فكر ونقد

كمال بكداش/ ما هو نظام الحكم الأنسب لمجتمع مشرقي تعدّدي؟

  لا يستطيع البشر في العالم الحديث الإفلات من الدولة. فالمجتمعات تجد نفسها في هذا العالم مرغمة على التشكّل في دولة، أو على اللجوء إلى ظل دولة قائمة. والدولة تتجسّد في نظام حكم ومؤسسات، إلا أنها موجودة بصورة أساسية في روح وعقل مواطنيها، فإذا لم يؤمنوا أو لم يعودوا يؤمنون بوجودها، فما من ممارسة يمكنها أن تمنحها الحياة.

1-ولدت دول المشرق العربي (لبنان، سوريا، العراق) منذ قرن (لبنان 1920، سوريا 1925 – 1935، العراق، 1921)، ومن علائم وجودها بعد هذا التاريخ استمراريتها في المكان والزمان، أي ثباتها كوحدات سياسية جغرافياً في كيانات، واستمرارية الجماعات السكانية المكوّنة لهذه الكيانات، ومن هذه العلائم أيضاً قيام مؤسسات دائمة، ولاسيما المؤسسات القضائية، والمالية التي شكّلت الدول المنتدبة (فرنسا وبريطانيا) هياكلها على منوال مؤسساتها الراسخة. ويمكن أن نضيف أن من علائم وجود هذه الدول، من الوجهة الذاتية، مشاعر الولاء المنقوص التي انتقلت تدريجاً وجزئياً فقط من الجماعات الأهلية (الطائفة، المنطقة، العشيرة…) إلى الدول الجديدة، وبهذا الولاء الجزئي أو المنقوص اكتسبت هذه الدول لفترة عقدين أو ثلاثة تقريباً بعد استقلالها سلطة معنوية معقولة استطاعت أن تسند بها بنية مؤسساتها وتفوقها الشرعي النسبي على “الشرعيات” الأهلية الأخرى.
2-لم تكن هذه الدول في أي وقت من وجودها قوية بصورة كافية لكي تكون لها فرص معقولة للبقاء والاستمرار، ولم تنجح في إعطاء شعور قوي بالهوية المشتركة للجماعات الأهلية. وبالرغم من ذلك لا تزال هذه الدول قائمة في المكان نفسه ومستمرة في الزمان منذ قرن. غير أنه بتأثير أزمات وانهيارات متوالية تراجعت مشاعر الولاء، المحدود أصلاً، لهذه الدول وتدهورت بشدة وقفلت عائدة إلى الجماعات الأهلية، وبذلك فقدت هذه الدولة مصدراً من أهم مصادر سلطتها المعنوية وقدرتها على فرض شرعيتها على “الشرعيات” الأخرى.
لقد فقدت الدول في المشرق العربي (لبنان، سوريا، العراق) إذاً وإلى حد كبير بعض أهم شروط وجودها: (أ) احتكارها للمكان واستمرارها منفردة في الزمان، حيث تتشارك المكان معها ولفترات زمنية قوى أجنبية وأهلية (العراق، سوريا) وأهلية ودولية (لبنان)، و(ب) فقدان الطابع اللاشخصي لمؤسساتها، حيث تُخصّص هذه المؤسسات لطوائف بعينها ولقوى وزعامات طائفية بعينها، (جــ) ثم تدهور غير مسبوق لمشاعر الولاء – المحدود أصلاً- تجاهها. ولذا فَقَد “مواطنو” هذه الدول إيمانهم بدولهم أو على الأقل بصيغ نظم الحكم المعمول بها في هذه الدول.
3-من المعلوم والمقرّ به أن مجتمع المشرق العربي (لبنان، سوريا، العراق) مجتمع متعدّد الأديان والطوائف والقبائل والقوميات ومتفاوت الطبقات الاجتماعية، ومتنوّع الميول والعقائد السياسية. والمسألة التي شغلت منذ انفكاك هذا المجتمع عن تركيا وإنشاء دوله ومازالت تشغل حتى اليوم المثقّفين والناشطين والنخب السياسية هي: ما طبيعة نظام الحكم السياسي الأنسب لهذا المجتمع؟

