“لهيب الأناضول” العرض التركي في كازينو لبنان الحرب تحت أقدام الراقصين

جريدة السفير
١٧/أيار/٢٠٠٤
أحمد بزون
قد يكون العرض الذي تقدمه فرقة الرقص التركية في كازينو لبنان (لغاية ٦ حزيران المقبل) أكثر إدهاشاً لمشاهدين غربيين، منها لمشاهدين لبنانيين. ومن هنا أتى نجاح الفرقة في عروضها الغربية، وتأتت شهرتها بعد العروض التي قدمتها في ألمانيا وبلجيكا وهولندا وسويسرا وسواها، ومن هنا أيضاً أتى العرض الذي قدمته الفرقة أقل إدهاشاً وأقل تأثيراً وعلى شيء من الإحساس الأفقي، إذ الغربي يدهشه التعرف على تراث فني جديد ومختلف، في الوقت الذي يتمتع فيه بالمضمون الفني، في حين كنا نتمتع بالمضمون الفني، من دون أن نشعر بأن ما يقدم بعيد عن تراثنا أو يعلّمنا الكثير. حوالى تسعين راقصاً تناوبوا على تقديم أجسادهم لتروي نصة الصراع والحرب والحب في التاريخ التركي. الأجساد تتحرك بلباقة وحرفة وسرعة، مع مقدار كبير من العنف والصخب ودفع التعبير إلى حدوده القصوى.
طقوس الحرب
لم يكن الرقص طقساً من طقوس وصف الحرب، إنما كان أسلوباً في رفضها، وفي التذكير بمآسيها. لا شك في أن ذاكرة الحرب كانت حاضرة من خلالٍ ذلك العنف في الحركة، ومن خلال ذلك القرع القوي للطبول، وضرب الأقدام المتواتر على يصملون ذاكرة واعة للحرب جل أصبحت الحرب جزم أاسيا من تراثهم.
كنا أمام لوحات من الرقص الذي يتناوب فيه التراثي والحديث، ويحكي لنا تاريخ التراث الفني التركي، فنستعرض الموسيقى وآلاتها الشرقية وعدداً من الدبكات الشعبية، بالإضافة إلى ما استلهمة مصطفى أردوغان، مدير الفرقة، من التاريخ الفني وما استحضره من خصوصية الحاضر. على أن بعض الصور التي كانت تظهر في تلك الدائرة القمرية المعلقة على جدار المسرح، كانت تظهر مثل ذلك التناوب التاريخي، إذ ترافق مشهد الرقص بالطبول وصورة مصكوكة أثرية قديمة يظهر فيها اثنان من قارعي الطبول في زي قديم.
تنوع الفولكلور
الأزياء التي كانت تتبدل مع تبدل الرقصات، كانت هي الأخرى تلعب على المراحل التاريخية وعلى طبيعة الفولكلور الشعبي بما فيه من تشعبات، كما على الإلحاح الدائم على توتير التعبير. تضاف إلى تلك الألوان التي أتت في غالبيتها فاتحة وفرحة ومضيئة، والتي لا يغيب الأحمر ومشتقاته عنها، الألوان التي كانت ترميها الأضواء على الراقصين. فالإضاءة التي كانت تتبدل هي الأخرى بوتيرة عالية، كانت عنصراً مشهدياً حاضراً بقوة، إذ كانت تتبدل وتتقطع بسرعة وبكثافة، متماهية مع الجو التعبيري ووتيرة الحركة في تصعيدها وتبطيئها.
لوحات اتسعت للتعبير عن التراث التركي بتنوع قومياته وتنوع أذواقه، بطابعه الأناضولي الشرقي، كما اتسعت لرقصة الموت وهدير العسكر وعنف الطبول ومشاهد الموت والفرح, وشهدت الكثير من ذلك التداخل الجميل بين المتناقضات، حيث تتوالى رقصة التنورة الصوفية بعد الرقص الغرائزي الذي يستحضر مفاتن هزّ الخصر. كما يتداخل في وقت واحد أذان المساجد والموسيقى الحديثة.
مزيج مشهدي فاتن، لكنه قد يفتقد الغرابة والمفاجأة.


