رواية وروائيون

غادة علي كلش/ رواية ندى عبد الصمد حين انطفأت شرفات اليهود في وادي أبو جميل

 

يشكّل العنوان المختار لمطلق أي كتاب، دلالة متعدّدة الرّموز والقراءات والاستهداءات، فهو الباب الذي يُفتَح على الرّواية، فإن لم نتأمل معالمه التّصويريّة وأبعاده اللغويّة قبل العبور منه، فإننا قد ندخل إلى متن الرّواية من الممرّ الخاطىء.

من هنا، وأمام عنوان الرّواية الصّادرة حديثا للكاتبة والصّحافية ندى عبد الصمد “حين انطفأت شرفات اليهود في وادي أبو جميل”، لا بد أن نتساءل عن المقصود من كلمة شرفات. فالإنطفاءة معروف عنها أنها تدل إلى العتمة والغياب وانكفاء الضوء. أمّا الشُّرفات فلها رموز أكثر وتحثّنا على استكشافها بشكل أعمق. لها رمز البيوت، ورمز طقوس أصحابها في الجلوس على كراسيّهم في أوقات معيّنة، ولها رمز متابعة حركات أهل الحي وحفظ عاداتهم ووجوهم، ومعرفة أسمائهم، ولها أيضا رمز تأصيل الإقامة والسّكنى والهويّة الوطنية. فهل غطى هذا العنوان كلّ هذه الرّموز؟
يقوم بناء الرّواية على التوثيق الروائيّ الصّحافيّ من جهة، وعلى التّوليف السّمعيّ الحكائيّ من جهة ثانية، وذلك ضمن صياغة لغويّة رصينة، لا تخلو من تحقيق الشّروط الفنيّة التي تقتضيها الكتابة الروائيّة. أمّا صلب الرّواية ، فيقوم على مقاربة شريحة هويّاتيّة يهوديّة، كانت تعيش في لبنان منذ عشرات السّنين، وتقطن في مدينة بيروت، في البسطة التّحتا والمزرعة، وبشكل خاصّ، في منطقة وادي أبو جميل التي كانت ولا تزال تُعرَف بمنطقة اليهود.
هذه المقاربة الصّعبة بحد ذاتها هي استرجاع لصدى العيش، وهو أيضا استرجاع ذو إشكالية معقدة، سواء أكانت تأتي في سياق الذّكريات ونبش الذّاكرة، أم أكانت تأتي في سياق الحنين والانسلاخ عن الوطن المنشأ، والالتحاق قسرا بالكيان المحتل الهجين الذي اغتصب فلسطين وسمّاها إسرائيل. لماذا نقول عن هذه الكتابة الذّاكريّة بإنها كتابة إشكاليّة؟ لأن اليهود كطائفة يُنظَر إليها في مفهوم القوميّة العربيّة وفي الذهنية الشعبيّة العربيّة الثائرة، بارتباطها بالكيان الإسرائيلي المحتل، المجرم، الغاشم، والعدوانيّ. فحكايات الذاكرة التي تخص اليهود في لبنان، تقضّ في الوقت عينه مضجع اللبنانيين وتُحرِّك في وجدانهم كراهية الإسرائيليين ولا تثير في أنفسهم
الشجن والتّعاطف، إلّا ربّما عند الذين جاوروهم في الحيّ والمباني والشقق وكانت لديهم عِشرة معهم.
هذا ناهيكم عن مرور لبنان في هذه المرحلة بالذّات، بانتكاسة حربية وديموغرافية- إنْ صحّت الاشارة- عبر العدوان الذي شنّه ولا يزال يشنّه جيش العدو الإسرائيلي، وعبر احتلاله لمواقع عدة من جنوب لبنان، وذلك حتى بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار منذ عام.
تروي ندى عبد الصمد حكايات يهود وادي أبو جميل بالتوثيق المتواتر من خلال صوت الذاكرة، ذاكرة من بقي حيًّا من جيرانهم اللبنانيين، وذاكرة أبناء الذين ماتوا وكانوا قد سمعوا منهم تلك الحكايات عن عائلات أولئك اليهود وأسمائهم . كما وتوثق عبد الصمد المرويّ من الحكايات، من خلال إضفاء مشهدية تظهيرية على الحوار، بأسلوب روائي واقعي لا يخلو من الدّقة حينًا، ومن بعض الضبابيّة التوصيفيّة للذاكرة الحسّية، حينا آخر، وذلك تبعا لاختلاف مستويات ذاكرة الشّهود.

