مامادو سامب / نظرة الأعمى

“نظرة الأعمى” هي رواية للكاتب السنغالي مامادو سامب المكتوبة باللغة الفرنسية، والحائزة على الجائزة الكبرى للرواية لطلاب المدارس الثانوية في السنغال، ترجمها إلى العربية الكاتب محمد أسعد قانصو في نسخة صدرت حديثا في لبنان. وقد خصّها رئيس إتحاد الكتاب اللبنانيين الدكتور أحمد محمود نزّال بمقدمة تحت عنوان” نظرة الأعمى لمامادو سامب: حين يغدو الاحتجاج درسا في الانسانية”، منوّها بهذا العمل الرّوائي الرّائد، وبتمايُز نهج قانصو في هذه الترجمة التي حرص من خلالها على نقل التجربة السنغالية إلى مجتمعاتنا العربيّة”.
كتب قانصو في تمهيده للنسخة المترجمة عن الصّدفة التي جمعته بالكاتب سامب، مُستعرضا مفهوم الصّدفة و دِلالتها، مستشهدا بتعريف (أنطوان كورنو) لها بأنها:” لقاءُ سلسلتيْن مستقلتيْن”.
يقول قانصو:” قرأتُ الرواية، ووجدتني أمام كاتب مبدع يقلِّب جِمارًا راقدة في مواقد روحي،أمام متمرِّد يشبهني، أمام عاشق يحمل في قلبه حبّ بلاده…”(ص12).
لا شك في أنّ جوهر القصّ في هذا العمل الذي كشَطَ الروائيّ سامب الغبار السّميك عنه، هو موضوع خِتان البنات في السنغال في المجتمعات الريفية الفقيرة، وما يستتبعه من إجراءات تقوم بها نساء طاعنات في السنّ وغير متعلّمات، يُجرين عمل الخِتان للفتيات الصغيرات بطريقة فيها من الفوضى والأذّية والتّشويه الخُلُقي ما فيها. أتحدّثُ هنا عن طريقة ختن الفتاة لا عن مسألة الخِتان بحدِّ ذاتها، ذلك لأنّها مسألة فقهيّة خِلافيّة، لن أتوقف عندها في هذه المقالة. أمّا الطريقة فهي تكاد تكون وحشيّة، وقد دفعتْ ثمنها غاليا بطلةُ الرواية أوليماتا المولودة في قرية تيينفالا في مالي، والتي صُدمت في طفولتها بالتشوُّه والوجع والعذاب، وحُرِمت من أن تكون في مرحلة الصِّبا شابة مُهيأة للحب والزواج، فما حصل معها وهي في الرّابعة من العمر، جعل مسألة الزواج عندها مسألة غير قابلة للتنفيذ.
{طفولتها الفرِحة تحولت إلى ترحٍ وخوف وصراخ ومن ثمَّ إلى إعاقة}
يبدأ الروائي سامب روايته بمشهد إفتتاحيّ قصير، لكنه صادم ، تطل منه أوليماتا وهي على فراش المرض في المستشفى، هزيلة الجلد، تكاد تخلو من العضل، تُحدِّث نفسَها عن مرضها وصدمتها من إصابتها بمرض السيدا المميت، وتصف المرضى الذين حولها وتروي قصصهم بصورة خاطفة. ثم ترجع بذاكرتها إلى طفولتها الفرِحة التي تحولت إلى ترحٍ وخوف وصراخ ومن ثمَّ إلى إعاقة. إعاقة سبّبْتها لها تلك الإمرأة العجوز التي ختنَتْها بشفرة حلاقة حادّة وبطريقة عشوائيّة مخيفة.
ومن خلال سرير المرض هذا، تستعرض أوليماتا بذاكرتها مراحل حياتها البائسة التي جعلتها دائما على حافة الهاوية والفقر والخطر، بالرغم من انفراج بعض نوافذ الأمل التي سرعان ما كانت تنغلق على سواد أكثر ظلاما من السواد الذي سبقه.
وحده والدها الذي كبر وكان قد أصيب بالعمى بسبب وباء حلّ بأهل القرية وأصاب العديد بهذه العاهة، كان دائما صاحب نظرة ملؤها الحنان والعطف على ابنته، وقد أحضرته أوليماتا إلى مدينة باماكو، حيث كانت تتعلم فيها لفترة وانقطعت عن التعلُّم، فمرّت الظروف بهما بأشكال مختلفة من الصعوبة والهوان والشحاذة.
وكما أنّ إمرأة أذت أوليماتا في طفولتها، بموقع حسّاس من جسمها، أتت إمرأة طبيبة في شبابها وأشفقت عليها وطلبت من طبيب جِراحة تجميلية أن يصلح لها ما خرِب. إلا أن عودة أوليماتا إلى طبيعتها الانثوية شكلا وقالبا، لم تكن في صالحها، فقد أقدمت إمرأة صاحبة خان مشبوه بالعمل في الدعارة،على الغدر بها عبر دسّ مادة مخدرة في شرابها الساخن، وجعلها فريسة سهلة لعدد من الرجال في ليلة واحدة.
{قاربت أوليماتا نهاية العمر على سرير المجتمع الفقير، المتحجر، والقاسي.}
هي لم تعرف من المسؤول منهم عن إصابتها بالسيدا، كل ما تعرفه أنها كانت ضحية في بداية عمرها، فدفعت الثمن من طبيعتها الانثوية السليمة الشكل، واستمرت في تجربة العيش ضحية
وكان الثمن هذه المرة هو الأغلى، فقد خسرت صحتها وقاربت نهاية العمر على سرير المجتمع الفقير، المتحجر، والقاسي.
ويمكن القول إن عنوان الرواية” نظرة الأعمى” لا يُطابق فقط عمى الوالد المفاجىء، بل يغمز من قناة بعض شرائح المجتمع في السنغال، وفي غيرها من مجتمعات الدول المتشابهة،حيث يقود عميان البصائر كلّ الذين لا سلاح لهم ولا قوة.
الناشر: دار البيان العربي للثقافة والنشر
الطبعة الاولى: 2026
عدد الصفحات: 298 من القطع الكبير



