فكر ونقد

وجيه قانصو / لماذا تفشل دعوات التغيير في المجال العربي

وجيه قانصو

عاملان تركا أثراً عميقاً في علاقة الدولة بالمجتمع في المجال العربي المعاصر. أولهما فشل الدولة في مشروع النهضة والتحديث، وثانيهما فقدان الثقة المجتمعية بالدولة وتحولها إلى كائن غريب وثقيل على المجتمع، دفع أفراده في لحظة من لحظاتهم لا إلى القطيعة معها، بل إلى معاداتها والبحث لأنفسهم عن ملاذات أمان خارجها، ما خلق تسامحاً مجتمعياً في ظهور مشاريع عنفية بداخله تعادي أصل فكرة الدولة وتسعى للانقضاضا عليها.
لم يبرز الشعور بالقطيعة الشديدة بين الدولة والمجتمع وتخلي الناس عنها في مرحلة النهوض الوطني والقومي طالما كانت أهداف الدولة تبدو متماشية مع أهداف المجتمع أو مع جزء كبير منه. لكن الأمر تغير عندما أصبحت هذه السلطة الشديدة المركزية في خدمة مصالح شديدة الخصوصية والضيق . فلم يبرز فساد السياسة المُطَبَّقة فحسب بل برز الطابع غير المحتمل للسلطة المركزية المطلقة، اتخذ معها سمة الاستبداد المضاعف، وجعلها تدرك أن تعويض الانكفاء الشعبي عنها يكون بإعادة انتاج سيطرتها على المجتمع وتكثيف القمع وتعميمه.
رغم سياسات الانفتاح في العالم العربي في بعض البلدان باتجاه الديمقرطية، إلا أنه انفتاح هش وعارض جاء لتخفيف الضغط الدولي عليها من جهة وللتعويض عن فشل الدولة في الإيفاء بوعودها النهضوية. ما جعل ديمقراطيات العالم العربي شكلية جداً ومطابقة في معظم الأحيان لمفهوم الليبرالية الاقتصادية المتفلتة، أي تسهيل عمل الرساميل وانفتاح السوق الداخلي، وبدت (أي الديمقراطية العربية) مجرد استجابة للحاجة الخارجية اكثر منها خيارا سياسياً اتخذته القيادة الوطنية عن تأمل وتدبير.

{شمول السلطة الحالية يعني استتباع المجتمع لها، وبناء شبكة هيمنة تضمن ولاء الفرد والجماعات للدولة}

لم تفشل الدولة في التغلب على تناقضات المجتمع وتمزقاته فحسب، بل عملت على مضاعفة هذه التناقضات وإضافة مشكلات جديدة لم تكن موجودة. فتجدها تتحكم في الإنتاج الاجتماعي المادي والثقافي وتوجهه وتضبطه وتسيره وتراقبه بما تملكه من وسائل قوة وإكراه وأدواتها. وتتصرف بالثروات الوطنية وناتج عمل الجتمع تَصَرُّف المالك بأملاكه، وتمُن على رعاياها بالعطايا والهبات، فتتحكم بالتالي بمقدرات المجتمع وطاقاته، وتفكك التضامنات التي يمكن أن تشكل تهديداً، وتعيد تنسيق بناه الداخلية بما يضمن سيطرتها وديمومتها إلى الأبد.
حين كانت منظومة الطاعة التقليدية تقتصر على عدم التدخل في السياسة وعدم اعتبار الشأن العام ضمن مجال المجتمع، مقابل حيز مستقل للمجتمع في نشاطه وتضامناته، أي علاقة سلب تقوم على ترسيخ انفصال المجتمع عن الدولة. فإن شمول السلطة الحالية صار يعني استتباع المجتمع لها، وبناء شبكة هيمنة تضمن ولاء الفرد والجماعات للدولة. أي علاقة إيجاب بين الطرفين تضمن تغلغل الدولة إلى جميع مظاهر الحياة العامة والخاصة. لذلك، حين كانت البداوة والقبيلة والأطراف البعيدة عن المركز متنفس الفرد في الخروج من سطوة الدولة، فإن شمول الدولة الحالي بتضخم جهازها الإداري والأمني، وقدرتها على الوصول إلى الأرياف والأطراف والسيطرة عليها، ألغى هذا الهامش، وبات الفرد محاصراً ومخترقاً في أخص خصوصياته.