{يهود بيروت يتحدثون لهجة شاميّة عربية منتشرة في بلاد الشّام، مع استخدام اللغة العبريّة للأغراض الدينيّة والثقافيّة.}

ولأنّ المبنى الروائيّ لكلّ رواية لا يخلو من لغة التّخاطب، كان ينبغي للكاتبة إعطاء صورة توضيحيّة أوسع للّهجة التي كان يهود وادي أبو جميل يستخدمونها مع جيرانهم بشكل خاصّ، ومع سكّان بيروت، بشكل عامّ. فهذا الأمر يشكّل أهميّة من حيث معرفة القاموس الألسنيّ للهجة يهود لبنان. حتى بعض النّماذج القليلة التي ساقتها الكاتبة في عبارة وردت على لسان طبيب يهودي باللهجة العاميّة، نجدها تنقطع وتكتمل بالفصحى. علمًا أنّ الكاتبة شبّهت اللهجة التي استخدمها ذلك الطبيب باللّكنة الحلبيّة.
أثارغياب نماذج أكبر وأوسع للهجة يهود بيروت، إهتمامي، حاولتُ أن أعثر على معلومة عنها، فقرأت بعض المعلومات التي تقول “إنّ يهود بيروت يتحدثون لهجة شاميّة، وهي لهجة عربية منتشرة في بلاد الشّام، مع استخدام اللغة العبريّة للأغراض الدينية والثقافية”.
الرّواية بشخوصها وأحداثها ونطاقها الجغرافيّ والايديولوجيّ والاجتماعيّ والهويّاتي، تجعلنا نقف على كتف وادي أبو جميل، ونرى كيف رحل الصّبيّ ماركو مع أهله هربا من تداعيات احتلال فلسطين، إسوة بكل العائلات اليهودية التي هربت من سوريا ولبنان والعراق ومصر والمغرب وتونس، وتوجهت إلى أوروبا وإلى أرض فلسطين المحتلة.
لكنّ الصبيّ ماركو الذي عاش يافعًا في بيروت، وشبّ في فلسطين، أصبح جنديًّا في الجيش الإسرائيلي، فالتحق بقوات جيش العدوّ حين اجتاح جنوب لبنان في العام 1982، وصولا إلى بيروت. عند هذا المفصل التّاريخي، قصد ماركو وهو في ثيابه العسكرية، منزل الجيران
القدماء، وعرّف عن نفسه. فتفاجأت الجارة به وأدخلته وسألته بلهفة عن والديه.
نفهم من استقبال ماركو بمثل تلك اللهفة، أنّ الجيرة عند اللبنانيين لها مكانتها وحنينها ووفاؤها، وتلك صفات العرب عموما. كما ونفهم خوف والديّ ماركو عليه من أن يقتلَ أحدًا من معارفهما
أيام عيشهما في لبنان. وهذه الصّورة بالذات، تجمع بين هذين الضدّين: وفاء العرب، وإجرام الجيش الإسرائيلي.

{ روت لنا ندى قصص رحيلهم، فمَنْ يروي ما حدث معهم بعد الرحيل؟}

 

شهادات النّاس في وادي أبو جميل، وذكرياتهم عن جيرانهم اليهود، توقفت عند مغادرتهم لبنان، هم لا يعرفون شيئا عن الجميع أين رحلوا وكيف مضت حياتهم.
روت لنا ندى قصص رحيلهم، فمَنْ يروي ما حدث معهم بعد الرحيل في هذه الرّواية التّوليفيّة التي تجمع بين دور الموِّثق والرّاوي، من جهة، ودور الموصِّف والمراسل الحربيّ، من جهة مقابلة؟
نقرأ من متن الرواية:” في تلك الإقامة بدأت ملامح النّدم تلوح عند سليم والتّساؤلات عمّا إذا كانت هذه هي الخطوة الافضل؟ لكنّ ماري حسمت الأمر ومنعت الكلام إلا بما يمكن أن تكون عليه الحياة الجديدة. وبعد أسبوعين إنتقلت العائلة إلى إسرائيل، وفي المطار أُعطِيَ ماركو وشقيقته الصغيرة عنوانا للتوجّه إليه بعد ثمانية أشهر للالتحاق بالخدمة العسكرية” (ص75).
لا شكّ في أنّ اختتام الرّواية بقصّة ليزا الشابّة اليهوديّة الوحيدة التي رفضت مغادرة لبنان وبقيت تعيش فيه حتّى النهاية…، تحمل دِلالة قويّة وإستثنائيّة على أنّ الخوف وحده لا يزعزع قلبا مُحِبًّا للأرض والجيران والنّاس، رغم كل التحرّكات والانتفاضات التي قامت بها الشعوب العربية ضد اليهود إبّان نكسة 48. فهل ليزا أحبت لبنان، أم أحبّت مصالحَها اليهوديّة المتأرجحة بين الحبّ والأملاك؟

النّاشر: رياض الرّيس للكتب والنشر
عدد الصفحات: 350 صفحة من القطع الكبير
سنة الإصدار: 2025

زر الذهاب إلى الأعلى