رواية وروائيون

رولا عبدالله / تبني رواية “الحجر الأحمر” بذاكرة الأمكنة الوارفة

الكاتبة رولا عبدالله

تغدو رواية الكاتبة رولا عبدالله” الحجر الأحمر” كالبناء المتماسك الأعمدة والأركان والمداميك. هو بناء ذو شبابيك مفتوحة على هضاب الرؤية الماتعة، وأودية العمق الأخضر.
فالإستجلابات التفصيلية التي تنسجها الكاتبة بمفردات الذاكرة المكانية، وبحوارات الذاكرة النازفة حنينًا لمرثية فلسطين المغتصبة، ولبكائية الفلسطيني المُهجّر كيانًا وروحًا، والمتشبِّث بالبيت والحجر، تضعنا في منظومة بنائية للسّرد، لا تخلو من التماسك المتين، ومن التوليف الرائع بين شخصيتيّ الرواية الأساسيتيْن، براء وميسون، بالإضافة إلى الجدّ الذي أورث حفيدته مبناه وأوصاها بتحويله إلى متحف للكتاب.
وهذا باعتقادي ما يغني المنظومة الروائية -إن صحّت التّسمية – خاصة عندما تحرص الكاتبة على الإمساك بمقومات الرويّ من الناحية اللغوية والفنية والجمالية، ضمن حبكة جميلة التوليف الحدثي والتقطيع الزمني والغائية الفكرية التي يتضمنها مسار الرواية على صعيد الوجدان. هذا الوجدان الذي بدا وكأنه يغني الذكريات ليتردد صداها بين ثلاثة بلدان، البلد المسروق فلسطين، والبلد المنكوب لبنان، والبلد المضيف لندن، وذلك بهدف أن يسمعها حتى الحجر الممتنع عن السّمع.

{اتخاذ الحجر الاحمر كعنوان رئيسي للرواية، لم يأت من مجرد اختيار شكلي، بل أتى كإختيار روحي}

ماهرة رولا بالدخول في تفاصيل الحركة الانتقالية للأشخاص، لها عين فنية قادرة على تصوير مشهدية اللقاءات، وثقافة غنية تثري اللغة الحوارية حتى برائحة “عطر الليمون واللافندر”، كأن قلمها آلة تحفر به في أعماق النفس، لتستخرج المخبوء من الكلام والشعور والعِبر.
ويمكن القول إن اتخاذ الحجر الاحمر كعنوان رئيسي للرواية، لم يأت من مجرد اختيار شكلي، بل أتى كإختيار روحي مشبع بأسماء الاحجار ونوعياتها وبلدانها، من جهة، وبمراتع حضور الانسان الفلسطيني بخاصة، في السكن المخطوف والسكنى المهاجرة، وفي الحنين الموصوف والفقد الموجع، من جهة ثانية. نقرأ مما ورد (ص9):” كان على الخط الآخر مهندس معماري مقدسي. تشاركنا صغارا عناء البحث عن الحجارة الملونة. كنا نقسمها بحسب الانواع: الطبشوري، الصوان، الرملي، الجرانيت، البركاني. نوزعها في قطر لا يتعدى المترين، بحسب المناطق والأوطان: حجر الشيرا الرمادي الداكن الموشح بالبيج من حصة جبل لبنان، الأخضر يتبع بحمدون، العرسالي بألوانه الأبيض والأسمر والعاجي، الحجر الرملي إلى الساحل، الكلسي الأبيض إلى صيدا…”.

{المقدسية إذا قررت الارتباط بشاب من الضفة الغربية أو قطاع غزة، فإن الاحتلال يسلب منها هويتها}

تنطلق الرواية من منطقة زقاق البلاط وإرث جدّها لميسون وتعلقه بكتب التراث والمخطوطات النادرة، وحلمه بتحويل مبناه القديم إلى متحف، وتتجه الرواية بعد انطلاقها، إلى الحاضر مرّات، ومرّات أخرى إلى الماضي، في صياغة توليفية سلسة على صعيد القص الحكائي، ومرنة عل صعيد تشابك الذكريات والمحطات المَرويّة بين براء وميسون وباقي شخوص الرواية، وتحديدا جدّها لميسون الذي ترك لها غير إرث المبنى والكتب الثمينة، رسائل خاصة بوجدانياته، نقرأ بعض ما جاء في إحداها(ص62):” أختي تعرضت لسحب هويتها منها. جُرّدت من كامل حقوقها. هل تعرفين ما ذنبها. ذنبها أنها أحبت. لأن المقدسية إذا قررت الارتباط بشاب من الضفة الغربية أو قطاع غزة، فإن الاحتلال يسلب منها هويتها ويحكم عليها وعلى شريك حياتها وعلى أطفالها بالشتات بقية حياتهم”.
لا شك في أنّ أدوار شخوص العمل وحكاياتهم المتأرجحة بين الحزن والامل، بين اليأس والحماسة، وبين القهر والبطولة، تطرحها الروائية رولا عبدالله في سياق تراتبيّ حينًا، وتفاوتيّ حينا آخر، وذلك خدمة لبنية السرد الروائي الذي يقوم على الذاكرة والحركة والاحساس واللغة والفكر والصورة والاحداث والمفاجآت. من هنا نترك للقارىء الذي يهمه اقتناء هذا العمل، متعة قراءته والوقوف على تفاصيله المرصوفة بالحجر الأحمر.

يقع الكتاب في 168 صفحة من القطع الكبير
الناشر : منشورات ضفاف/ لبنان، منشورات الاختلاف/ الجزائر
صدرت الطبعة الاولى منه عام 2020

زر الذهاب إلى الأعلى