رواية وروائيون

رولا عبدالله/”فتاة المتاهة” لغيوم ميسو هشاشة الذاكرة وثقل الذنب

 في روايته “فتاة المتاهة”، الصادرة حديثاً عن دار “هاشيت أنطوان-نوفل” (ترجمة سمر معتوق)، يجرّب الكاتب الفرنسي غيوم ميسو الخروج من منطقة الراحة التي رسّخته كأحد أكثر كتّاب التشويق قراءة في فرنسا، ليمتحن حدود النوع البوليسي ويقحم فيه أسئلة وجودية وفلسفية صريحة. ليس عبثاً أن يفتتح النص بعبارتين لميلان كونديرا وبول فاليري: “من يعش حياة واحدة فكأنه لم يعش يوماً” و”كل بداية نهاية لما سبقها”.هاتان العتبتان ليستا زينة افتتاحية، بل إعلان برنامج روائي يريد أن يختبر هشاشة الهوية، وقلق البدايات، وملمس الحقيقة حين تخلط بالوهم.

المتاهة
تبدأ الرواية مما نهرب منه عادة: مشهد اعتداء عنيف على يخت فاخر في خليج “كان” ينتهي بمقتل أوريانا دي بييترو، الوريثة والصحافية الإيطالية التي صنعت لها أعداء كثيرين في عالم المال والإعلام. تتلقّف الصحافة الخبر، وتتدخّل الشرطة، وتُفتح تحقيقات متشعبة، في إطار يبدو للوهلة الأولى وفياً لقواعد الرواية البوليسية الكلاسيكية. لكن ميسو، الذي يتقن هذا القالب، لا يكتفي به، فالجريمة هنا ليست سوى باب صغير إلى متاهة أكبر.
من خلال استجوابات متلاحقة، يوسّع الكاتب دائرة الشك: زوج غامض هو أدريان ديلوناي، عازف بيانو جذّاب؛ شابة تدعى أديل كيلر، كانت مربّية لأطفال أوريانا ثم صديقتها فـ”عدوّتها” ومنافستها على قلب الزوج، وشخصيات ثانوية أخرى تشكّل ضباباً كثيفاً حول الحقيقة. غير أن المفاجأة الحاسمة تأتي حين يعود السرد إلى لحظة معرفـة أوريانا بإصابتها بورم في الدماغ لا شفاء منه. هناك تبدأ المتاهة الفعلية: المرأة التي تشعر أن الموت يقترب، تقرر أن “تنظّم” حياة أولادها بعد رحيلها، فتدفع زوجها – من حيث لا يدري – إلى الاقتراب من أديل، وتمنح هذه الأخيرة دور “فتاة الظل” التي ستحل مكانها في البيت.
ما يلبث أن يتضح للقارئ أن أديل ليست سوى شخصية من نسج خيال أوريانا نفسها، نتاج انفصام شخصية ممتدّ إلى طفولتها، حين تسبب حادث سير مرتبط بقطتها في موت الأم وتعريضها لرحلة علاج طويلة. هنا تتجاوز المتاهة حدود الحبكة البوليسية، فالمكان المغلق (اليخت، المنزل، المستشفى) ليس سوى تجسيد لداخلٍ مضطرب، حيث تتداخل الذاكرة مع الخيال، والذنب مع الرغبة، والحقيقة مع الظنّ.
جوستين: عدالة مكسورة
في موازاة ذلك، يصوغ ميسو شخصية الشرطية جوستين في الخمسينيات من العمر، التي تتولى التحقيق في القضية. خلف ملامح المحقّقة الصارمة امرأة مهزومة عاطفياً: زوج تركها ليتزوج طبيبة أسنان أصغر سناً بغرض الإنجاب، تاركاً إياها في مواجهة حرمان الأمومة وقهر الخيانة. لا تخفي الرواية تعاطفها مع هذه الشخصية، لكنها لا تعفيها من السؤال الأخلاقي؛ فجوستين، التي يُفترض أن تقف على مسافة واحدة من الجميع، تقترب من أدريان بدافع القلق على الأطفال من التشرد بعد موت والدتهم، ثم تتورط عاطفياً في نهاية النص في علاقة معه.

{هذه البنية الكولاجية ليست مجرد لعبة شكلية، فهي جزء من استراتيجية واضحة}

بهذه الحركة، ينسف ميسو صورة “العدالة المحايدة” لصالح رؤية أكثر التباساً للإنسان: المحقّقة ليست “الملاك الحارس” للحقيقة، بل كائن هشّ، يتخذ قراراته تحت وطأة احتياجاته الخاصة. استقالتها من الشرطة بعد أن فقدت أعصابها نتيجة الضغط الحياتي لا تعني انسحابها من المتاهة. بالعكس، تواصل التحقيق مع مساعدها خارج الإطار الرسمي، في محاولة لإنقاذ الزوج المتّهم – وربما لإنقاذ صورتها عن نفسها.
لعبة الكولاج السردي
يبني ميسو الرواية كسلسلة من اللقطات المتراكبة: تقارير صحافية، شهادات، مشاهد تحقيق، فصول تستعيد الماضي، وأخرى تجري في الحاضر، إلى جانب مقاطع تكاد تكون سينمائية في دقتها البصرية، بدءاً من وصف الريفييرا الفرنسية والبحر الذي يلمع “بلون أزرق غامق يصيبك بالدوار”، وصولاً إلى مشهد الضربة الأولى التي تتلقاها أوريانا على رأسها فوق جسر القارب.
هذه البنية الكولاجية ليست مجرد لعبة شكلية، فهي جزء من استراتيجية واضحة لتقويض يقين القارئ. فما إن يعتاد على خط سردي حتى ينقلب، وما إن يظن أنه أمسك بخيط الحقيقة حتى يكتشف أن ما قرأه قد يكون رواية موازية حاكتها أوريانا في رأسها، أو إسقاطاً من ذاكرة جوستين المضطربة. بهذا المعنى، تُكتب الرواية كأنها دعوة إلى الشك في ما وراء كل جملة، إلى إعادة قراءة ما سبق على ضوء ما يليه.