{أصبح أفق المجتمع نتيجة لذلك، أفق اللادولة، بعدما عزز في داخله الإنتماءات البدئية والأهلية}

كل ذلك، تسبب بتدنٍ تدريجيٍ لثقة المجتمع بدور الدولة ووظيفتها، وذبول الشرعية التي تستند إليها الدولة لممارسة مهامها وتسويغ سلطة الأمر لديها. وتسبب بالمقابل بعزلة جماعة السلطة عن المجتمع وتحولهم من جماعة تدير مجالاً عاماً إلى نخبة حاكمة يهمها الدفاع عن مواقعها ومصالحها وسطوتها . هي وضعية أنتجت قطيعة كاملة بين الدولة والمجتمع، فلا السلطة تمارس لتخدم صالحاً عاماً أو تأهيل المجتمع للدخول في الحداثة أو تطوير بناه الإنتاجية، ولا المجتمع بات يجد في الدولة ملاذه وأمنه، بقدر ما صارت عبئاً عليه ومشكلة إضافية تضاف إلى مشكلاته اليومية، فأخذ يبحث لنفسه عن جهة قوة ومصادر ثقة توفر الأمان والسلامة والطمأنينة الكافيين.
أصبح أفق المجتمع نتيجة لذلك، أفق اللادولة، بعدما عزز في داخله الإنتماءات البدئية والأهلية للتعويض عن تهميش الدولة له، ولجأ الفرد إلى تضامنات عصبوية صغيرة تحميه وتحقق له حيزاً خاصاً من تطلعاته وآماله، بعدما كان مستعبداً داخل الدولة. فكان أساس ولاء الفرد وانتمائه وإثبات ذاته يتحقق خارج الدولة وضدها في آن، وكان مجال حريته يجده خارج الدولة وداخل المجتمع وبين أهله وعشيرته وأهل طائفته وملته، التي تمكنه من العيش طوال حياته وراء متاريس تعزله عزلا تاما عن الحكم المطلق، بحيث كلما استظل الفرد بها ازداد قوة وطمأنينة، وكلما استقل بذاته ضعف واستعبد . وهو ما جعل المسار التاريخي للمجتمعات العربية يقلب وجهته، فبدلاً من السير المنتظم نحو التجانس والإستيعاب، صار هناك ميل إلى التفتت والتبعثر، يؤكده التفكك المتواصل للوحدة القومية الموروثة عن الماضي.
بذلك، أدى الفصل بين الدولة والفرد، إلى اتساع الفجوة بينهما. فلا الحكام أخضعوا سلطتهم للمنافسة السياسية، ولم يسمحوا بالتعبير العام، ولم يطالبوا المواطنين بالمقابل أن يشاطروهم أيديولوجيتهم بشكل حميم، ولم يلحوا على ولاء الفرد الذي انصرف وانصب على الأمة والعشيرة والطائفة، بل اكتفوا – أي الحكام – بعدم الإكتراث المعمم، إذ إن المطلوب انتماء عام من دون السعي لإعادة صياغة عقلية المواطنين، أو الوقوف على أرضية مشتركة، أو مجال سياسي جامع، تتم به وعبره صياغة المطالب وبناء قنوات اتصال بين الطرفين.