{تقوّى المنظور الديمقراطي بالإنتفاضات العربية التي أجمعت على مطلب الحكم التمثيلي التداولي}

ظهرت منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية – على عتبة استقلال “دول” المجتمع المشرقي إلى اليوم- عدة أنماط من الإجابات على هذه المسألة:
أ- تمثّلت إجابة أنصار الديمقراطية الذين اطلعوا اطلاعاً لا بأس به على تجارب الحكم السياسي في بلدان شمال وغربي أوروبا وشمال أميركا في الإستنتاج بأن الاستقرار النسبي والفعالية النسبية لنظم الحكم الديمقراطية في هذه البلدان يستند إلى الاعتراف بالمساواة القانونية – المكرّسة بالقوانين الدستورية – بين جميع أفراد المجتمع.
بناءً على ذلك اعتقد أنصار الديمقراطية بأنه لابدّ أو يجب أن ينطلق مجتمع المشرق التعدّدي من هذا المبدأ: جميع أفراد المجتمع متساوون أمام القانون. وانطلاقاً من هذا المبدأ يجب أن ينبثق الحكم من أفراد المجتمع المتساوين، دون تمييز أو تفرقة. وبما أن هؤلاء الأفراد لكثرة عددهم لا يستطيعون تمثيل أنفسهم بأنفسهم كان من البديهي أن ينبثق عنهم مجلس تمثيلي عن طريق الإقتراع العام الحر والنزيه، وأن يشكّل ممثلو التيار الأغلبي أو الأكثري في هذا المجلس حكومة أغلبية أو إئتلافية.
تقوّى المنظور الديمقراطي بالإنتفاضات العربية للعام 2011 التي أجمعت على مطلب الحكم التمثيلي التداولي، أي الديمقراطي، التي كادت أن تسفّه الإفتراضات التي أشاعها قطاع من المثقفين العرب القائلة أن “العرب” مازالوا “غير ناضجين” بعد، ثقافياً على الأرجح، للديمقراطية أو لا حاجة لهم بها أصلاً، غير أن إخفاقات هذه الإنتفاضات التي توالت وما أعقبها من حروب أهلية وإرتداد إلى حكم العسكريين أتاحت لمناهضي الديمقراطية المزمنين الربط ربطاً سببياً بين الإنتفاضات من جهة والخراب الذي أعقبها من جهة أخرى، وإلى ترويج سمعة سيئة للديمقراطية.

{الديمقراطية الصرفة أو العددية غير المقيّدة بالقيد الطائفي تمثّل بالطبع “مثالاً أعلى”}

غير أن أنصار الديمقراطية يعزّون أنفسهم بأنه لم يتبنّأ أحد بإندلاع الانتفاضات العربية ولا بمصائرها، وأن هذه الإنتفاضات جميعها جسّدت في الواقع التاريخي مرحلة متقدّمة في تنامي الوعي العربي الجديد من مرحلة الرغبة أو الإرادة في تقويض ما هو كائن: الحكم التسلطي، إلى مرحلة ما يجب أو يمكن أن يكون: الحكم الديمقراطي، ثم إلى مرحلة الفعل لتحقيق هذا التصوُّر في الواقع التاريخي: الإنتفاضة.
لا ريب أن الديمقراطية الصرفة أو العددية غير المقيّدة بالقيد الطائفي تمثّل بالطبع “مثالاً أعلى” يتطلع إليه أنصار الحداثة السياسية، إلا أنها إذا ما وُضعت موضع التجريب الذهني (وهو تجريب معترف به في علوم الإنسان والمجتمع، إضافة إلى العلوم الفيزيائية) فسوف يتضح أن انطواء تطبيق هذه الصيغة من الحكم على مخاطر في مجتمع تعدّدي لا تزال جماعاته الأهلية تشعر شعوراً قوياً بذاتياتها أو هوياتها الخاصة. فماذا لو حملت انتخابات حرة ونزيهة وتنافسية في ديمقراطية غير مقيّدة طائفياً إلى المجلس التمثيلي تمثيلاً “غير منصف” في تقدير جماعة من الجماعات؟ أليس من المحتمل أن تسعى الجماعة المنكفئة التي تشعر بـــ “الغبن” إلى تعزيز حصتها في الحكم بطرق غير ديمقراطية؟ بالطبع قد يذهب التجريب الذهني إلى أبعد من ذلك في تقدير المخاطر المحتملة التي قد تنطوي عليها ديمقراطية غير مقيدة لتمثيل الجماعات الطائفية بحصص محدّدة ومرضٍ عنها في آن معاً.
ب-انطلقت إجابة القوميين العرب والسوريين من إثارة الشك بداية في إمكان تطبيق النظام الديمقراطي في المجتمع المشرقي، ومن أن المساواة القانونية في هذا النظام بين جميع أفراد المجتمع في فرص الترشح أو الإنتخاب لا تعني أن هؤلاء الأفراد متساوون فعلياً أو واقعياً في استخدام هذه الفرص.

