليم والسكن، وذلك مع المحافظة على حريات المواطنين وحقهم في الاختيار الديمقراطي لحكامهم.
  • دَرَس الكتاب التالي تجربتين ناجحتين في مكافحة الفساد في كل من هولندا وألمانيا:

ر. كروزي، أ. فيتوريا، جي. غيلتز، مكافحة الفساد عبر التاريخ، من العصور القديمة إلى العصر الحديث، الجزء الثاني، الفصل التاسع عشر، ترجمة: إيهاب عبد الرحيم علي، عالم المعرفة، الكويت، العدد 491، فبراير – شباط 2022.

خلُصت لجنة تحقيق غير سياسية في هولندا عام 1977 أن الأمير بيرنهارد، زوج الملكة جوليانا، تلقّى أو طلب “هدايا” (رشوة) من شركة لوكهيد الأميركية لدعم شراء طائرات لوكهيد من قبل الحكومة الهولندية.

أيّد مجلس الوزراء الهولندي استنتاجات اللجنة، إلاّ أنه وافق بالإجماع على عدم محاكمة بيرنهَارد، لأنه لا توجد أسباب مقنعة لتفضيل الملاحقة القانونية على عواقبها الدستورية، غير أن الأمير عُزل من منصبه كمفتش عام للجيش الهولندي ومن وظيفته كممثّل رسمي للعديد من الشركات الهولندية، ومنعه مجلس الوزراء من إرتداء زيه العسكري في الأماكن العامة في المستقبل. واعترف الأمير بأخطائه وقدَّم اعتذاراً علنياً.

“التشهير بديلاً للعقاب”، هكذا تعامل الهولنديون مع فضيحة لوكهيد، وكانت العقوبة الأخلاقية شكلاً بديلاً من العقاب، وكانت المعاملة العلنية للفضيحة في حد ذاتها مثالاً على ثقافة صحية لمكافحة الفساد.

عام 1985 انتهى تحقيق برلماني في ألمانيا، بعد 85 اجتماعاً و 321 ساعة من جلسات الاستماع التي اُستجوب خلالها 49 شاهداً، إلى إظهار أدلة على أن تكتل فليك الصناعي الألماني دفع ملايين الماركات للأحزاب الألمانية الكبرى، بهدف تأمين إعفاءات ضريبية من الحكومة. غير أن التحقيق لم يوصِ بالملاحقة الجنائية لأن “لجنة التحقيق ليست محكمة قانونية”، ولم يتعرض المسؤولون عن الفضيحة للملاحقة بتهمة الرشوة، ولكن اضطر أحدهم إلى الاستقالة من منصبه الوزاري، وأُدين ثلاثة آخرون بتهمة التهرّب الضريبي. وفي هذه الحالة، كما في فضيحة لوكهيد، عوقب بعض المسؤولين أخلاقياً، وتمت في الوقت نفسه حماية النظام السياسي.

  • الحجة والمثال الإفتراضي مستقيان من حنا ارندت (1906 – 1975): حنا ارندت، المسؤولية والحكم، ترجمة: معز مديوني، منشورات الجمل، 2020.
زر الذهاب إلى الأعلى