أرشيف النادي

ندوة حول كتاب عزيز العظمة

كتبت امينة درغام:

ان تناول حياة الدكتورقسطنطين زريق هو دخول الى عالم فكري واخلاقي على السواء، فالمفكر الراحل بحث في علم الاجتماع وهو المؤرخ والاكاديمي متسائلا عن البواعث والاسباب للافكار والاحداث في المجتمعات العربية قبل “النكبة”

وبعدها، مبتعدا عن الاستناد الى الفكر الديني الذي شهدنا تفلفله اكثر فأكثر في العقود الثلاثة الاخيرة. العظمة عارضا لكتابه “قسطنطين زريق عربي للقرن العشرين” الصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية، في بحث القومية العربية “ليست تذكرا لتراث اي انه ليس تذكرا افلاطونيا على طريقة الراحل ميشال عفلق، كما انه ليس شأنا ناجزا قبل التاريخ، ليس هوية، ليس غريزة، ليس فعلا بيولوجيا، بل هو عملية اجتماعية بالغة التعقيد”. كما ان زريق، والكلام ايضا للعظمة، وفي كتاباته المبكرة في الثلاثينات، “يربط بين الماضي والحاضر على صورة استمرار في الهوية، بين ما كنا عليه وما سنصبح عليه. اي ان المستقبل يصبح افتراضا ينعكس لديه في التفريق بين التاريخ “الحافز” والتاريخ العبء. التاريخ الحافز هو التاريخ الذي يستسيغ الماضي دون ان يكون مرتهنا به، اما التاريخ العبء فهو الارتهان للماضي، الارتهان الى خيال هوية، خيال عظمة، خيال سؤدد وما الى هنالك”. ورأى انطلاقا من هنا، ان “فكر زريق مساوق ومطابق لتطور المجتمعات العربية، لأن زريق رأى في اقامة النصاب القومي عملية تاريخية تصاعدية، عملية تمدينية. والقومية ليست سابقة او الامم ليست سابقة للحركات القومية والفكر القومي. اي ان النصاب القومي شأن ناتج عن تطور موضوعي وليس شأنا مستودعا في ماض، وهو في هذه الحالة، ماض متخيّل”.

واعتبر ان زريق لم يكن “معتذرا لهذا التصور الحداثي للقومية اي القومية بما هي بوتقة لعلاقة المواطنة بين افراد المجتمع بغض النظر عن الانتماء الى البلاد. هو لم يعتذر، لم تكن حداثته اعتذارية. والفكر الحداثي في العالم العربي في العقدين الاخيرين اصبح يوغل في الاعتذارية لهذه الحداثة، ويحاول ان يستنسب هذه الحداثة استنسابا وهميا من نصوص قرآنية وتراثية وما الى هنالك. وزريق كان العكس، بمعنى انه علينا النظر الى الماضي بمنظور الحاضر وليس ان ننظر الى الحاضر بمنظور الماضي، والنظر الى الماضي يشمل ايضا النظر الى التراث الديني ونظرة تاريخية وعقلانية لا بد منها ولا بد من كسر هذه الجملة من الموانع التي تكبل عمل الفكر العربي”. وتحدث العظمة عن توتر آخر لدى زريق يتعلق بمفهوم النهضة والتقدم والترقي، وكلام العظمة جاء في ندوة دعت اليها مؤسسة الدراسات الفلسطينية، تحدث فيها بداية مدير المؤسسة محمود سويد مرحبا، ثم قدمت الندوة وادارتها الدكتورة ليلى شرف. وعلى عكس العادة السائدة في الندوات حول كتاب لمؤلف ما، جاء العرض من المؤلف ذاته في البداية، ليعود ويبحث فيه المنتدون. قرم وقد قدم الوزير السابق الدكتور جورج قرم والدكتور فيصل دراج مداخلتين حول الكتاب، وقد رصد قرم في قراءته للكتاب بداية الحوار بين العظمة وزريق ووصفه بالسجال المخفي والمستتر بين المؤلف وزريق، على انضباط لدى المؤلف لا بل “اقسى حدود الانضباط، في ان لا يظهر هو مع جملة توجهاته الفكرية بين صفحات الكتاب الذي اراده مكرسا لقسطنطين زريق”. ومع هذا، تلمس، على حد قول قرم، “بعض المآخذ المهذبة على التوجهات او الممارسات المهنية والسياسية للدكتور زريق، تبقى عرضية وغير مباشرة”. مداخلة قرم تركزت على ما قادته اليه قراءة كتاب العظمة حول احدى الشخصيات البارزة في الفكر السياسي والفلسفي العربي الحديث، من تساؤلات تمحورت على افتقار الادب السياسي والفلسفي العربي الى التراكم المعرفي حول نفسه، وعزلة المثقف العربي المستقل، معتبرا ان كتاب العظمة “خير مدخل الى تأسيس مرحلة جديدة في حياتنا العربية المعاصرة”. وكان قد أكد “حاجتنا الماسة في العالم العربي الى تكريم رواد النهضة العربية من رفاعة الطمطاوي الى قسطنطين زريق واعطاء أعمالهم الثقل الاعلامي والفلسفي الذي تستحق، خاصة بعدما برهنت معظم الحركات الاصولية، وخصوصا تلك التي استولت على الحكم في بعض الدول العربية او غير العربية، فشلها في اقامة دولة العدل والتنمية والرفاه التي يمكن ان تضاهي الدول المتقدمة في كل الميادين العلمية والتكنولوجية والتنموية”. دراج اما مداخلة فيصل دراج فجاءت حوارا آخر، انطلق من حوار العظمة – زريق لينشئ حوارا مرادفا انطلاقا من كتاب “صور المثقف” للمفكر الراحل ادوارد سعيد. ورأى دراج انطلاقا من ذلك انه “ربما يكون زريق، كما جاء في كتاب العظمة، صورة عن “المنقف الهاوي”، بلغة سعيد الذي يدافع عن معايير الحق والحرية والعدالة الازلية، وهو ما وزعه على مهنة أكاديمية، يدرّس فيها التاريخ ويدرسه، وعلى حقل واسع يتجاوز المهنة يمكن ان يدعى القومية العربية في امكاناتها الفعلية وامكاناتها المجردة”. واضاف: “يدرس الكتاب موضوعه في ثلاثة مستويات: الانسان المأخوذ بمعابير الحق والخير والجمال، وهي معايير أزلية، يصبو الانسان ابدا اليها ولا يظفر بها. وهذه الرغبة في امتلاك الحق، الذي يتأتى على الامتلاك. نفسر الثبات الاخلاقي المدهش لزريق الذي تختلط فيه الرومانسية النبيلة بقدرة على الحلم لا تنتهي وتضيء اشاراته المبكرة الى العلاقة بين الدعوة الى “العقيدة” وسير “الانبياء”. يتجلى المستوى الثاني في المثقف الذي أراد زريق ان يكونه، الذي يعطف معارفه المتجددة على القيم الازلية، معتقدا ان في المعارف ما ينقل القيم الازلية من مجال الرغبة الى مجال التحقق.