{يرى القوميون أن استنتاجاتنا حول أفضلية نظام حكم على نظام آخر في المجتمع لا بد أن تستند إلى الخبرة}

بالإضافة إلى ذلك يرى القوميون أن استنتاجاتنا حول أفضلية نظام حكم على نظام آخر في المجتمع لا بد أن تستند إلى الخبرة المحسوسة أو العينية في المجتمع، في المدينة والريف والبادية، واستناداً إلى هذه الخبرة يخلصون إلى أن أفراد مجتمع المشرق كانوا وما زالوا “غير ناضجين” للنظام الديمقراطي، ولا حاجة لهم به أصلاً، لأنهم يفتقرون للثقافة الديمقراطية في مجتمع أبوي اعتادوا فيه على مستوى الأسرة والقرية والحي، أن يطيعوا سيداً واحداً، لذا فإن نظام الحكم الأنسب لهم هو “الحكم المركزي القوي” – والمقصود الإستبدادي – الذي يناسب مجتمعاً تعددياً تمزّقه إنشقاقات ونزاعات مترسبة في الذاكرة منذ قرون. وأقصى ما يبلغه القوميون في هذه الإفتراضات دفاعهم عن الاستبداد كمرحلة ضرورية لــــ “إنضاج” التحوّل نحو الديمقراطية ودولة القانون.
صحيح أن الوعي الشعبي العام قد استبدّ به في عقديّ الخمسينات والستينات اعتقادٌ بمسؤولية وقدرة “الحكم المركزي القوي” – مجسّداً في القائد الكارزمي (ناصر) وفي حكمته الذاتية المفترضة على معالجة مسائل المجتمع والوطن على الوجه الأكمل، إلى أن وجّهت هزيمة حزيران 67 ضربة قوية إلى هذا الاعتقاد. غير أن هذا الإعتقاد – الذي يُخلي به الناس من مسؤولياتهم السياسية – إستمر ولو بصورة واهنة لعقدين لاحقين تقريباً، وفحواه أن ورثة ناصر المكرّسين ذاتياً قادرون بأشخاصهم وعُصّبهم من المقرّبين على إدارة بلدانهم بلا مؤسسات تمثيلية وتداولية حقة وضوابط شرعية مُلتزمٌ بها.
بدأت تظهر منذ الثمانينات – في ظل تطورات معلومة – علامات الوهن والترهل على النظم “المركزية القوية” المتمحورة حول “القائد”، وبدأ معها الوعي العربي الشعبي يدرك علامات الخراب ويستبد به شعور مضنٍ بالهوان والعجز، وفي اللحظة التاريخية نفسها إنفتح هذا الوعي على مشهد عالمي لم يطرق أبصاره قط من قبل: التحوّل الكوني نحو الديمقراطية كنظام للحكم في بلدان ما كان يعرف “بالعالم الثالث”، إلى أن عبّر هذا الوعي الجديد عن نفسه بأوضح صورة ممكنة في الإنتفاضات العربية:
أ-يسلّم الواقعيون الإجتماعيون بنقطة الإنطلاق نفسها: المشرق مجتمع تعدّدي، إلا أنهم إضافة إلى ذلك يعترفون بخصوصية كل جماعة من جماعاته – الطائفية والقومية خاصةً – لناحية تصوّرها لذاتها وتصوّرها لغيرها من الجماعات. ثمة حدود بين الجماعات الأهلية مرسومة في وعي كل فرد تقريباً من أفرادها، وقد يكون لهذه الحدود ترجمة جغرافية بين القرية والقرية، وبين الحيّ والحي. وعادةً ما يشعر الفرد داخل حدود جماعته بأنّه ضمن منطقة آمنة فيما يشعر بشيء من القلق عندما ينتقل إلى حدود منطقة جماعة أخرى، أو بشيء من التساؤل عندما ينتقل فرد من جماعة أخرى إلى حدود جماعته.

