نرمين الخنسا / السرد في زمن الانهيار

نرمين الخنسا
في مواجهة الازمات والخيبات، تصبح الكلمة فعل بقاء. فحين ينهار العالم من حول الكاتب، تتحوّل الرواية من مساحة للخيال إلى مساحة للشهادة، ومن أداة تعبير إلى وسيلة نجاة. هذا النص يتأمل في معنى الكتابة حين تغدو اللغة آخر ما تبقّى من العالم.
في زمن الحروب والانهيارات، تتغيّر وظيفة الأدب، ويتحوّل السرد من متعةٍ جمالية إلى فعل نجاةٍ وجودية. لم يعد الروائي مجرّد راوٍ للحكايات أو صانعٍ للخيال، بل صار شاهدًا ثقيلًا على زمنٍ يتهاوى أمام عينيه. في هذا الزمن الموحش، تتكسر المعاني، ويذوب الفرق بين الواقع والرمز، وبين الحياة والنص، لتصبح الكتابة نفسها ساحة مواجهةٍ مع الفناء والنسيان.
{كل نص يُكتب في زمن الانهيار يحمل في أعماقه رغبةً خفيّة في النجاة، وفي تحدّي الصمت والغياب}
الكتابة، في لحظات العجز الكبرى، لا تأتي من ترفٍ فكري أو من بحثٍ عن أسلوب جديد، بل من حاجةٍ أنطولوجية تماثل فعل التنفس. يكتب الروائي كي يبقى، وكي يذكّر بأن اللغة ما زالت قادرة على ترميم ما تصدّع في الذاكرة، واستعادة ما تبقّى من ملامح الإنسان والوطن. إنّها محاولة للقبض على المعنى في عالمٍ فقد معناه، وللتمسّك بخيطٍ من الضوء وسط العتمة الكثيفة التي تحيط بالواقع والروح معًا.
في هذا السياق، تغدو الرواية شهادةً ومرثيةً في آنٍ واحد؛ شهادة على الانهيار الإنساني والاجتماعي، ومرثية لجمالٍ كان، ووعدٍ لم يتحقق. غير أنّها ليست فقط تأريخًا للحطام، بل أيضًا مساحة مفتوحة للأمل، مهما بدا الأمل هشًّا أو ضئيلًا. فكل نص يُكتب في زمن الانهيار يحمل في أعماقه رغبةً خفيّة في النجاة، وفي تحدّي الصمت والغياب.
يجد الروائي المعاصر نفسه إذًا في مواجهة ثلاثيةٍ معقّدة: المدينة، والجسد، والذاكرة.
المدينة التي كانت رمز الحداثة والحلم، تحوّلت إلى مسرحٍ للدمار والتشظي.
الجسد الذي كان مصدر اللذة والحياة، بات وعاءً للألم، يحمل آثار الجروح المادية والرمزية.
أمّا الذاكرة، فهي المستودع الأخير للمعنى، لكنّها ذاكرة مثقلة بالصور المتكسّرة، مهدّدة بالزوال في كل لحظة.
{الكتابة هنا تتحوّل إلى شكلٍ من أشكال المقاومة الصامتة؛ مقاومة لا تُمارَس بالسلاح، بل بالحبر، لا بالصراخ، بل بالذاكرة}
في مواجهة هذا الانهيار الثلاثي، تصبح اللغة أداة المقاومة الوحيدة. فهي الكائن الحيّ القادر على التجدد، والوسيط الذي يمكنه أن يعيد صياغة العالم ولو على الورق. كل جملة تُكتب في هذا السياق هي محاولة لإحياء ما مات، واستعادة ما سُرق، وتأجيل النسيان قدر المستطاع. فالروائي حين يكتب لا يبحث عن الخلاص، بل يؤكّد على الوجود ذاته، على أن هناك من يرى، ومن يشهد، ومن يصرّ على الحلم حتى في ذروة الحرب.
الكتابة هنا تتحوّل إلى شكلٍ من أشكال المقاومة الصامتة؛ مقاومة لا تُمارَس بالسلاح، بل بالحبر، لا بالصراخ، بل بالذاكرة. فهي ترفض أن يُمحى الصوت الإنساني من خرائط الألم، وتصرّ على أن تترك أثرًا صغيرًا مضيئًا في العتمة. بهذا المعنى، تغدو الرواية رسالةً مؤجلة إلى الغد، إلى القارئ، إلى الوطن، إلى الذات نفسها، ومفادها أنّ الإنسان رغم الحروب والخيبات والويلات لم ينكسر بعد.
وهكذا، يصبح السرد في زمن الانهيار فعلًا لإعادة التوازن بين الوجود والعدم، بين الألم والرغبة في
البقاء. يكتب الروائي لا ليحكي فحسب، بل ليؤكّد حضوره الإنساني في عالمٍ ينهار، وليترك شاهدًا حيًّا على صمود الإنسان والمدينة والكلمة. فكل رواية تُكتب بعد الصمت هي جسرٌ بين ما كان وما يمكن أن يكون، بين الخسارة والرجاء، بين ركام الواقع وإمكانية إعادة بنائه عبر الخيال.