{صارت معارضة الحكم خروجاً على الدولة، وباتت الدعوة إلى التغيير السياسي تهمة انقلاب وخيانة.}

مع غياب المجال السياسي بصفته الفضاء الذي يجمع الدولة والمجتمع وبنشيء قنوات اتصال بينهما، ومع شخصنة الدولة، أي عدم التمييز بين الدولة والهيئة الحاكمة، صارت معارضة الحكم خروجاً على الدولة، وباتت الدعوة إلى التغيير السياسي تهمة انقلاب وخيانة. بذلك، لم تعد السياسة في المجال العربي تتصف بوجود عملية منظمة لتجميع المطالب بقدر ما هي أفعال للاستيلاء على الدولة وأفعال لمقاومة الدولة والخروج من سطوتها، بحيث بات الفعل المقاوم فعل اللادولة والخروج على القانون، وفعل السلطة فعل استيلاء جهة مجتمعية أو نخبة على الدولة، ما يفقد الواقع السياسي صفة العموم أو الفضاء السياسي العام التي يشمل أهل السلطة والمعارضة معاً ويضبط إيقاعهما.
نتيجة لذلك، لم يعد بالإمكان ترجمة أي سخط أو احتجاج أو عدم رضا داخل المجتمع إلى مطلب سياسي، بحكم غياب الأرضية الجامعة بين الدولة والمجتمع، وفقدان قنوات الإتصال السياسي بينهما، وانعدام القوة الوسيطة بين عموم الناس والدولة. بل صارت وسيلة التعبير الوحيدة هو الخروج من اللعبة السياسية المؤسساتية، والتمرد على شرعيتها، أي الخروج من الدولة، وتشكيل حالة من الهياج الشعبي للانقلاب عليها واستبدالها لا بسلطة جديدة بل بدولة جديدة.

{ثقافة الهيجان الشَّعبي تعبِّر عن استحالة التَّوفيق بين النِّظام والمعارضة}

هذا هو الفارق بين ثقافة المطلب القائمة على المواطنة، وثقافة الهياج القائمة على التمرد والخروج على الدولة. فثقافة المطلب تفترض مسبقاً الإندماج الأدنى للفاعل (المواطن والجماعات والجمعيات) في المجال السياسي الذي هو الارضية الجامعة بين الدولة والمجتمع وقناة التعبير والتواصل بينهما، بحيث يمكن للفرد أو الجماعات داخل هذا المجال، من تحويل سخطهم وغضبهم وعدم رضاهم إلى مطلب عام، ويتم تحويل تعبيره ومصلحته الجزئيين إلى رأي عام ومصلحة عامة. أما ثقافة الهيجان الشَّعبي فتعبِّر عن استحالة التَّوفيق بين النِّظام والمعارضة، وعن استحالة جعل العمل المطلبـي عنصراً مكوّناً لمدى سياسي موحّد. فالمعارضة تصبح ميّالة، من جرّاء انتفاء أية قنوات اتصال أو تعبير مع الدولة، لا إلى تغيير السلطة لأنها مخالفة لأصول الشرعية، بل إلى إعادة بناء شرعية جديدة في مواجهة المسرح السِّياسي الرسمي .
حين يتعزز الفصل بين المجتمع والدولة، وينتفي بالتالي المجال السياسي الذي ينظم علاقة المجتمع والفرد والدولة على قاعدة من الشرعية الكلية الملزمة للجميع، فإن التشوه لا يصيب الدولة وحدها، التي تستغرق في شخصانيتها، أي عرضيتها واعتباطيتها، بل تصيب المجتمع نفسه في علاقاته ونشاطه. إذ بعد تعطيل قدراته الإنتاجية، وتعرضه للتشظي والتفكك الداخليين، وتحوله إلى مكونات عضوية منعزلة ومستقلة عن بعضها البعض، مع إحياءه لبناه التقليدية ولواذه بها لتحميه من الدولة، فإن هكذا مجتمع يفقد زمام المبادرة في التغيير السياسي، وإذا بادر وقرر يوماً التمرد أو الثورة، فإنه وبدلاً من إصلاح الدولة أو تأسيسها على قاعدة حديثة، فإنه يقوض الدولة القائمة من دون أن يكون قادراً على إعادة بنائها من جديد.

زر الذهاب إلى الأعلى