{ميسو لا يستخدم الاضطراب النفسي كأداة حبكة فحسب، بل كعدسة لرؤية العالم.}

الانفصام… بين الشخص والنص
يعالج ميسو موضوع الانفصام النفسي بحذر نسبي، محاولاً ألا يختزله في صورة نمطية لـ”القاتل المجنون”، بل كامتداد لتجربة فقدان وذنب مزمنين. أوريانا التي حملت عقدة موت الأم على كتفيها سنوات طويلة، تنقسم داخلياً لتخلق امرأة أخرى – أديل – تُسقِط عليها الخوف والرغبة معًا: الخوف من أن تُستبدَل، والرغبة في أن تضمن استمرار العائلة بعد رحيلها.
حين يلاحظ الطبيب النفسي التغيّر في صوت أوريانا وتعابير وجهها بين استجوابين متتالين في المستشفى، ندرك أن ميسو لا يستخدم الاضطراب النفسي كأداة حبكة فحسب، بل كعدسة لرؤية العالم. الانفصام هنا لا يقتصر على الشخصية، إنه انفصام عصر كامل بين واقع يزدحم بالصور والمعطيات، ووعيٍ عاجز عن استيعاب ما يحيط به، فيلجأ إلى اختراع سرديات بديلة ليحمي نفسه.
متعة التشويق وحدودها
على المستوى الفني، يواصل ميسو استخدام تقنيته المعهودة في المفاجآت المتتابعة، فالقارئ لا يكاد يلتقط أنفاسه حتى يجد نفسه أمام انعطاف جديد. هذا الإيقاع السريع يحافظ على توتر الرواية إلى صفحاتها الأخيرة، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً نقديًا: إلى أي حدّ يمكن للالتواءات السردية المتلاحقة أن تبقى فاعلة قبل أن تتحول إلى عبء؟

{فتاة المتاهة” تقدّم واحدة من أكثر تجارب ميسو نضجاً من حيث العلاقات بين التشويق والفكرة}

أحياناً تبدو الرواية مزدحمة بالشخصيات والطبقات، كأن الكاتب يريد أن يبرهن للقارئ باستمرار أنه قادر على “المزيد” من الحبكات والألاعيب. هذا الازدحام قد يحدّ أحياناً من تعميق بعض الخطوط النفسية، خصوصاً في ما يتعلق بجوستين وعلاقتها بتجربتها الخاصة كـامرأة مقصيّة من الأمومة.
ومع ذلك، يبقى أن “فتاة المتاهة” تقدّم واحدة من أكثر تجارب ميسو نضجاً من حيث العلاقات بين التشويق والفكرة. فالمتعة القرائية لا تأتي من سؤال “من القاتل؟” بقدر ما تأتي من تفكيك العلاقة بين الحقيقة والوهم، بين ما يرويه الناس عن أنفسهم وما يخفونه حتى عن ذواتهم.

تواريخ متقاطعة
في ضوء استهلال الرواية باقتباسي كونديرا وفاليري، يمكن قراءة “فتاة المتاهة” كتمرّن على فكرة أن الإنسان لا يعيش حياة واحدة متماسكة، بل سلسلة من الحيوات المتقطعة، كل بداية فيها هي نهاية لما قبلها. أوريانا التي تخترع أديل، وجوستين التي تتورط مع أدريان، والزوج الذي يتأرجح بين وفائه لزوجته المريضة واحتياجه إلى حياة طبيعية لأطفاله – جميعهم يمشون في متاهة لا جدران لها سوى الخوف من الفقد.
هنا تحديداً تتجاوز الرواية حدود “الإثارة النفسية الخالصة” التي تحدثت عنها مجلة “لوبوان”، لتطرح سؤالاً أعمق: هل يمكن للإنسان أن ينجو بحقيقة واحدة عن نفسه؟ أم أن النجاة، كما يلمّح ميسو، تمرّ عبر الاعتراف بأننا نعيش دائمًا بين أكثر من نسخة منا، بين ما نحن عليه فعلاً وما نختار أن نرويه؟
بهذا المعنى، تقدّم “فتاة المتاهة” نصاً يمكن قراءته على مستويين: رواية مشوّقة تُقرأ في جلسات سريعة، وتجربة فكرية أبطأ تظل تعمل في ذهن القارئ وقتاً أطول، وتدعوه إلى مراقبة متاهته الداخلية هو، لا متاهة الشخصيات فقط.

زر الذهاب إلى الأعلى