{تمثّل “الصيغة اللبنانية” النموذج الإرشادي من الحكم الديمقراطي المبني على مشاركة الطوائف}

فالواقع – من منظور الواقعيين الاجتماعيين – أن الجماعات في المشرق العربي- أكانت طوائف أو إتنيات – أقرب ما تكون إلى القبائل من حيث أن العامل الرئيسي من ديمومتها، كما في ديمومة القبيلة، هو الإلتحام، وغايتها تعظيم نفوذها في السلطة.
إستناداً إلى هذه الخصوصية يعتقد الواقعيون الإجتماعيون بضرورة تمثيل كل جماعة من جماعات المجتمع تمثيلاً عادلاً أو منصفاً في الحكم المشترك، في ما يمكن أن يسمّى “حكم مشاركة الجماعات الديمقراطي”. وقد يتخذ هذا النوع من التمثيل أشكالاً عديدة، والشّكل المجرَّب في بعض الدول هو تخصيص الجماعات بحصص محدّدة ومقرّرة في مؤسسات الحكم، أي المجلس التمثيلي والحكومة والرئاسات، وذلك وفق معيار أو أكثر من المعايير كالعدد، والإسهام في المجتمع، والمصلحة العامة… إلخ، ويمكن لجميع نظم الانتخابات الفردي والأكثري والنسبي والمختلط إنتاج هذا الحكم الديمقراطي المبني على مشاركة الجماعات.
تمثّل “الصيغة اللبنانية” النموذج الإرشادي لهذا النوع من الحكم الديمقراطي المبني على مشاركة الطوائف. وتقوم هذه الصيغة على تمثيل جماعات الطوائف بأنصبة أو حصص محدّدة في مؤسسات الحكم، وذلك من طريق انتخابات نيابية أُجريت وفق قوانين انتخابات متنوعة، ومبدأ الصيغة – أي تمثيل الطوائف – راسخ رسوخاً قوياً منذ نظام المتصرفية إلى نظام الطائف مروراً بالانتداب والعهد الإستقلالي، وبات يشكّل ما يشبه نموذجاً إرشادياً يكاد يصعب التفكير خارج إطاره. وهذا واقع لم ينشأ عن عبث: فالجماعات الطائفية كانت تُرسل على الدوام إشارات إلى أنها محكومة بشعور قوي بذاتياتها أو هوياتها الخاصة، فيما منظماتها السياسية تكاد لا تهدأ، في خطاباتها وأفعالها، عن رسم الحدود بين الطوائف، وذلك لتُحكِم كل منظمة نفوذها على طائفتها الخاصة وما يستدعيه هذا النفوذ من موقع قوة في مؤسسات الحكم وفي تقاسم موارد الدولة. تلك هي على وجه عام القاعدة التحتية للصيغة اللبنانية.

{الخبرة الواقعية تدلُّ بأنّ هذا التشارك لابُد وأن يشلّ الحكم شلاً جزئياً أو كلياً}

