قفزات طموحة في لوحة فاطمة الحاج اللون يندمل في الجرح

صحيفة النهار : الأحد ٩ أيار ٢٠٠٤
محمد شرف
اعمال فاطمة الحاج الجديدة المعلقة على جدران “غاليري الوان”، تستكمل مسيرة عقدين من الزمن في سماء التشكيل. وهي اعمال تتواصل، في جزء منها، مع ما سبقها قبل ان تختلف وتعلن حضورا متجددا في جزئها الآخر. وهذه مسألة بديمية وجوهرية بالنسبة الى فنانة تنهمك بلا كلل، في عملية بحث دائم يصعب تحديد مداها وحجمها.
البارز في هذه الاعمال هو الحضور الواضح، الضاغط، للشكل الانساني الذي يتحول، في اوضاعه المتنوعة، موضوعا لا يغيب عن الذهن ولا يفترق عن اللوحة الا لماما، عبر استراحة لونية خالصة كي يعود مرة اخرى بأثواب اخرى، ليجعل من اللوحة مساحة لحركته، وحقلا لضروب انفعالاته. وما هذه الانفعالات سوى انعكاس لموقف الفنانة نفسها، وهي التي تلتجىء الى اللوحة كي تواجه انتكاسات زمن صعب. زمن تتسابق تفاصيله، الحاضرة منها والغائبة، على محاولة تقييد النفس بسلاسل اليأس. زمن حافل بنتوءات وتقرحات تتهدد حساسية الفنان، تختبرها وتقلقها.
الريشة لدى فاطمة الحاج اشبه بسلاح، بنصل حاد يقتلع تلك النتوءات ويحولها عجائن لونية، يمزجها ويفرقها، يجعل منها سيرة شعورية مرسومة على القماش.
الكائنات ترقص في احدى لوحات فاطمة الحاج. تتمايل اجسادها على وقع ترانيم غير مسموعة. اجساد يبرز بعضها ملونا بال'”اوكر”، الذي يضفي على سحنتها مسحة سمراء، وتفصح ثيابها ورقصتها عن مناخ افريقي، بينما تشير حركات الايدي الى جو انفعالي ينطبق ايضا على اشباح الكائنات الاخرى التي تشكل خلفية اللوحة وتتماهى معها على نحو ضبابي، بينما تؤلف تلك الكائنات المسطحة والمختصرة، في مجموعها، وحدة حركية – انفعالية، على شكل دائرة غير مرئية تحدد النمط التأليفي للعمل.
وحين ترتسم شخصيات اللوحة على نحو ثنائي – وهي كذلك في اعمال عديدة – تبدو لنا من خلال خطوطها الخارجية، رغم افتقارها المقصود للملامح والتفاصيل، حاملة شعورا مركبا هو مزيج من الحيرة والالتباس حينا ومن الهدوء والسكينة حينا آخر.
وهنالك دائما في اعمال الفنانة فسحة للتساؤل والتأويل: على خلفية جسد انثوي ثمة قطعة من صحيفة ملصقة على القماش تغطي الالوان السطور والكلمات فلا تبقى ظاهرة للعيان سوى ملامح شبكة “كلمات متقاطعة”. اسئلة بحاجة الى اجوبة، ام ان جسد الانثى سيبقى، في نهاية المطاف، لغزا ؟
الانثى – اللغز سترتدي، في لوحات اخرى، ثوب العرس وتتلون
بأبيض شفاف من دون ان تلوح من ورائه تفاصيل الجسد، فهو اشبه بعمامة لونية تستعيد لحظات الفرح، فرح اللقاء المستعار من ذاكرة الايام والذي يعد بفرح جديد. فرح من نوع آخر ربما سيتمثل في ما تنشده تلك القامة، الانثوية ايضا، وهي تنظر من فتحة الباب كأنها معلقة بين الداخل والخارج، بين الوحدة والتلاقي. وحدها القطة، القابعة في زاوية اللوحة، قادرة بشكل
كامل على ممارسة استقلاليتها الغريزية، بنظرتها المتجهة الى الاعلى، نحو سماء ملأى بخربشات ورموز.
يخيّل الينا ان شخصيات فاطمة الحاج لا تستريح من هواجسها وقلقها الا في لحظة لقائها مع الطبيعة، فتقترب القامات بعضها من البعض الآخر وتتعانق، يحوطها الاصفر الصارخ، او تتقابل وجها الى وجه كأنها تمارس طقسا من طقوس فوق مساحة يفوح منها الاخضر. وقد تزيح ستارة النافذة كي تتلقى وهج عناصر الطبيعة الخارجية والوانها البراقة، بينما يتشح الكائن الانساني، الممسك بالستارة، بلون ازرق هو انعكاس للون الداخل.
هذا التعاكس بين الكائن والمحيط الخارجي يتضح ويتبلور في اكثر من عمل: الشكل الانساني في ثوبه ذي اللون الواحد، في مواجهة الطبيعة بأثوابها المنمقة. كأن الطبيعة تمتلك قدرا من الحرية والعفوية يفوق بأشواط ما تنشده النفس الانسانية، الغارقة في متاهات الحياة اليومية وتعقيداتها.
تتواصل لوحة فاطمة الحاج في المعرض الحالي مع سابقاتها، لكنها تتجاوزها ايضا. فالفنانة لا تستكين الى الحلول الجاهزة والى الاسلوب التعبيري – التشكيلي الذي يميز اعمالها السابقة. ويمكن تلمس معالم عملية البحث، التي جرى ذكرها، ضمن اعمال المعرض الواحد الذي نحن في صدده. اذ ثمة مسار تصاعدي يقيم الفرق بين اعمال واخرى بحسب تسلسلها الزمني، رغم محدودية الفترة الزمنية.
تفوص فاطمة الحاج كل مرة، في محيط شعوري مجهول المعالم تنبىء طبيعة امواج شواطئه عن هدوء مخادع، لكنه محيط يتحول هائجا كلما بعدت المسافة عن الشاطئ. والتعامل مع الامواج العاتية يستوجب التسلح بالادوات الملائمة. لذا فان اللون يقوى، يشتد صفاؤه ويتضاعف زخمه، لتصبح اللوحة حادة المعالم، متينة في تأليفها، مع تعاكس واضح في علاقاتها اللونية، حين يشتد أزر الحار على البارد، ويعجز البارد عن اطفاء جذوة الحار ف “يتساوم” الاثنان على قاعدة الانسجام… والتلاقي.
لوحة فاطمة الحاج الجديدة تغالب الواقع والمحيط “من دون مساومة”. تحاربه بحرية الاشكال وحرية اللون، وبالتوق الدائم، الى استكشاف المجهول عبر دروب الاحاسيس، وهي دروب لا تخطئ
الا في ما ندر •


التشكيل حين يحتفي بالحياة ، بالحياة الشخصية.