اما المستوى الثالث فيتعين في مجال الفكر القومي، الذي توزع على اسهامات مختلفة. وبقي اسهام زريق هو الاوضح والالمع والاكثر اتساقا، ذلك ان في كتابه الاخير “ما العمل” وكتبه وقد قارب التسعين، اصداء من كتابات سبقته بستين عاما تقريبا. يكثف المستوى الثاني المستويين الآخرين ويكون مسيطرا يعلن عن مثقف نهضوي نموذجي، فقد انتسب زريق الى عصر النهضة من كتاباته الاولى الى لحظته الاخيرة، وينشر الجمالية والمأساة لدى “المثقف الرسولي” الذي يرفع عاليا رسالة فاضلة ينتظر ها الاخفاق”. وعرض دراج لتطور فكر زريق انطلاقا من كتاباته المبكرة (“الوعي القومي” وما سبقها) وكيفية تعامله مع “قومية عربية جاهزة” العناصر، تبعثها نخبة مثقفة اخلاقية، وذلك في صيفة نظرية حداثية مضطربة، ترى في القومية معطى موروثا لا نتيجة تاريخية”، وصولا الى أفق نظري مختلف عن النظرية القريبة من “العقائد الملقاة في الدروس الدينية (في كتاب العظمة)”، وذلك بعد عام 1948، حيث يسائل زريق النكبة ويعيد مساءلتها بعد 20 سنة، مؤسسا لعلم مأسوي هو “علم النكبة”، مشيرا هنا الى ان العظمة “انتقد افكار زريق الشاب بوضوح لا خفاء فيه، مشيرا الى انتقال الاخير بعد 1948 من “الانقلابية الخطابية الى التحري التاريخي لمعاني الانقلابية، والتشديد المتزايد على العلل الداخلية”، كأن في النقد ما يفصل بين “خطاب انقلابي”، يتوسل الارث والاخلاق أداة لتغيير التاريخ، و”خطاب تاريخي” يدرج الارادة والاخلاق في الشروط التاريخية والاجتماعية”. واشار دراج الى مواضع نقد العظمة لزريق، معتبرا انه جاء بأسلوب رميف لم يمنعه واقع الابوة والبنوة بين الاثنين. وكان العظمة في بداية الندوة يشير الى قسطنطين، ب”كوستي”، الاسم الذي يطلقه عليه كل تلامذته تقريبا.

زر الذهاب إلى الأعلى