من المعلوم أن تطبيق هذه الصيغة في مؤسسات الحكم، لاسيما في الحكومة، تطبيقٌ مأزوم على الدوام، حيث تُصاب أحياناً بشلل شبه تام عند بعض الاستحقاقات الهامة، كإنتخاب رئيس للجمهورية أو تأليف حكومة، وأحياناً أخرى بشلل جزئي لاحتياجها إلى ما يسمّى التوافق في إتخاذ قرارات بسيطة، كتعيين مدراء عامين وما شابه. ولكن تبدو الصيغة في حالات أخرى عديدة أنها تعمل بصورة “طبيعية” في تسيير الشؤون العامة.
ب-يؤكد أنصار الثقافات المحلية على الخصوصيات الثقافية للجماعات الأهلية وعلى ضرورة تمثيلها جميعها في الحكم، إلا أنهم لا يعتقدون بإمكان تشاركها في حكم مشترك، ذلك أن الخبرة التاريخية الواقعية تدلُّ بأنّ هذا التشارك لابُد وأن يشلّ الحكم شلاً جزئياً أو كلياً، ولا يعمل إلا بالتوافق، والتوافق غاية لا تُدرك بسهولة.
لذلك يقترحون، حلاً لهذه المعضلة، نظام حكم قائم على التشارك بين الجماعات في الشؤون المشتركة كالنّقد والدفاع والسياسة الخارجية وفك الإرتباط بينها في الشؤون المحلية غير المشتركة كالخدمات على أنواعها والشرطة، وهو ما يستدعي نظام حكم محلي موسّع يراعي – إلى الحد الممكن – توزُّع الجماعات على جغرافية المجتمع.
إتجه العراق إلى نظام هجين يجمع بين نموذج الصيغة اللبنانية، من حيث تخصيص الرئاسات الثلاث “بالمكونات” الرئيسية الثلاثة، الشيعة والسنة والأكراد، وبين نظام اتحادي يكون فيه لكل إقليم مجلس تمثيلي محلي وحكومة محلية، وهو ما تمثّل حتى الآن في “إقليم كردستان العراق”، ومن المحتمل أن تتجه سوريا – رغم رفض الحكم الجديد لـــ “المحاصصة”-، إلى صيغة من الحكم المحلي الموسّع مع إحتفاظ الحكم المركزي بالطبع بإدارة الدفاع والنقد والسياسة الخارجية، وذلك بصورة تراعي توزّع الجماعات السورية، لاسيما العلويين والدروز والأكراد، على جغرافية المجتمع السوري، ويميل قطاع واسع من الجماعة المسيحية في لبنان، لأسباب يطول شرحها، إلى صيغة أو أخرى من فك الإرتباط مع المسلمين، سنة وشيعة ودروز، ومنها صيغة “اللامركزية الإدارية الموسعة” التي أقرها اتفاق الطائف، وصيغة الفيدرالية التي تتوزّع فيها الطوائف على “أقاليم” يستقل كل منها بمجلس تمثيلي وحكومة يديران عدداً من الحقول المحلية.

{نظام الحكم ليس مرآة عاكسة لمكونات المجتمع، بل هو أداة لحكم المجتمع}

ويصطدم تطبيق هذه الصيغة في لبنان بما لا يحصى من أنواع العقبات، ولعل أوضحها التداخل الكثيف لسكن الجماعات الطائفية في كل منطقة ومدينة وفي العديد من البلدات والقرى.
تلك كانت بعض المنظورات الأساسية المتداولة حول مسألة طبيعة نظام الحكم الأنسب لمجتمع مشرقي تعدّدي، ولعل من المفيد التذكير في الختام أن نظام الحكم ليس مرآة عاكسة لمكونات المجتمع، بل هو أداة لحكم المجتمع ولكي تكون هذه الأداة فعّالة، أي تحقّق النتائج المرجوة من وجودها، لابد أن تحظى بقبول الناس. ويبدو أن إحدى الطرق لحيازة هذا القبول هو تمثيل الناس تمثيلاً عادلاً أو منصفاً. والتمثيل المنصف ليس مطلوباً لنفسه كمطلب أخلاقي بل كوسيلة ضرورية رغم أنها غير كافية لتأمين فعالية الحكم.
وما لم يتأمّن الإنصاف – بل الشعور بالإنصاف – في تمثيل الناس أفراداً وجماعات في مؤسسات الحكم، فلا نتوقع سوى أن نلقى إعتمال الضغائن في نفوسهم، تكمن حيناً ثم تنفجر حروباً أهلية وانتفاضات تخلّف الخراب المديد. وهو ما شخّصه الشاعر الأخطل (الكبير) أروع تشخيص بقوله:
إنّ الضغينــةَ تلقـاهــا وإنْ قدُمــتْ
كالعَرِّ (أي الجراب) يكمنُ حيناً ثم ينتشرُ

زر الذهاب إلى الأعلى